مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

الكتابة الشمولية و تقديس الدكتاتورية العسكرية بقلم: د. إدريس جندا ري

الكتابة الشمولية و تقديس الدكتاتورية العسكرية

 jandari_865833159

بقلم: د. إدريس جندا ري

خاص بالموقع

     الكثير من المثقفين الانتهازيين، من دعاة الليبرالية و اليسار و القومية، عاشوا، لعقود، يستثمرون في ريع الدكتاتورية العسكرية، و هم غير مستعدين، بعد اندلاع ثورات الربيعالعربي، أن يضحوا بالامتيازات التي كرسوها، مع مرور الزمن، كحقوق واجبة. لذلك، نجدهم يكتبون خارج المنطق، و لا يشعرون بأي تناقض و هم ينظرون للفكر الديمقراطي الحديث، و في نفس الوقت يدعمون الانقلابات العسكرية.

    يمكن أن نتفهم موقف هؤلاء، لكن يجب عليهم أن يتحلوا بالشجاعة الأدبية، و يعلنوا صراحة أنهم يدافعون عن مصالحهم الفئوية الضيقة، التي تهددها الثورات الديمقراطية، لكن من خوارم المروءة أن يدعوا أنهم حماة الديمقراطية ضد التهديد الإسلامي المحافظ، بينما يدافعون، عمليا، عن أبشع أنواع الدكتاتوريات، في لباسها العسكري، على امتداد  التاريخ البشري.

    إن عودة خاطفة إلى مرحلة الانقلابات العسكرية، في العالم العربي، لتؤكد على أن الكثير من ذوي الأقلام المأجورة، قد لعبوا أدوارا خبيثة في شرعنة الانقلابات العسكرية، و تحويلها، بجرة قلم، إلى ثورات، كما قدموا أنفسهم كمنظرين أفذاذ للأنظمة الشمولية، هذه الأنظمة التي تحولت،على أيديهم، إلى أنظمة اشتراكية و قومية و ليبرالية … و هلم تزويرا ! بينما حقيقة أمرها، أنها دكتاتوريات عسكرية يقودها ضباط و جنرالات.

   ينطلق المثقف الانتهازي، عادة، من قناعة واضحة، هي التي توجه تفكيره و ممارسته العملية، و هي أن الأنظمة الشمولية ثابتة و مستمرة، و لا تخضع للتداول الانتخابي على السلطة. بينما الأنظمة الديمقراطية متحولة و متغيرة، و تخضع السلطة فيها للتداول بين أطراف متعددة و مختلفة. لهذا، يقوده ذكاؤه الطبيعي، بشكل مباشر، إلى الكفر بالمنهجية الديمقراطية، التي تهدد مصالحه، و في المقابل يؤمن، بشكل راسخ، بالأنظمة الشمولية، التي تحمي مصالحه و تديمها، و يدافع عنها باعتبارها أصلح ما ترتضيه هذه الأمة ! لأنها تحافظ على الاستقرار و الثبات و تساهم في استتباب الأمن، طبعا أمنه الشخصي و استقرار و ثبات مصالحه الفئوية الضيقة.

    هكذا، يقع المثقف الانتهازي في التناقض دون أن يدري، فهو يدبج الخطب العصماء، و يؤلف الكتب مدافعا عن الحداثة و قانون التقدم، باعتبارها قيما كونية لا غنى عنها، لكنه يناقض نفسه، بشكل صارخ، حينما يجسد قيم الحداثة و التقدم هاته في شكل أنظمة شمولية يقودها العسكر، رغم أنه يعلم أن هذا النوع من الأنظمة السياسية هو الذي خرب أوربا عن آخرها، و رمى بدول أمريكا اللاتينية في أتون التخلف، ليكون الخلاص، أخيرا، في الانتقال إلى الحكم المدني، و تكبيل جنرالات العسكر في ثكناتهم.

إذن، ماذا نقدس من غير صناديق الاقتراع ؟ أليست هي بداية الخلاص من الأنظمة الشمولية ؟

    نعم، لقد قادت صناديق الاقتراع إلى الحكم في ألمانيا، مثلا، أكبر دكتاتور عرفه التاريخ البشري، لكن ألم تقد نفس هذه الصناديق كبار المصلحين السياسيين و الاقتصاديين، الذين صنعوا المجد الجرماني في أوربا و في العالم ؟ فعلى الرغم من سوءات ديمقراطية الصناديق، فإنها، على الأقل، لا تمنح حكما مطلقا لأي شخص أو تيار سياسي، لأن الدورات الانتخابية المحددة زمنيا، و كذلك الترشح محدد الدورات، كلها آليات تمنع أي زعيم سياسي من احتكار السلطة، لوقت أطول، و تفتح، بذلك، باب التداول السلمي على السلطة. كما أن ديمقراطية الصناديق هاته تفتح الباب للتنافس بين التيارات السياسية المتعددة و المختلفة، و هي بقدر ما تتوج أغلبية و تمنحها مقاليد الحكم، فهي كذلك تتوج أقلية تمنحها حق الرقابة و صياغة المشروع البديل، الذي يمكن أن يحولها، خلال الدورات اللاحقة، إلى أغلبية حاكمة.

    و في المقابل، دعنا نطل على البديل السياسي، الذي يقدمه المثقف الانتهازي كمقابل لديمقراطية الصناديق. هذا البديل، يطلق عليه بعضهم الديمقراطية الاجتماعية، و من غرائبها أنها تمنع التداول الانتخابي على السلطة، و تحافظ على حكم الزعيم الأوحد و الحزب الوحيد. و هذا ما يحقق غاية الحلف الشمولي، حيث يجنبه حتمية تسليم السلطة للطرف المنافس، الذي يمكنه أن يتوج انتخابيا كأغلبية حاكمة.

    في التجارب السياسية الشمولية، في العالم العربي، لعب للمثقف الانتهازي دورا خطيرا في تكريس الأنظمة الدكتاتورية، من خلال استناده إلى الفكر الحديث لتوفير الشرعية الرمزية لجنرالات العسكر، الذين يتحولون، بقدرة قادر، إلى قادة ثوريين و حاملين لمشاريع سياسية قومية و اشتراكية… تسعى إلى تحقيق العدالة الاجتماعية و صيانة استقلالية القرار الوطني ضد القوى الامبريالية !

     لكن، حقيقة الأمر تؤكد أن هؤلاء الجنرالات، هم أولا و أخيرا، مغتصبي سلطة، لا يملكون أية شرعية شعبية تبرر قيادتهم للدولة و تمثيلهم للشعب، ما عدا احتكارهم لجميع وسائل العنف المادي و الرمزي، كما تؤكد أن جوقة المثقفين الانتهازيين لا يملكون من روح الثقافة و الفكر سوى أبجديات ميكيافلية رخيصة، مشبعة بروح الفكر السلطاني، يسعون من خلالها إلى الاستظلال بظل الدكتاتوريات العسكرية، التي توفر لهم الغطاء المادي لنشر خربشاتهم الإيديولوجية بين الجمهور.

    و لعل ما يحسد عليه المثقف الانتهازي، هو انسجام موقفه و ثباته، في مواجهة أي انبثاق للإرادة الشعبية ! فقد حافظ على موقفه الداعم للدكتاتورية العسكرية البعثوية في سوريا، و جند كل تجهيزاته الإيديولوجية لمساندة عصابة آل الأسد في ذبح و تشريد الشعب السوري، و هو الآن يخرج من جحره الإيديولوجي ليوجه طلقاته النارية في اتجاه الإرادة الشعبية الحرة، داعما في نفس الآن العصابة العسكرية، التي حولت ميادين مصر الشامخة إلى ساحات حرب حقيقية يدفع فيها المواطنون الأحرار أرواحهم من أجل الانفلات من قبضة الدكتاتورية العسكرية.

    نجد المثقف الانتهازي، دائما، يبرر موقفه الشمولي، بحماية الديمقراطية من خطر الأسلمة، التي تتخذ صناديق الاقتراع وسيلة للسيطرة على الشعب و الدولة. لكن، ما موقف المثقف الانتهازي مما يجري في لبنان من أسلمة للدولة و المجتمع تحت تهديد السلاح الإيراني ؟  يجيب المثقف الانتهازي، بأن المسألة هنا مغايرة، لأن حزب الله يمثل محور الممانعة، و هو يمثل خيارا استراتيجيا؛ بعيد المدى، ضد المشروع الأمريكي-الإسرائيلي. لكن ايسكت، بالتمام، عن دكتاتورية ولاية الفقيه، التي تمثل أخطر تهديد لقيم الفكر السياسي الحديث. و في جميع الحالات، فإن المثقف الانتهازي لا يهتم بكل هذه النظريات، التي يعتبرها غارقة في اليوطوبيا، إن ما يهمه، أكثر، هو من يدفع أكثر. و ما دام المحور البعثوي-الشيعي يدفع بسخاء، فإن التناقض يجب أن يتحول، قسرا، إلى انسجام، أما الجمهور المتلقي لهذا الخطاب المتهافت، فهو آخر من يفكر فيه المثقف الانتهازي، إن الرسالة موجهة لأصحاب نعمته، بالدرجة الأولى، و الباقي كله تفاهات لا تسمن و لا تغني من جوع !

     إن هذا التناقض المريع؛ يحول الموقف الفكري الرصين إلى موقف إيديولوجي هش لا يقدر على مواجهة آليات التفكيك، التي تميط اللثام عن الطابع الانتهازي لداعمي الدكتاتوريات العسكرية. و ذلك، لأن الموقف السياسي، الذي يعبرون عنه، غير مبني على أسس منهجية واضحة و قادرة على إقناع المتلقي الناقد، الشيء الذي يفضح خلطتهم السحرية أمام الرأي العام، الذي يتقبلهم كجنود في كتيبة وظيفتهم رسم الخرائط أمام الدبابات و أحذية الضباط، أما الموقف الفكري فهو آخر ما يمكن استشفافه من هذا النوع من الكتابة الشمولية.

 

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: