مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

مقالات : رواية «الموريسكي» لـ: حسن أوريد بيــن المركــزية التــاريخـــية والامتــداد الإنسانــي البشير البقالي

مقالات : رواية «الموريسكي» لـ: حسن أوريد بيــن المركــزية التــاريخـــية  والامتــداد الإنسانــي

images (3) 

البشير البقالي

خاص بالموقع

«أنا رجل على قيد الحياة، ولهذا فأنا روائي. ولأني روائي، فأنا أرفع من القديس والعالم والفيلسوف والشاعر، وكلهم ضليعون في جوانب من الإنسان الحي، إلا أنهم لا يقبضون على ناصيته. فقط في الرواية؛ كل شيء يأخذ دوره كاملا…» –  لورانس

     توطئة:   تقوم رواية «الموريسكي» في حدها التخييلي على فكرة بسيطة ورشيقة، لكنها موغلة في التأمل والتداخل وعمق الرؤيا. فقد استلهم الكاتب مادته الحكائية من سيرة من التاريخ الواقعي، أنجز في ضوئها رواية شديدة الكثافة، ضخ فيها رؤى وتأملات ورحلات في الوعي والإنسان والتاريخ والذات والأشياء، وأقحم القارئ في سياق إنساني شاسع وممتد، يتاخم المكان واللامكان، ويكاشف الزمان واللازمان.

       ولعل هذه اللمسة التاريخية الواعية، مع ما تخللها من حيل سردية وأبعاد إنسانية ممتدة، نأت بالرواية كثيرا عن خندق الطابو التقليدي وارتقت بها إلى مدارج خط جديد وعميق؛ خط يحاور الماضي بهموم الحاضر والمستقبل، ويسائل الحاضر والراهن من خلال تأمل في دورة التاريخ وفي الإنسان وقضاياه الوجودية الكبرى في كل الأزمان، وبحثه الدؤوب عن الخلاص .

     هذا الخط الجديد كان قد شقه أمبرتو إيكو في رواية «إسم الوردة»، وسار على نفس المنوال يوسف زيدان في رواية «عزازيل»”وواسيني الأعرج في «البيت الأندلسي»، وها هو “حسن أوريد” يتلمس نفس المسار في رواية «لموريسكي»، مع تمايزات، طبعا، في القضايا والدوافع والمرجعيات والتجربة الإبداعية والرؤى .

إن رواية الموريسكي تستمد أهميتها وقيمتها من راويها وقضيتها وكاتبها، أما الراوي فهو «أحمد شهاب الدين أفوقاي»، وأما القضية فهي قضية الموريسكيين ومعاناتهم الإنسانية في ظل محاكم التفتيش، وأما الكاتب فهو حسن أوريد؛ المفكر والسياسي المغربي الذي تقلد مناصب رفيعة في الدولة، أهلته لأن يكون شاهدا على عديد من الأحداث والوقائع، ومُلما بكثير من تفاصيل الشأن السياسي وكواليس الدولة، شأنه شأن أحمد شهاب الدين.

      من هنا نفترض أن تشابه بعض الجوانب بين الراوي والكاتب يجعلهما صوتا وصدى، ويبرزهما صورة وانعكاسا، ويبوئهما موقع الشاهد على عصرين، وبالتالي تغدو الرواية متسمة بالتداخل والحركية والحيوية والآنية والامتداد والتصوير والتأمل الشاسع السلس. وفي هذا التداخل بين الصوتين نفترض أن الواقعة التاريخية في الرواية كانت مجرد وعاء لتمرير رؤى تنفلت من رقابة الزمن وتعبث فيه طولا وعرضا. وهكذا نعتبر أن رواية «الموريسكي» على الرغم من تركيزها التاريخي فإنها تمتد وتتمطط لتعانق ما هو إنساني. فكيف تبلورت جدلية التركيز/ الامتداد في النص؟ ذلك ما سنحاول رصده في محاور هذه القراءة…

أولا- رواية «الموريسكي»: تاريخ حادثة أم حادثة التاريخ؟

     تنطلق الرواية من سرد مظاهر الاضطهاد الديني والعرقي الذي تعرض له الموريسكيون بعد سقوط غرناطة، حيث عانوا التنصير الإجباري والقتل والتهجير في ظل محاكم التفتيش. تحكي الرواية ذلك على لسان الراوي التاريخي «أحمد شهاب الدين أفوقاي» الذي رصد مظاهر معاناة الموريسكيين عن كثب، واضطر بعد موت أخته وأبيه وانزواء أمه في أحد الأديرة، إلى الهروب إلى المغرب؛ دار الإسلام، في عهد السلطان أحمد المنصور الذهبي، حيث كلف بمهمة في البلاط، مما جعله قريبا من الأحداث وأحوال القصور ودسائسها. وفي دار الإسلام رصد مظاهر أخرى من الاضطهاد السياسي والعرقي والديني والثقافي، كما وقف على مظاهر الحياة والصراع والانقسام والخيانة والانتقام والتخاذل وغير ذلك.

       وفي عهد السلطان زيدان أرسل البطل في مهمة ديبلوماسية إلى أوروبا لحشد الدعم وطلب الوقوف إلى جانب الموريسكيين وقضيتهم، وخلال هذه الرحلة انخرط في مناظرات فكرية مع بعض المسؤولين ورجال الدين، كما أصابته صاعقة الحب إثر التقائه بفتاة إفرنجية إسمها «أوجيني» التي خلخلت كيانه، وخففت، بعفويتها وصفائها، كراهيته للمسيحيين، ودفعته إلى السفر في نفسه وفي الآخر بشكل موغل في التصوف، أعاد من خلاله النظر في الذات والإنسان.

       عاد إلى المغرب، والتحق بسلا ليقدم الدعم النفسي للقراصنة. وهناك كان شاهدا على أعمالهم وصراعاتهم وبشاعة انتقامهم من المسيحيين، موازاة مع ما يحصل في مراكش وفاس من صراع حول السلطة بين أبناء المنصور، وثورة أبي محلي، ومظاهر التسلق والخيانة والتصفيات. وفي خضم ذلك كله، كان البطل ما يزال مسافرا في ذاته وفي الآخر وفي كل المحيطين به مستنبطا العبرة من التاريخ البشري ومن الأنبياء وما تعرضوا له من ظلم واعتداءات، ليجمع شتات الصورة. واستخلص في النهاية أن المحبة، وحدها المحبة، طريق إلى الله وإلى الآخر والذات.

       بعد وفاة زوجته وأصدقائه وزواج أبنائه، اتجه إلى «توزر» ليستقر بها. ومن هناك توجه إلى الديار المقدسة ليؤدي فريضة الحج رفقة ابنه إبراهيم. واعترف أنه لأول مرة يدرك العبرة من الوقوف بعرفات، حيث المحبة والتطهير والصفاء والتعايش. وانتهت أحداث الرواية في «توزر»، لحظة الفجر، يمني البطل نفسه باليقين من زوال الظلمة وحلول النور.

       انطلاقا من هذا الإطار الموضوعي الفضفاض، يتبين أن القضية التاريخية للرواية تم تعويمها في سياق إنساني أكبر، بحيث انتقلت مركزية الرواية من قضية الموريسكيين إلى قضية الإنسان في كل زمان ومكان، وبدت مجرد جزيرة في بحر كبير هو التاريخ الإنساني الممتد.

        إن الروائي انتقل من قضية تاريخية إلى فضاء للتأمل الشامل لكثير من القضايا الإنسانية التي شكلت قضايا شديدة الحساسية والراهنية الزمنية في الوجود الإنساني عبر التاريخ، من قبيل؛ الدين، والدولة، والأخلاق، والسلطة والاضطهاد، والخوف، والحب، والزواج، والانتهازية، وتسلق السلطة باسم الدين، وتبذير المال العام، وجنون العظمة، والاستعباد، والموت، والهجرة، والأمن، والخبز، والانتقام، وصدام الحضارات، والاستلاب الثقافي، وغير ذلك من القضايا التي يصعب حصرها، وهي قضايا غير منتهية، عرضها الكاتب بشكل يجعل القارئ يحس بأن الصورة راهنة وممتدة، وغير مقتصرة على الحالة الموريسكية، لأن الراوي غالبا ما كان ينفلت من حدود الحادثة التاريخية ويرتقي بالنقاش والسرد إلى حالات إنسانية تتجاوز المحكي، حيث رصد استعباد المسلم للمسلم، ومظاهر الانتقام اللاإنسانية من المسيحيين وصراع الإخوة على السلطة وتسلق أبي محلي السلطة بالدين والخطابة، وغير ذلك من الصور التي جعلت الرواية تكف عن أن تكون مجرد رواية تاريخية وتسمو إلى مدارج أخرى. ولعل في ثنايا النص ما يعزز ذلك، حيث نعثر على فلتات سردية واعية، منها مثلا قول الراوي في معرض سرد حوار دار بينه وبين أنتاتي:

      «- أعود للتاريخ، قال لي ذات يوم، أليس هو سيد الكل وكل شئ؟

        – الله هو مالك كل شيء. صححت له …»1.

      إن في عبارة «أعود للتاريخ» تلميح واضح من الراوي إلى أنه كان خارج التاريخ. ثم إننا نطرح السؤال: لمن يقول هذا الكلام؟ وبالتأمل قليلا يتبين أنه يتوجه بهذا الكلام إلى القارئ، وكأنه يناقشه ويقحمه في اللعبة والسياق. وهذا في حد ذاته ملمح من ملامح الامتداد الإنساني الذي تحققه الرواية على حساب المركزية التاريخية لقضية المورسكيين. ثمة فلتة سردية أخرى تبدو للوهلة الأولى اختلالا في البنية المنطقية للسرد، إلا أنها تستمد توازنها من سياق الرؤية السردية العامة، وكذا من سمة الامتداد في الرواية. يقول الراوي في سياق سرد القضاء على ثورة أبي محلي:

     «سار أبو محلي في مقدمة جيشه لملاقاتهم فأصابته الرصاصة الأولى، وانتهى حلمه. لم تكن البركة في الموعد هذه المرة. تفكك جيشه. فصل رأسه عن جسده وعلق على أسوار مراكش.

      عبَّد هذا المندفع، سليل الصحراء، الطريق لدعاة آخرين ساروا على درب اندفاعه وطلاقة لسانه واستغلوا إخلال الحكام بمسؤولياتهم»2 .

      لا يخفى ما تستبطنه هذه الصورة من تهكم، خصوصا في عبارة «لم تكن البركة في الموعد»، وفي ذلك تجاوز لوظيفة الراوي إلى وظيفة إيديولوجية، وهذا نعتبره مؤشر امتداد. غير أن كلمة «الحكام» تنطوي على كثير من المفارقة، ذلك أن أبا محلي ثار في عهد السلطان زيدان، وسياق الرواية لم يلمح إلى أي حاكم بعده، فنحن إذن، سياقيا، أمام حاكم واحد وليس أمام حكام. ولعل هذه المفارقة توحي بأن الوعي الذي يحكي ليس وعي «أحمد شهاب الدين» إنما وعي آخر يتجاوز تلك الفقرة. مما يعني أننا أمام راويين؛ الراوي التاريخي ممثلا في «أحمد شهاب الدين»، يقدم أحداثا ومواقف إنسانية، والراوي الضمني المؤطر ممثلا في صوت الكاتب، يملأ الفراغات ويناقش تلك المواقف الإنسانية، يتأملها ويكشف عللها، ويربطها بنماذج أخرى سابقة أو لاحقة للتاريخ المحكي. هذه الرؤية المزدوجة مكنت القارئ من أن تسود وجهة نظره، ويحس بأنه معني بالمحكي، لأن تلك البيانات السردية تخلف لديه ذكرى عما يعيشه في واقعه، فيشعر وكأن الحكاية تتكرر.

       إننا إذن أمام راو من الزمن الماضي وراو من الزمن الحاضر، وكأن الهموم والأسئلة تتداخل. لكن الصوت يبقى واحدا. وفي ذلك إيحاء بأن التاريخ يعيد نفسه. هكذا تصير الموريسكية حالة إنسانية هي الوحيدة التي عرفها التاريخ؛ حالة الاضطهاد والصراع والمأساة. لذلك يمكن القول؛ إن الرواية ترصد حادثة التاريخ وليس تاريخ حادثة، وبذلك ارتقت إلى مدارج الرواية الأخلاقية/ التربوية؛ أخلاقية بالنظر إلى راويها التاريخي، وتربوية بالنظر إلى الراوي المؤطر الضمني بوصفه صوت الكاتب.

ثانيا : سمات مهيمنة في رواية «الموريسكي»:

      إن القراءة النقدية الواعية لرواية «الموريسكي» تكشف في ثناياها عديدا من السمات الجمالية المتداخلة في تشكيل الدلالة وبلورة الرؤيا والأثر الجمالي. غير أننا سنركز على السمات المهيمنة بوصفها مربط الرؤيا العامة، فضلا عن أنها تتيح إمكانية تلمس الامتداد الإنساني للنص، الذي هو جوهر هذه القراءة. وهكذا نقف على ثلاث سمات:

    **  سموّ: السمو في الرواية هو في العمق تحالف؛ تحالف الرواية مع الفخم ومع الحميم في الآن نفسه. الفخم يرتبط بالزمني وبالامتداد الجمعي عبر تاريخ طبيعي، والحميم موغل في الاستبطان وفي المركزية الأسطورية لحساسية الفرد عبر علم النفس.

      إن الفخم والحميم ليسا حليفين عرضيين للرواية، بل إن في سعي الأول وراء تعريف جمعي، وفي سعي الثاني وراء تعريف فردي تتمظهر كل خصائص الرواية، على اعتبار أن التاريخ بما هو وعي بالذات التاريخي يسلط مساحة ضوء نافذة إلى الإنسان بوصفه ذاتا قائمة اجتماعيا وخلقيا في الزمان3. وبهذا التحالف بين التاريخ والنفس تكون رواية «الموريسكي» قد لامست كثيرا من ملامح الرواية العليا. ولكن، كيف تحالف الفخم والحميم أو التاريخ والنفس في هذه الرواية؟ وكيف أثمر هذا التحالف سمة السموّ؟

       الواقع أن الغنى في التاريخ أو في النفس يستعصي على التحكم في الرواية ما لم يتم حصر المضاعفات المتكاثرة للتاريخ وتثبيت التفصيلات التي لا تحصى والدائمة الحركة في الحياة الإنسانية. غير أن حسن أوريد تجاوز هذه الصعوبة لأنه توصل إلى حادثة شديدة الحساسية الإنسانية، وتوصل إلى شخصية كثيفة الغنى النفسي، وأنتج رواية يتداخل فيها التاريخي والنفسي بسلاسة. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل تم المرور من التاريخ إلى النفس بتوازن مقنع أم بشكل كيميائي؟

       بالعودة إلى الإطار الموضوعي للرواية والتأمل في البنية العميقة التي نظمت تمفصلات الأحداث، نجد أن الكاتب انطلق من جزئية الاضطهاد الديني الذي تعرض له الموريسكيون بوصفها إشكالية، ثم عمل على رصد مظاهر الاضطهاد العرقي والاجتماعي والنفسي والسياسي في دار الإسلام، ثم انفتح على سياق أكبر من خلال الرحلة إلى أوروبا التي أتاحت له مقارنة الخصائص، بعد ذلك استخلص الحكم – الخلاص (المحبة طريق إلى الله وإلى الآخر والذات)، ثم انفتح على الإنسان من خلال رحلة الحج.

       إننا إذا تتبعنا هذه التمفصلات نقف على حقيقة أنها تنامت على الشكل الآتي: صياغة الإشكالية، رصد الخصائص، مقارنة تلك الخصائص بخصائص أخرى، استخلاص الحكم، تعميم النتائج. لنتبين أن سيرورة الأحداث انتظمت في إطار نظرية علمية قائمة على أحد أبرز مسارات مناهج البحث العلمي ممثلا في «الاستقراء». كما نتبين أن الرواية تسامت من التاريخ إلى كلية النفس البشرية. ومع ذلك نتساءل مرة أخرى: هل كان هذا التسامي مقنعا فكريا وجماليا؟

      الحقيقة أن هذا السؤال شكل لنا حيرة كبيرة، وهي حيرة أذكاها حضور ملفت للرقم (ثلاثة) في الرواية؛ فالبطل له ثلاثة أسماء، وأبناء السلطان أحمد المنصور ثلاثة، والمسافرون في الرحلة الأوروبية ثلاثة، وقد قضوا في الطريق ثلاثة أيام، ومجموعات القراصنة ثلاث، والبطل تحرك في ثلاث قارات، وغير ذلك كثير من مظاهر هذا الرقم المثير في النص، والذي يزج بنا في التفكير في ثالوث ما .

       إن في كل رواية مضمونا فكريا يظل يناوش الناقد من خلال تجليات سردية تكون أحيانا ملحاحة. ومن الأمور التي كانت ملحاحة، إلى جانب الرقم ثلاثة، كثافة الحديث عن العقل والنفس. هذا ما دفعنا إلى افتراض اسكناه النص لثالوث أفلوطين (الواحد – العقل الراجح – كلية النفس البشرية). وعند التمحيص وجدنا، فعلا، ميلا للرواية إلى التعبير عن هذا الثالوث، فالواحد هو الله كما نقرأ في الصورة الآتية:

       «لماذا تركنا الله؟ الله الذي كان موزعا بين معسكرين، يبتهل له هؤلاء وهؤلاء ويتركهم يتنازعون ويتقاتلون باسمه»4.

       غير خفي أن مغزى الشكوى في السؤال فيه نوع من التسامي الصوفي. لكن الذي يهمنا هنا هو وحدة الله بين المسيحيين والمسلمين. هذه الوحدة تجلت حتى على مستوى إسم الإشارة (هؤلاء وهؤلاء)، إذ يوحي بأن الأمر لا يستدعي طرفي نقيض طالما كل طرف يوحد الله. وهكذا تبوح الصورة بأحد أركان الثالوث المفترض. ولقد تعددت الصور التي توحي بالتوحيد في ثنايا النص، وخلالها كانت تبرز صور تشير إلى العقل والنفس، منها الصورة الآتية:

       «في أرض الإسلام ليس كل شيء جميلا، وفي أرض المسيحية ليس كل شيء خاطئا. فالنظرة الصائبة تتأتى عن طريق العقل، ولكن العقل وحده لا يكفي. هناك الحب خصوصا، حب الآخر أو الجار لتتأتى معرفته»5.

       توحي الصورة بتوازن أرجوحي بين أرض الإسلام وأرض المسيحية، كما توحي بالكشف؛ إذ تتحدث عن المعرفة الروحية. غير أن الذي يثيرنا أكثر هو الحديث عن العقل، والانفتاح على كلية النفس من خلال الحديث عن حب الآخر.

       لقد أصر الكاتب، سرديا، على إبراز هذه العلاقة بين العقل والنفس في إطار جدلي، وبين الله والنفس كذلك. لنقرأ هذه الصورة:

       «أنتاتي وأوجيني. أدين للأول بإعمال العقل الذي سحب على العالم ما يتمسح به من أساطير وأوهام وأراني حقيقة ما يجري أمامي، وأدين للثانية بالحب الذي رتق عالما خلا من الأساطير ومنحه معنى»6.

       في هذه الصورة يبرز بجلاء تنامي وعي البطل من الرؤية العقلية للواقع إلى الانفتاح على كلية النفس، عبر قيمة المحبة التي جسدها الكاتب بوصفها خلاصا، على امتداد الرواية. على أن التعالق بين العقل والنفس يبدو في شكل تناسل، على اعتبار أن العقل هو من ولــّد النفس. نتلمس ذلك بجلاء حين نتأمل إسم «أوجيني»، إذ نجده مركبا من لغتين؛ «أو» بالأمازيغية تعني «ابن»، و«جيني» بالفرنسية تعني «الألمعي أو العبقري» بما يتضمنه من معنى العقل الراجح. هكذا تصير «أوجيني»، بجوهرها النفسي، سليلة العقل. ومثلما ارتبطت النفس بالعقل، ارتبطت بالله كذلك، نقرأ:

     «هل تكون أوجيني يد الشيطان؟ لا يمكن إلا أن تكون طريق الرب أو الله، لأن الرب محبة وأوجيني أحد أسراره»7.

      مرة أخرى تلمح الصورة إلى الواحد؛ الرب أو الله، بالمسيحية والإسلام. وهي إلى جانب ذلك تربط أوجيني بالله، بوصفها أحد أسراره، لأنها تجسد محبة، يأتي ذلك في شكل أقرب إلى الفيض. هكذا يكتمل الثالوث؛ الواحد – العقل الراجح – كلية النفس البشرية. لنؤكد أن السمو والارتقاء في الرواية لم يكن كيميائيا، بل جاء خاضعا لسيرورة السياق، ومسندا بإطار مرجعي يعي رهاناته الدلالية والفكرية جيدا. على أن التسامي ظهر في الرواية بمظهر التصوف الإسلامي أيضا، وكانت أوجيني هي مرآة كشفه، نقرأ:

     «توقفنا هنيهة ثم بدأت أوجيني في النزول، رفعت الحركة تنورها، سرت قشعريرة في كل بدني وخفق قلبي. غفر الله لي. كان الأمر أقوى مما أستطيع. استسلمت، أو بالأحرى كنت سأستسلم. سآخذها بين يدي في هذا المكان المنعزل سأقبلها، سأداعبها…»8.

      إن هذه الصورة تعكس أن الرواية نأت عن الطابو الجنسي، واستعاضت عنه بعاطفة إنسانية عفوية تعترف بضعفها دون أن تستسلم. مما جعل الموقف الإنساني يقف عند حدود «التحلي»، كما يتبين في الصورة الآتية :

      «ليس علي الاتصال بأوجيني جسديا لأحبها. سموت عن الغواية الجسدية إلى شيء روحي ومتعال. ما كان بمقدور حبي الجسدي أن يكون بمنأى عن الشهوة، وكان سيخبو مع الوقت. فحجب لا تدرك الآن، كانت ستحول بيننا وستنتهي بإفساد ما هو نبيل فينا. أوجيني في قلبي وإلى الأبد. وقد تمكنت بطيبتها، وكرمها، وعظمة روحها من تغيير نظرتي للكائنات والأشياء. كنت في حرب ضد المسيحيين الذين اضطهدوني وسلبوا متاعي وتعقبوني، وها أنا الآن في حرب ضد نفسي…»9.

       البطل في هذه الصورة مر إلى العشق الروحي عبر العشق الجسدي، وبذلك اكتسب سمات «الإنسان الكامل» كما هو في تصور ابن عربي، وقاده الوصل الروحي إلى المطلق. هذا التسامي من الشهوة إلى الاتصال الروحي يعكس نوعا من «التخلي» في معجم المتصوفة، وهو تخل قاد صاحبه إلى «التجلي»، بما هو سمو بالروح، تمثل في حديث الراوي عن حرب ضد النفس، كما تبين بوضوح في صور أخرى كثيرة يضيق المقام عن إيرادها، منها صورة سابقة ظهرت فيها أوجيني بوصفها أحد أسرار الله.

      نأتي لنقول؛ إن التصوف كان جسر العبور والانفتاح، من الحادثة التاريخية إلى الامتداد الإنساني في سياق درامي متفاعل أشار إلى حوار الأديان والثقافات، ونبذ الاضطهاد والصراع، واقترح المحبة طريقا إلى الله وإلى الآخر والذات.

      ** شمول: تُعدّ سمة «شمول» إحدى السمات المهيمنة في رواية «الموريسكي». ونقصد بالشمول هنا؛ شمول عملية الحياة، وهو يعني الكلية. وقد ورد في أستطيقا «هيجل» أن الشمول أو الكلية من أخص خصائص الملحمة والمسرحية، الكلية في الملحمة تتمثل في شمول الموضوعات، وفي المسرحية تتمثل في شمول الحركة أو الصدام.

   وبالعودة إلى رواية «الموريسكي» نقف على حقيقة كونها تضمنت عددا هائلا من الموضوعات، ولا بأس أن نذكر ببعضها، فهناك الدين، والدولة، والحب، والأخلاق، والسلطة، والزواج، والاستبداد، والخوف، والانتهازية، والاضطهاد، وتسلق السلطة باسم الدين، والهجر، والأمن، والانتقام، والموت، والاستعباد، والثورة، وجنون العظمة، وصدام الحضارات، وتبذير المال العام، ومحاكم التفتيش، والقرصنة، وغير ذلك من الموضوعات التي يصعب حصرها. وبهذا الشمول في الموضوعات تكون رواية «الموريسكي» قد أخذت من الملحمة روحها وحيويتها.

  وموازاة مع شمول الموضوعات، نجد شمولا واضحا على مستوى الحركة، تجلت من خلال الصدام البشري العظيم على كل الجبهات؛ بين المسيحيين والمسلمين، بين السلطان أحمد المنصور وابنه المأمون، بين أبناء السلطان الثلاثة، بين القراصنة في سلا، بين العاملين في البلاط، بين السلطة والثوار، بين البطل ونفسه، وغير ذلك من مظاهر الصراع وجبهاته المتنوعة والمتداخلة في آن. وبذلك تكون الرواية قد أخذت من المسرحية روحها كذلك.

  هكذا، إذن، شكلت الملحمة والمسرحية روح رواية «الموريسكي». ويمكن القول؛ إن شمول الموضوعات والحركة معا مكن القارئ من الشعور بشمول عملية الحياة، لأن هذا التركيب المتفاعل بين الموضوعات والحركة مكن من إبراز الحقيقة الموضوعية التي يرصدها النص في صورة نسبية، أي لا نهائية ولا منتهية، تتحرك بإيقاع الحياة نفسها. فالملحمة سفر في الزمن، والمسرحية سفر في المكان. وإذ تتقمص الرواية روحيهما فإنها في العمق تتقمص الحياة، على اعتبار أن حادثتها تبدو متحركة في الزمان والمكان، تتكرر في التاريخ؛ تتبدل الخشبة والممثلون، وتبقى الحادثة تعيد نفسها. هذا ما أكسب الرواية طابعا تصويريا، على اعتبار أن الرواية التصويرية لا تصور الإنسان في حد ذاته، بل الكوميديا التي يلعبها الإنسان10.

  إن العمق الملحمي والمسرحي للرواية جعلها تكتسي غزارة على مستوى المضمون ورعونة على مستوى الحركة والصراع. وهي غزارة تتطلب بالضرورة شكلا أو جسدا ملائما يستوعبها. وبالتأمل في ثنايا النص، نجد أنه شديد التركيب على مستوى الأنواع الأدبية والأشكال التعبيرية التي تضمنها، فهناك القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف، والشعر، وأدب الرحلة، والنصوص الدينية المسيحية، والمناظرة، والسيرة، والمذكرات، والرقص، والخطابة، والسرد، والوصف، والرسالة، والكتابة الديوانية، والوعظ، والتأملات، والخطاب الصوفي، وغير ذلك من أنواع التعبير التي تنامى الحدث بها ومن خلالها. كما اكتست الرواية سمة الحوارية بشكل ملفت، حيث تجاورت فيها لغات ولهجات عدة؛ العربية، والفرنسية، والأمازيغية، والإسبانية، والوهرانية، ولغة الخيميادو، وغيرها. هذا الغنى التعبيري واللغوي أكسب النص صفة الرواية المتعددة الوجوه، بحيث تنقل الحقيقة الموضوعية الواحدة بطرائق شتى. مما عزز سمة الشمول وعمّق نسبية الحادثة الإنسانية وعمل على مدها في التاريخ.

     ** تصوير: الصورة في رواية «الموريسكي» تنخرط في لعبة تداولية غير متكافئة مع السيرة والتاريخ والواقع والماضي والحاضر والذات والموضوع والفردي والجماعي، هذا ما جعل النص معترك أنماط عدة من الصور؛ كثيفة ومباشرة ومتوترة وممتدة وآنية وسياقية وتاريخية وإنسانية، ينضاف إلى ذلك أن سياق الأحداث تنظمه رؤيتان سرديتان كما أسلفنا، مما يضعنا أمام الصـــــورة وظلها.

     إن هذا الانخراط غير المتكافئ أثمر صورة روائية مفارقة، يصعب القبض عليها وعلى إطارها وأجزائها، خصوصا أمام تشابك الصوتين السرديين وتداخل الذاتي والموضوعي والآني والتاريخي، لذلك سنتلاعب مع الصورة بمثل لعبتها، وسنقف على ثلاثة أنواع من الصور، أولها الصورة الكلية.

      تعتبر الصورة الكلية حلقة أساسية في أية مقاربة للصورة الروائية، بيد أن الكلية تبقى غامضة في رواية «الموريسكي» التي بلغت من الامتداد الحدثي والتاريخي والإنساني ما يجعل الكلية نسبية، نظرا لانفتاح الحادثة أماما وخلفا، وانفلاتها من إمكانية الضبط على مستوى السيرورة السردية. لذلك سنعتبر الكلية، بمعنى من المعاني، رديفا للسياق11.

    ولأن السياق الذي تكتنفه رواية «الموريسكي» هو السياق التاريخي، فإن الصورة الكلية لا تتجاوز الحدود التاريخية المتعلقة بقضية المورسكيين ومعاناتهم في ظل محاكم التفتيش وغير ذلك من الأحداث الكثيفة التي اختزلناها في الإطار الموضوعي سابقا. وقد تبلورت هذه الصورة انطلاقا من سيرة أحمد شهاب الدين أفوقاي وشكلت مركزية النص، وخطت بالتالي خطوط الصورة الكلية. نتلمس ذلك حتى على مستوى صورة الغلاف، حيث تظهر سفينة من الطراز الموريسكي القديم في خضم بحر يتلاعب، علما بأن الصورة بدون إطار، أي منفتحة على كل الجهات، مما يعزز كون الصورة الكلية نسبية طالما أن السفينة عائمة في فضاء شاسع ممتد وغير محدود، وهذا يدفعنا إلى افتراض وجود نوع آخر من الصورة؛ إنها الصورة العائمة.

      نقصد بالصورة العائمة ما يقصده النقد الواقعي التصويري بالصورة الممتدة، على اعتبار أنها تمتد على جسد النص، مع تميز طفيف للصورة العائمة لكونها تتحرك في كل الاتجاهات. ويفترض في الصورة العائمة، شأنها شأن كل أنواع الصور الروائية، أن تكون خاضعة للصورة الكلية وألا تتجاوزها، غير أنها في رواية «الموريسكي» شديدة الرعونة، بحيث لا تنضبط لحدود أمها، بل تتجاوزها أحيانا، وتنفلت من رقابة الحادثة المحورية التي تشكل إطار الصورة الكلية وتسبح بعيدا عنها، لكن دون انفصام الرابطة السياقية، فالصورة الكلية بما أنها تتحدد بحدود تاريخية وسردية، تبدو كأنها جزيرة في بحر التاريخ، وهكذا يتسنى للصورة العائمة أن تسبح في بحر التاريخ لتلامس جزرا أخرى، لكنها تعود إلى أمها، لذلك وسمناها بالصورة العائمة.

      إن رعونة هذه الصورة تتجلى على مستوى السياق النصي في أنها تتجاوز الحادثة التاريخية المركزية من خلال استحضار مواقف وحالات ووضعيات إنسانية خارج المحكي وخارج الميثاق السردي الذي يؤطره العنوان «الموريسكي»، من ذلك مثلا هذه الصورة على لسان البطل السارد:

      «أتينا ثلاثتنا من معاطن مختلفة، بابا أحمد التنبوكتي من مالي، وابن يعقوب من سوس وأنا، أحمد شهاب الدين من الأندلس، هناك شيء ما يجمعنا، التوق إلى العدالة مقرونا بنزوع روحي»12.

      لا يخفى ما تستبطنه إنشائية هذه الصورة من دلالات التشابه والتعميم، حيث تجمع ثلاثة أشخاص في بوتقة واحدة هي الاضطهاد والتهجير، بما يجعلها حالة إنسانية تتجاوز حدود الحالة الموريسكية إلى سياق إنساني أرحب. هذا التجاوز للحالة يظهر بشكل أوضح في صورة أخرى وردت في سياق الحديث عن دسائس القصور:

    «كان للبلاط  معايير أخرى في التعامل ولكنها كانت معهودة لدي، فهي تذكرني بالكنيسة أو بالأحرى محاكم التفتيش، فمحاكم التفتيش حالة نفسية وليست المحرقة سوى حلقة من سلسلة، محاكم التفتيش هي الخوف، هي الوشاية، هي الكذب، هي تشويه الحقائق، هي الإرجاف…»13.

     تقوم هذه الصورة على الوضوح والانفلات والامتداد والتعميم، يتداخل فيها الهم الذاتي مع الموضوعي، والآني مع التاريخي والإنساني، بل وتتداخل فيها الأصوات السردية، بذلك تضيع الحالة الموريسكية في سياق إنساني شامل، حين ترتقي الصورة بمحاكم التفتيش من حالة موريسكية إلى حالة إنسانية محايثة للوجود الإنساني، وحين تربطها بالبلاط وبالنفس البشرية وقيمها.

      على أن امتداد الصورة العائمة يتجاوز مدى أبعد في الصورة الآتية، وقد وردت في سياق حديث للراوي موغل في التصوف عن معاناة رفاقه من المورسكيين وإحساسهم بالهجران:

      «ألم يدر المسيح رأسه حول الصليب كما يذهب التأويل المسيحي، ليصيح بألم: “إلهي، إلهي لم تركتني؟…”. وسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، ألم يكن هو أيضا موضوعا للإحساس بالهجران حين رماه بعض الأوغاد بالحجر بواحة الطائف وتعقبوه بالرجم، هو متعب وجريح، يهده العطش والجوع، وشمس شبه الجزيرة العربية ليست أكثر قسوة من إحساس الظلم الذي يساوره، اتكأ على حائط بستان وأطلق صرخة إنسانية، إنسانية جدا: “اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس (…) إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتهجمني؟؟»14.

       إن الكلام عن المعاناة الإنسانية إذ يمتد إلى الأنبياء، يمكننا أن نتبين أن الصورة كانت بالفعل عائمة في التاريخ الإنساني، وهي بذلك ترتقي بالموريسكية من مجرد حادثة مؤطرة بسياق تاريخي محدد إلى مستوى حالة إنسانية جارية في التاريخ، حالة اضطهاد الإنسان للإنسان، وفي ثنايا النص صور أخرى غزيرة تؤكد هذا الامتداد وهذا العوم الذي ميز لعبة التصوير في رواية  «الموريسكي».

      وإذا وازنّا بين الصورة الكلية والصورة العائمة نقف على مفارقة صارخة، أن الصورة العائمة تتجاوز الصورة الكلية وتستوعبها، بمعنى أن الإبنة تتجاوز الأم، فعوض أن تحبل الأم بابنتها، فقد حبلت البنت بأمها، وهنا وجه المفارقة.

      إن هذا التصوير المفارق يثمر بالضرورة صورة ثالثة نطلق عليها الصورة المشاكسة، وهي تقف على خط التماس بين الصورة الكلية والصورة العائمة، إنها مشاكسة لأنها تتاخم بين الصورتين من جهة كما تتاخم في وجدان كل من الكاتب والقارئ من جهة أخرى، وهي مشاكسة أيضا لأنها لا تكف عن الحفر.

      ومعلوم أن كل رواية تحفر صورتها الآسرة أو ما أسميناها هنا الصورة المشاكسة، تحفرها في شكل سؤال يظل يكبر ويغوص على امتداد المتن السردي. وفي ظل المفارقة التي أفرزتها لعبة التصوير في رواية «الموريسكي»، فإن السؤال الذي تتبلور عبره هذه الصورة هو: من هو الموريسكي تحديدا؟

      ثالثا- رواية «الموريسكي»: تاريخ شخصية أم شخصية التاريخ؟

      نصل الآن إلى الشخصية بوصفها الدغل الذي يكمن فيه الوحش الجمالي لهذه الرواية. لأنها، ببساطة، ليست شخصية النص فحسب، إنما هي شخصية التاريخ، شخصية مبهمة الملامح والمعالم، مجهولة الإسم، رغم كثرة الإيهام بأنها معروفة.

      يبدأ الإيهام منذ العنوان «الموريسكي»، حيث جاء بنبرة تقريرية لمّاحة، في صيغة المفرد ومحلى بأل. وفي ذلك تواطؤ من قِبل الكاتب، إذ يوهم القارئ بأن هذا الموريسكي معروف. ولأن التواطؤ بهذا الشكل غالبا ما ينم عن تعاقد بين الكاتب والقارئ، فإننا نسلــّم بحق الكاتب في التعاقد ومضمونه. غير أننا نتفاجأ بعد قراءة النص بأننا لا نعرف هذا الموريسكي، ورغم ذلك لا يفارقنا الإحساس بأننا نعرفه، أو ربما ننتمي إليه.

       في بداية النص يباغتنا الكاتب بضمير الجمع بشكل موغل في التجريد واللاتحديد، نقرأ:

     «اتجه فارسٌ من فيلق النخبة، الترسيو، نحونا راكضا، كنا بجانب دارنا…» 1.

       هكذا إذن تم تعويم الضمير المفرد، الذي تضمنه العنوان، في ضمير الجمع، وتم الانتقال من صيغة الغائب إلى صيغة المتكلم. وهو تعويم نعتبره لحد الآن طبيعيا وعفويا، إلا أنه يسمو بعد ذلك في صور أخرى كثيرة، منها الصورة الآتية التي وردت في سياق حوار بين البطل وأبيه، يقول الراوي على لسان الأب:

     «هناك من ينساقون وراء الثقافة المهيمنة، يتعلمون لغة المنتصر، يتبنون عاداته، ليس لهم مشاكل وجودية. لكن هناك عتبة لا يمكنهم تجاوزها، مثل شجرة مطعمة، لن يكون لها أبدا نسغ الشجرة الأم وحيويتها. آخرون وعلى العكس من هذا، يرفضون الهيمنة ويعبرون عن ذلك بتطرف خطابهم. إنهم مثلما قلت لك آنفا، يا بني، كالشجرة المنزوعة الجذور التي هي بلا نسغ وترفض أن تناغيها مؤثرات الطبيعة، ترفض أن تنثني للنسيم ولا يمكنها أن تستفيد من المفعول الطيب للمطر. هكذا صرنا لجوجين، لأننا أضحينا مجتثي الجذور»16.

      في هذه الصورة تنتفي الحالة الموريسكية تماما، وتحل محلها حالة إنسانية مجردة وممتدة. بل إننا، كقراء، نحس أننا معنيون بالحالة ومنغمسون في صميمها، فكأن الراوي أثقل كاهله بأسئلتنا وواقعنا ومآزقنا الحضارية، وعبّر عن همومنا، بل وعن الهموم الوجودية للإنسان واستلاباته في كل زمان ومكان، وليس فقط عن هموم الموريسكيين.

     إن هذا التعويم للحالة الموريسكية كان السمة الأبرز على امتداد الرواية، تجلت في مظاهر كثيرة منها؛ الارتقاء بمناقشة السلطة في عهد أحمد المنصور إلى مناقشة مفهوم السلطة في سياقه الإنساني المجرد، ومنها كذلك تجاوز الاضطهاد الديني للموريسكيين إلى الاضطهاد العرقي والسياسي والاجتماعي، وكذلك تعويم محاكم التفتيش في البلاطات وفي السلوك الإنساني والقيم الاجتماعية، إضافة إلى استعباد المسلم للمسلم، وتبرم الراوي من الانتقام البشع الذي مارسه القراصنة على المسيحيين، ولنا أن نتذكر كذلك الاضطهاد الذي تعرض له الأنبياء، وغير ذلك من مظاهر الاضطهاد والظلم التي قادتنا إلى حقيقة أننا، فعلا، نعرف الموريسكي؛ إن الموريسكي هو الإنسان المضطهد في كل زمان ومكان، وصرخة الموريسكي في الرواية هي صرخة الإنسان المظلوم.

       وكانت نهاية الرواية فجرا، ملتقى الليل والنهار، وهي نهاية، إلى جانب كونها عناقا حتى الموت، فإنها توحي بالدائرية والاستمرارية، وتحاكي التاريخ البشري المتراوح بين الظلام والنور. وكان الفجر في «توزر»، على مقربة من «سيدي بوزيد» التي انطلق منها شهاب الربيع العربي. وهذه نقطة إضافية تُحسب لصالح الامتداد الإنساني للحادثة، إذ تلامس الحاضر، مما يعزز كون شخصية الرواية تتجاوز أحمد شهاب الدين إلى فضاء إنساني شاسع ومتحرك.

      هكذا يبدو أن الكاتب كتب روايته عن النفس البشرية، شكّل فيها البطل مركز الصورة، لكن الخلفية كانت غير نهائية ولا منتهية. وبذلك نعتبر «الموريسكي» رواية درامية، جالت في مكنونات النفس البشرية ونبضها الإنساني ومعاناتها، ورصدت سيكولوجية الإنسان المضطهد.

       خاتمة:

       إن الوعي الذي كتبت به الرواية، والغنى الفكري الذي أسندها، وسلاسة التداخل فيها، كل ذلك يشير إلى أن الرؤى كانت متوفرة لدى الكاتب، والعمق الفكري كان مختمرا، والتجربة السردية كانت جاهزة من قبل. ما كان ينقص هو وعاء التمرير، وقد شكلت سيرة أفوقاي وعاء نموذجيا بكل المقاييس، إذ كانت شخصيته بوتقة مثلى لتفاعل الذاتي المتعلق بالكاتب والموضوعي المتعلق بالواقع والتاريخ والإنسان.

       ولقد أحاطت الرواية بكل الموضوعات والقضايا الإنسانية، وتناولت الحياة في قمتها وسفحها، وانفتحت بالحادثة التاريخية شاسعا، وحركتها أماما وخلفا، وأكسبتها عمقا إنسانيا غائرا. لكن الغائب الأكبر يبقى هو العدالة، ليس العدالة والحرية كما في باقي الروايات، بل العدالة؛ وحدها العدالة…

———————————————–

                                           هوامـــــــش

1- حسن أوريد، الموريسكي، ترجمة عبد الكريم الجويطي، دار أبي رقراق، ط1، ص 88.

2- الموريسكي، سابق، ص 168.

3- محيى الدين صبحي، النقد الأدبي الحديث بين الأسطورة والعلم، الدار العربية للكتاب، ص 188.

4- الموريسكي، ص 53.

5- الموريسكي، ص144.

6- الموريسكي،ص 215.

7- الموريسكي، ص 145.

8- الموريسكي، ص 154.

9- الموريسكي، ص 156.

10- ألبيريس، الاتجاهات الأدبية في القرن العشرين، ترجمة: جورج طرابيشي، منشورات عويدات، ط1، ص 62.

11- محمد أنقار، بناء الصورة في الرواية الاستعمارية، صورة المغرب في الرواية الإسبانية، مكتبة الإدريسي- تطوان، ط1، ص 30.

12- الموريسكي، 86.

13- الموريسكي، ص95.

14- الموريسكي، ص 149.

15- الموريسكي، ص15.

16- الموريسكي، ص 32-33.

شفشاون- المغرب/ أبريل 2012

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

Information

This entry was posted on 2 أغسطس 2013 by in مقالات.

الابحار

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: