مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

مآزق” السينما المغربية وآفاقه” : إدريس القري

مآزق” السينما المغربية وآفاقه”

 459948_bobine3_cinema_12122010140433

إدريس القري

خاص بالموقع

تقديم.

يحتاج الوضع السينمائي بالمغرب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، لمقاربة تركيبية تقدم طرحا، بغض النظر عن خلاصاته وكيفية بنائها، يقترح رؤية بنيوية تثير نقاشا يبتعد عن تحصيل الحاصل وتكريس واقع قائم، لا أحد يجادل فيه ولا في التقدم النوعي، كميا، الذي تحقق مع الاستراتيجية الجديدة التي يرعاها ويقودها باحترافية وتمكن المركز السينمائي المغربي في شخص مديره العام السيد نور الدين الصايل.

          تفرض هذه المقاربة نفسها بالنظر الى الوضع والوطني العربي والدولي، الذي لا يخفى على أحد ما يتفاعل فيه من تحولات تمس جميع مستويات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية… هذه التحولات تعني السينما بكل تأكيد لأنها ببساطة، ككل الفنون، تنهل من هذا الواقع عن وعي، أو بدون وعي، وبالتالي تساهم في بناء واقتراح وجهة نظر ورؤية وصيغة عنه بغض النظر عن مآل هذا الإبداع، أو أنها تتحمله ليصنع منها مايريد ويطوعها في الاتجاه الذي يخدم “الأقوى”، لتصبح خارج دائرة الفن بمعنى ما، وفي صلب أدوات الدعاية والصناعة الايديولوجية. تتسم هذه التحولات التي تجتاح بلادنا والعالم العربي عامة بالجدة أولا، وبالشمولية ثانيا، وبالعمق ثالثا.

الجدة:

          وتكمن أساسا فيما اصطلح على تسميته ب:”الربيع العربي”، ولسنا هنا بصدد مناقشة التسمية، الذي حمل ويحمل في تباشيره انتفاضات و”ثورات” لا سابق لها في مطلع القرن الواحد والعشرين بالعالم العربي. ولعل أهمية وقوة هذه التحولات تكمن في صدورها عن مطالب ترتبط بقيم الكرامة والديموقراطية والحرية أساسا، لكن والخبز أيضا رغم كل ما قيل ويقال. وذلك ما تثبته الصور المواكبة – طوبى لدور النقل المباشر وللتكنولوجيا التلفزية عبر الاقمار الاصطناعية وإن كانت مُطَوعة – لهذه الهزات الاجتماعية السياسية والثقافية، التي قضى مواطنون من كل الأقطار العربية شوقا إليها دهرا، دون أن يلحقها المؤسسون للحلم على اختلاف مرجعيات “أحلامهم” بغد أفضل.

الشمولية.

          لم تنحصر هذه التحولات في منطقة من مناطق بلد عربي بعينه، بل انطلقت بمدينة معينة لتشمل الوطن بكامله. كما أن هذه الهزات لم تنحصر في بلد عربي واحد، بل سرحت من تونس إلى مصر إلى اليمن إلى ليبيا إلى البحرين ثم إلى سوريا، وبلغ صداه بقية البلدان العربية كالمملكة المغربية والمملكة الهاشمية

 الأردنية والمملكة العربية السعودية كل حسب سياقاته وخصوصيات نظامه وسرعة مبادرته لتجاوز ما حصل في البلدان الخمس التي اهتزت بقوة أركان نظامها السياسي، وهي اليوم تعيش مسار تغيير حقيقي في عمق بنياتها السياسية والاقتصادية والثقافية، مهما بدى هذا التغيير مُعرقلا أو مٍُوجها من الداخل أو الخارج

 بشكل أو بآخر، ومهما كانت المخاطر إذ من المعروف أن لا تغيير دون مخاطرة وآثار “جانبية” قد تمون ثقيلة ولو إلى حين. لقد أصبح التغيير واقعا قائما آخذا في الاتساع لتبقى مسألة مداه وإيقاعه، بالطبع وعلى غرار

 كل التغييرات العميقة تاريخيا، مفتوحة على الآتي المتوسط والبعيد. ذلك أن التغيير الحقيقي يبقى تغيير العقليات والثقافات، ومن ثمة طرائق التفكير والتدبير والبنى السلوكية.

العمق.

          ويتجلى في جذرية التغيير الذي حصل في العديد من هذه البلدان بحيث خرجت فئات واسعة – الصامتة منها وغير الُمسيسة والشباب خاصة – من صمتها لتحتل الشوارع وأهم الميادين بكبريات المدن، وتفجر كل ما حملته لعشاريات طويلة من صمت بل ومما كان يبدو لأغلبيتنا تكريسا، بالصمت والتصفيق، لفقدان الحرية والكرامة والحقوق. هكذا تغيرت المواقف واختفى الخوف، بل حول هذا الخوف مكانه من صدور الجماهير إلى نظرات وقلوب “أقوياء” الأمس، وهاي ذي أنظمة ودساتير ومنظومات قانونية تتغير بشكل جذري لا ينقصه سوى تغيير العقليات وطرائق التدبير والتسيير، التي تبدو سائرة على الطريق التحول بدورها ولكن بإيقاعات مختلفة من هذا البلد إلى ذاك، حسب سياقات وطبيعة نخب واستراتيجيات واكراهات متباينة، من هذا القطر إلى ذاك.

السينما المغربية وسياقها العام.

           قبل هذه الهزة التي لم يكن ينتظرها أحد رغم تكهن الكثير من الفنانين والأدباء والمفكرين بخطورة عواقب الاحتقان الذي كان ولا زال يشمل المجتمعات العربية من سوء أوضاعها هيكليا، والإنفجار الذي قد يترتب عنها، قبل ذلك إذن كانت السينما في العالم العربي عموما أداة تكريس للقائم من أوضاع وتبرير للسائد من خلل، بل ودعاية للمطبق على أنفاس الحريات والعيش الكريم من انحرافات سياسية واقتصادية وثقافية. في ظل هذه الأوضاع غير السليمة أنتجت السينما العربية عموما، التونسية والسورية والمغربية… نجومها ومهرجيها ومحترفيها في الهروب إلى قضايا اجتماعية “صغيرة”، أو إلى تاريخ مجيد يُهون ويُدفء الصدور تماهيا معه وتعويضا عن حاضر بئيس مُر لا يُطاق. صحيح كانت هناك انفلاتات نزيهة مبدعة وشجاعة أحيانا هنا وهناك: بمصر كما بالمغرب أو بسوريا أو بتونس… لكنها اضطرت للهجرة أو للصمت، بينما “تأقلمت” الأغلبية لتشيد لنفسها أوضاعا مريحة ماديا وشهرة مفتعلة في غفلة من القيم التي دفع البعض استقراره ثمنا لها. وأقلية لم تلتزم ولم تستفد لأسباب ذاتية أو موضوعية لا شأن لنا بها في هذا المقام.

            بالمغرب، وبعد انطلاق “التناوب التوافقي” في النصف الثاني للتسعينات وظهور بعض الحيوية

 والنقاش العلني السياسي والاجتماعي والثقافي على واجهات شتى، وهو النقاش الذي لم يكتب له أخذ مداه رغم الحيوية التي بدأ بها، ورغم الحماسة التي أشعلها لدى جماهير واسعة إثر اتخاذ تدابير منها ما كان عمليا وتم تطبيقه بيسر، ومنها ما تم إجهاضه أو تقزيمه، في هذا المناخ الحيوي والمتفائل – الذي شهد عودة السيد نور الدين الصايل إلى المغرب وتحمله تسيير وإعادة هيكلة وتطوير القناة التلفزيونية الثانية –  تحركت السينما على واجهتين مواكبة تحرك الدولة والطبقة السياسية:

الواجهة الأولى: الإنتاج.

تطور إنتاجنا بالأرقام.

            انتقل الانتاج السينمائي الوطني في تطور سريع من بضعة أفلام طويلة لا يتعدى عددها أصابع اليد إلى حوالي خمسة وعشرين (25) فيلم طويل سنويا، ناهيك عن ما يتجاوز المائة (100) فيلم قصير في السنة. وقد وضع هذا الكم من الإنتاج المغرب – حسب المدير العام للمركز السينماذي المغربي السيد نور الدين الصايل في ندوة “آفاق السينما برفريقيا” التي نظمت ضمن مهرجان السينما الإفريقية في دورته الثانية عشرة بمدينة خريبكة  – ضمن المثلث الإفريقي الأكثر نشاطا سينمائيا إلى جانب مصر بثلاثين (30) فيلما سنويا، وجنوب إفريقيا بحولي عشرين (20) فيلم. غير بعيد، على لائحة البلدان النشيطة سينمائيا، عن المنتجين العالميين وعلى رأسهم الولايات المتحدة بأكثر من خمس مائة (500) فيلم وبولوود بما يقترب من هذا العدد ثم فرنسا بحوالي مائتين وخمسين (250) فيلم طويل سنويا.

من الكم إلى الكيف؟

          يراهن المسيرون لهذا القطاع اليوم من خلال هذا الكم على كيف سيأتي لا محالة. ويبدو هذا منطقيا كرهان رغم أننا نتذكر أن وزير الثقافة السابق السيد محمد الأشعري الذي كان وراء ديناميكية أنعشت بشكل قوي  سابقا الانتاج المسرحي بالمغرب، تبنى نفس الرهان، ويكفي النظر إلى حال الانتاج والنوعية الابداعية في المسرح الوطني اليوم للوقوف على ما كتبناه في إبانه من تخوفات على صعوبة التعويل هذا الرهان، لافتقاده العناصر والمقومات الموضوعية للخصوبة كي ينتج كيفا حقيقيا وحده يضمن ويبرهن، في الآن نفسه على “طبيعية” وسلامة التطور الحالي للإنتاج السينمائي ببلدنا.

           لا نريد للسينما بالمغرب أن تلمع سماؤها ب”عويطة” و”الكروج” … (هبتان من العلي القدير والطبيعة وليس إنجاب تخطيط وبنيات تكوين وتربية وتهيئ للخلف) كيفاَ دون أن يكون ورائهما خلف حقيقي. ذلك أن غياب التكوين وطنيا، والتفاعل مع الجماهير العريضة بكل أنواعها، ،غياب أهم أشكال مواكبة الانتاج تقديما وتحليلا ونقدا ولائما متذوقا ومطورا بصرامة ودون رياء أو تملق أو خواء …

          ومع ذلك، فقد سمح هذا التطور الهائل والمنم عن ذكاء متميز وغير مسبوق – وراءه حذق وشجاعة واحترافية رجل متمرس ومتحمس – إلى تمتع المغاربة عامة وكل “الفاعلين” في هذا الحقل الفني الصناعي، إلى فرص للقاء المنتظم والمتعدد عبر برنامج حافل من المهرجانات الوطنية والدولية التي من المفروض أنها

 تشكل فرص لصقل أكثر للمواهب، وتلاقح للتجارب، وتنمية للرؤى، وبالتالي فتح آفاق أوسع لتطور كيفي للإنتاج السنمائي المغربي في عصره الذهبي هذا.

الواجهة الثانية: المهرجانات.

مكسب استقرار وانتظامية المهرجان الوطني.

من أهم التدابير التي تم اتخاذهافي إعادة الاستقرار المكاني والزماني للمهرجان الوطني للفيلم الذي كان غير منتظم ولا مستقر بمدينة يمنحها، ويستمد، منها هوية، فكانت مدينة البوغاز طنجة. تصادف هذا القرار وزيادة قدرة صندوق الدعم على إعطاء منح هامة تحولت شيئا فشيئا – هل كانت يوما غير ذلك إلا لماما؟ – إلى شبه مصدر وحيد للانتاج، وهو ما ترتبت عنه عواقب مادية وثقافية فنية لم يحد منها تحويل المبالغ المقدمة إلى تسبيق على المداخيل على غرار النظام الفرنسي!

مهرجان مراكش: التبرير والحجة.

          في نفس السياق أيضا تقرر خلق مهرجان مراكش الدولي للفيلم، الواجهة الوطنية والدولية. إنه المهرجان الذي يقول للمسؤولين: هاهي ذي السينما، دعاية سياسية وسياحية غير مباشرة، مساهمة في دعم الخزينة والتشغيل المؤقت من خلال الانتاجات العالمية، تكريس لصورة البلد المستقر والآمن … أفلا تعتبرونها قطاعا استراتيجيا، ومع ذلك..

فقد خلق في هذا المهرجان – في نظرنا المتواضع – إحراجا وتعرية لواقع ولمستوى الفيلم المغربي، سرعان ما تم الالتفاف عليه بفتح الباب على مصراعيه – بعدما كان مغلقا دونهم في البداية .. – أمام “كل” الفنانين سينمائيين وغيرهم، بل حتى الفنانين “السياسيين”، لخرق تقاليد البساط الأحمر وتحويله لسيرك أو ما شابه ذلك، في غياب نسق نجوم حقيقي ببلدنا، بمحموله الاحترافي وبانجازاته الفنية الثقافية والابداعية التي تمنحه بهاءه ومبرر التحذلق “الارستقراطي” الراقي على طول مساره. هكذا “امتلأ” البساط الأحمر للمهرجان بمستويات “استعراضية” متنافرة، نزعت عنه وظيفته الرزينة وهي استمتاع الجمهور بكاريزميات حقيقية

 رصينة وراقية لذوق، يعمق مرورها على البساط، تصريحات متميزة تكشف عن أساليب ولغات وقدرات متميزة وأصيلة فردانية، تضيئ أكثر عتمات أداءات رائعة ومذهلة في أعمال ناجحة بكل المقاييس الفنية. ذلك ما يفسر غيابنا بشكل موحش عن الشاشة الكبرى للمهرجان اللهم من مشاركة “رمزية” أو أدنى …

          مهرجانات بكل الألوان التي تحملها جهاتنا وقضايانا الحقيقية منها والمفتعلة، والأساسي في ملء برامجها ولجان تحكيمها دائما المستورد والأسماء الطنانة وهذا اعتراف بأن “غزارة إنتاجنا” لا تحمل كيفا بالضرورة وذلك ما يعترف به السيد الصايل معولا على المستقبل القريب ربما الذي أبدينا تخوفات بشأنه موضوعيا.

وباختصار، فإن السينما المغربية ترزح تحت وطئة مآزق نعدد منها ما يلي:

المأزق الأول: الولادة العسيرة.

           تعرف المغرب على السينما مع أول عرض للإخوة لوميير بالمغرب سنة بعد ميلادها بفرنسا، وتكرس ذلك أكثر مع أول فيلم صور بالمغرب للفرنسيان “لونشون و كونتان” (مكتوب 1919) ومن ثمة انطلاق السينما الكولونيالية التي لم ترى من المغرب، كما هو معروف ومستهلك، إلا الغرائبي والمتوحش البربري وفي أحسن الحالات “الفولكلوري المضحك والممتع والمقزز”. تلك في نظرنا السينما بالمغرب، وليس السينما المغربية وهو تعبير ناقشنا صعوبة الاقتناع به منذ ما ينيف عن العشرين سنة بكتاباتنا المتعددة ولازلنا نشك في صلاحية ومصداقية هذه التسمية حتى اليوم، كما سنوضح مع تتالي التحليل.

          فمنذ المحاولات الفردية والاستثنائية والمغامرة للشاب محمد عصفور ابن نواحي الدار البيضاء مع أول “فيلم” طويل (1958)، وحتى حميد بناني مع فيلم “وشمة” (1970)، مرورا بفيلم “الحياة كفاح” للمسناوي والخياط، وفيلم “شمس الربيع” للطيف لحلو ثم فيلم “ألف يد ويد” لسهيل بنبركة، وفيلم “ليام اليام” لأحمد المعنوني… وهي أفلام تختلف جذريا بين النفس التجاري والضعف الحرفي العام تقريبا، الى نَفَس المؤلف الحامل للهم السوسيولوجي النضالي والحس الفني التسجيلي والتمكن من الكتابة الفيلمية رغم قلة الامكانيات ولامبالاة الدولة، بل ومنعها لتوزيع الجيد من أفلام السبعينات وبداية الثمانينات، منذ هذه البدايات المتنوعة المستوى التقني والفني والفكري، بل وحتى مع ارتفاع الانتاج السينمائي المغربي في نهاية العشارية الأولى من هذا القرن وبداية الثانية الى ما يفوق 12 فيلم مطول وأكثر من 80 شريط قصير سنويا – وهو ما تجاوز الآن هذا العدد كما بينا أعلاه، فإننا لازلنا نعتقد أن إطلاق لفظ سينما وطنية غير لائق وظيفيا على الأقل وذلك هو المأزق الثاني.

المأزق الثاني. مفهوم السينما كبنية انتاجية صناعية وسوسيوثقافية كاملة الدورة والنجاعة الوظيفية.

           نقصد بالبنية الكاملة أن تكون سينما ما قائمة في بلد من خلال إقفال دورة الإنتاج من الفكرة إلى

 التصوير إلى التوزيع فتفعيل دورها الإقتصادي التربوي الثقافي الكامل في المجتمع، أما غير ذلك، أي دورة مبتورة ومفقودة الكثير من الحلقات: المساهمة الفعالة في الإنتاج والتوزيع والنقد والمتابعة الفكوية والتفاعل مع الأدب الوطني والقومي والعالمي …  فمسألة تحمل أكثر من مغالطة وأكثر من خلل.

          تلك تسمية لا نراها صالحة لوضع سينمانا في غياب:

           1/ – قطاع خاص ممول بشكل فعال لها يتجاوز ما “تمنحه” الدولة بدعم دافعي الضرائب. فرذا كان من الحقيقي أن دعم الدولة ينبغي له أن يكون قويا ودائما  ، بل وأن يبقى استراتييا بالنظر لوضعنا في خضم العولمة كطرف ضعيف ثقافيا وإعلاميا … فإن هذا الأمر لا يمكن أن ينسينا أن ضعف، إن لم نقل انعدام مساهمة القطاع الخاص، كمؤسسات للإنتاج تستطيع الابتكار وتركيب المشاريع السينمائية ماليا من خلال شبكة من العلاقات الوطنية والعربية بل والعالمية القطاع الخاص

           2/ – معهد وطني “يلد” سينمائيين بكل التخصصات والحساسيات، تحت شجرة ثقافتهم وتربتهم الأم، علما أن التكوين خارج البلد ليس عيبا لكنه يبقى معوقا بشكل أو باخر، والتجربة أثبتت ذلك في

 السياسة وفي الرياضة وفي الفنون … تاريخيا وعالميا، ولعل تجربتنا البسيطة والمتواضعة اليوم من خلال تأطير بعض طلبة العاهد العليا في السمعي البصري، أو من خلال الملتقيات المخصصة للشباب والبعض منهم تلقى تكوينا نظريا وتطبيقيا على يد أسماء عالمية أحيانا، ليظهر محدودية التكوين بلغة، أجنبية هي دائما حاملة – تحصيل حاصل – لثقافة لن ينجو من استيلابها إلا من خبر منذ الطفولة ثقافته الأصلية وتنفس عبق دروبها وأزقتها بروائحها وضوئها وعتماتها….

           3/ – شبكة قاعات على طول وعرض البلاد، وتقاليد تلفزية ومدرسية وجامعية ل”تشغيل” ومحاورة الفيلم المغربي حتى “يوجد” حقيقة كفاعل في “الدخول السنوي” مؤسساتيا وصحافيا وثقافيا على أنه خطاب مساهم – في جميع الحالات ولا ندعو هنا لسينما دعائية و لا معارضة ولا ثورية … فكل الأفلام ضمنا ومن خلال إبداعيتها تصنف نفسها بما هي عليه كعمل فني – في انتاج وتفكير البلد وقضاياه صانعا الحدث احيانا ومسترجعا احداثا من اجل المطروح، في الحاضر، من مسائل …. وليس مثيرا للسخرية او للبوليميك العقيم ولا للاطراء الرخيص او التاويلات الجاهلة بقواعد الفن لتصفية حسابات سياسوية او نفعية ذاتية او غيرها. خلاصة القول اننا نرى سينمانا سينما صماء و خرساء في حوارها مع المجتمع وتواصلها معه كثقافة بالمعنى الواسع للمفهوم، ومن هنا المازق الثالث.

المازق الثالث: ويتلخص في النقاط التالية.

           1/ عندما نضجت الظروف السياسية بالمغرب وتجاوز البلد سنوات الحجر على الحقوق والحريات، جفت مآقي السينما المغربية و مات التيار الثقافي مع الأوائل، ليسود بعده تراجع مريع على مستوى جودة الكتابة السينمائية خاصة، ونسجل أن هذه الفترة شهدت ظهور، ويا للمفارقة، مناضلين سينمائيين صنعوا أفلاما عن الاعتقال السياسي والمعتقلات السرية… بنفس المستوى الضعيف حكيا وتقنية.

           2/ صعود الشباب إلى جانب بقايا جيل الرواد بالمعنى الثقافي، رغم مساهمته في التصاعد الكمي للانتاج واغناءه للحساسيات الجمالية من خلال المواضيع المطروقة، لم يغير شيئا في الواقع السينمائي الوطني الذي ظل يتميز ب:

اللهاث وراء ارضاء جمهور لا وجود له في غياب قاعات سينمائية وفي انعدام اذاعة تلفزيونية منتظمة لهذه الافلام كما كان الشآن عليه سابقا.

               – العجز الثقافي (السطحية في تناول المواضيع المطروقة، ضبابية الرؤيا الجمالية….) رغم وجود استثناءات لا يقاس عليها ولا هي معروفة لدى الجمهور الواسع في ظل حرمانها من التواصل معه. من هذه الاستثناءات: فوزي بنسعيدي في جل أفلامه القصيرة منها والطويلة، ومضات من هنا و هناك مثل: محمد عبد الرحمان التازي “باديس”، محمد مفتكر “البراق”، نور الدين الغماري “كازانيكرا”، ليلى التريكي “الراكد”….كمال كمال “السمفونية المغربية”…

            هذه بعض من مآزق السينما المغربية مجتمعة ومدمجة، ونحن نعتقد أن ما تم اتخاذه من إجراءات منذ بضعة سنين على مستوى القطاع السمعي البصري عامة، على مستوى القطاع السينمائي خاصة، لن يحتاج الكثير من الوقت ليكشف عن مداه الذي نرجو أن يكون عميقا وبنيويا في معالجة هذه الإختلالات الهيكلية القديمة قدم تاريخ ظهور السينما بالمغرب.

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: