مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

قصة قصيرة:انتظار حسن شوتام

قصة قصيرة:انتظار

995747_133279296881650_300013076_n 

حسن شوتام

خاص بالموقع

ـ 1 ـ

ببزته الحالكة، كان الليل يرابط عند حافة سريري وجسدي المكدود ينتفض و كأنه مساق إلى مقصلة..مسكين أنا؛ يلازمني الحزن مثل السقم على جفني يطبع ذبولا وبين هدبي دموع حجرية..كان الحلم ملاذي، أعوذ به من واقع كله رتابة وملل وانكسار واليوم صار والواقع شريكين في كل شيء..ما حسبت تهاويل الحلم بسلطان..

ـ 2 ـ

الضباب كان كثيفا حال دون تموقعي بالمكان، بالكاد جُست الطريق بقدمين مسلوبتي النشاط..كان طويلا ممتدا والأفق غائب و كأن ريشة فنان أهملته لتمنح للقدر حق تقرير مفاجأة..صديق غير مميز القسمات كان برفقتي و بخطى وئيدة طوينا مسافات و اخترقنا فضاءات متعددة حتى لاح لنا من بعيد منزل صغير تسوره بيداء موحشة لا تخوم لها.. خففنا نحوه حتى صار على مسافة خطوتين ثم توقفنا..لم نجسر على اقتحامه؛ فالسكون والصمت والضوء الخافت أشاعت في المكان رهبة لا توصف..بعدها تناهت إلى مسامعنا وشوشة ثم هينمات و أصوات رفيعة رقيقة فضحكات نسائية رنانة التهبت لها أجسادنا وتحلّبت لها أفواهنا، فالتمعت عيوننا كذئاب احترفت الخطية.

ـ 3 ـ

ـ لنهتك عرض هذه الفضيلة، ولنطرح عنا قيود الحياء والوفاء فسواد الليل رحمة تُربك عيون الرقباء.

ـ مقنع كلامك يا صاحبي..لماذا تحضرني الاستقامة في غمرة حلمي؟ أليس الحلم تجاوزا للواقع؟ لماذا يغيب الكشف في أروع صور التفريغ والإفضاء؟ أمتطي صهوة الحلم والواقع الشبح رديفي؟

ـ ولكن، لماذا الحديث عن الاقناع والحضور والغياب؟لماذا تحمل نفسك على السؤال؟ التعقل اغتيال للحلم..هيا رفيقي تحرّر من سمت الجد والوقار..دعنا نمجّد لغة الجسد!

ـ 4 ـ

في خَفْر صبية بدوية تحسستْ رجلي خشبة الباب المقروضة..أفكار وخواطر ملتبسة تقاذفتني مرجئة اندفاعي الشبقي لحظة يسيرة ولمّا استجمعت قواي مرة أخرى لاختراق العتبة تردّد في داخلي هذه المرة صوت كنفخ بوق القيامة:

ـ الجسد يمضي وشهوته إن زرعت فيه تحصد موتا فموتا فموتا!

تردّد الصوت في داخلي عنيفا شاقا كطعنة حربة مُمِضّة، فحقيقة الموت تقتل فيّ كل شجاعة وبطولة..أمامه فقط أحتاج معجزة تسكب فيّ شروط الحياة والاستمرار!

آنئذ تيقظ وعيي كاملا ولم يجتذبني دفء المنزل ـ الخطيئة و لا حفزتني ضحكاته الرقيقة المغرية، في المقابل تلفع جسدي بصقيع ألهب سورة غضب صاحبي فصرخ في وجهي:

ـ جبااااااااااان..ستظل دائما جبانا حتى في حلم!

ـ نتن تفكيرك يا هذا! كيف تحصر البطولة في قطف أجمل وردة و غصب أحرّ قبلة؟ لماذا تُستثمر المرأة في كل لعبة؟ مُرْني و أنا في حمأة الواقع بتحطيم جدار الصمت و إعلان المخفي والمسكوت عنه أو بخلع أقنعة البراءة عن الوجوه المشوهة..آنئذ انعتني بالجبن إن ترددت أو قصّرت!

لم يحرّكه ردّي ولا زعزع مبدأ اللذة عنده من مكان القيادة و كأن حواسه كلها اتفقت وانتصبت لتوقع بالشهوة وتعاقرها أنى وُجِدت..و قبلما اقتحم صاحبي المنزل طلب مني أن أجلس على مصطبة العتبة و أنتظر عودته و هكذا بقيت وحيدا ينفحني البرد وتحكم وثاقي أصفاد الانتظار..

ـ5ـ

يخنقني يشقني الانتظار فلا أتركك، مجبول أنا على الفراغ ومعانقة الأطياف..تتبدّل اللوحات و الأمكنة والمأساة فأبقى صامدا متحجرا ثابتا كحنظلة و لا أهملك..كلّت قدماي من الوقوف فجلست على مصطبة العتبة مسندا ظهري على الجدار الهش..الضحكات الرنانة تؤثث الأجواء جهيرة تارة ثم خفيضة تارة أخرى أما رفيقي فقد أصيب بالخرس و كأنه يترنح من الدهشة. بقيت على تلك الحال أتنسّم لعنة الرتابة محتفظا بهبة الانتظار..فبحكم تكيفي البيئي ما عادت شولات عقارب الساعة تناوشني..أسرع أيها الزمن و انبئ بالخراب وعن تفاصيل المسيح الدجال و أوراق التين الشاحبة فلا جسد لي الآن ولا حواس تهتز لرؤية العلامات.

أوزيت رأسي عوض ظهري فقط إلى الحائط المتصدع فأوقعني حلمي في شرك نومة جديدة فغابت كل الأشياء من حولي واستسلمت لدعوة جميلة غريبة..

ـ6ـ

﴿فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا ثم بعثناهم..لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا و لملئت منهم رعبا..و كذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم، قال قائل منهم كم لبثم..قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم..﴾

حضرتني هذه الآيات مباشرة بعد انسلالي من الغفوة الثانية و رجوعي من وليمة الدعوة الجميلة الغريبة..رباه كم لبثت هنا؟ تفحصت يدي المعروقتين، شعاب وجهي العميقة و جلده المترهل مصعوقا من الحيرة..رباه كم لبثت هنا؟ وقفت بصعوبة لأكتشف أني صرت في عمر أنبياء النصوص الجليلة..ما عدت ”منتصب القامة أمشي..مرفوع الهامة أمشي..” لقد أمسيت أيقونة حلم غريب ينتظر مفسرا أريبا يزيح الغموض .. يعلن الأساسات من جديد و يمسك برأس الخيط العنيد..رباه كم لبثت هنا؟ و رفيقي؟ يقينا ملّ ويئس من إيقاظي فرحل..انسلّ من شبكة الاغفاءة الأولى..يا إلهي كيف سأواجه أمي و إخوتي و أنا خائر النفس والروح؟ هل ستشفع لي تجربة الانتظار؟

وفيما أنا حائر، صفعتني ذات الكركرات و الأنّات المديدة المغرية، فالمنزل ما فتئ يحتفظ بنضارته وخصوبته ودفئه الحريمي، وجسدي في الحقيقة ما يزال هناك راكبا رأسه، غارقا في حلول وقتية، يعبّ من كأس اللذة مستغرقا في أحلام وردية عديمة القرار..أما روحي المغلوبة فتقعي هنا على المصطبة المتآكلة مشدودة إلى العتبة ككلب وفيّ ينفحه البرد وتحكم فمه كمامة الانتظار.

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: