مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

مقالات : براءة الأطفال في طاحونة “الإخوان” محمد العمري

مقالات : براءة الأطفال في طاحونة “الإخوان”

 images

محمد العمري

خاص بالموقع

لا شك أن الحقوقيين ــ كما عبرت ممثلة اليونيسيف في القاهرة ــ قد صدموا في جميع أنحاء العالم بمشهد أطفال صغار، دون العاشرة وحولها، وقد أُلْبسوا أكفانهم، أو حُمِّلوها فوق أكُفِّهم في مسيرة الإخوان يوم 30 يوليو 2013 بالقاهرة. كانو يسيرون مُتعَبين، في صوف منتظمة، تحت أشعة الشمس الحارقة نحو هدف لم يحددوه، ولا يعرفوا غاياته ومداه. يسير بجانبهم أطفالٌ آخرون يحملون لوحات كتب عليها ما يعني أنهم مُيَتَّمون، أبناء شهداء! وما هم بميتمين ولا أبناء شهداء، كما صرحوا للصحفيين، بل كلفوا بهذه المهمة من قِبَــل أشخاص مجهولين؛ يشيرون إليهم ولا يعرفون حتى أسماءهم.

صُدم الذوقُ الحقوقيُّ، وجُرح الحسُّ الإنسانيُّ بهذه المشاهد يوم الثلاثاء 30 يوليو2013 في المسيرة التي نظمها الإخوان في القاهرة. كيف لا يصدم أمام أطفال أبرياء قاصرين يصرحون بابتهاج طفولي أنهم مشاريع شهداء أو استشهاديين؟! وهم لا يدرون ما الموت وما الشهادة، يموت أبُ أحدٍ من سنهم، أو أمه، فيبقى في ذهول لأنه لا يجد مبررا لما عليه الناس من حزن وبكاء.

ما مَدى قانونية هذا السلوك، وما مدى أخلاقيته؟  لقد استعرَضَتْ بعضُ الفضائيات نصوص العهود الدولية، والعربية، والوطنية المصرية، التي تفرض جميعا حمايةَ الأطفال، وتُجرِّم الزج بهم في كل ما يعوق نموَهم الجسدي والنفسي، أو يُعرضهم للخطر، خاصة في أوقات الصراع. وتحدث بعضُها عن بُعْـد آخرَ أشد مأساوية، وهو احتمال أن يكون هؤلاء الأطفال قد أخذوا من ملجأ للأيتام!!

ونظرا إلى أن هؤلاء الذين دفعوا هؤلاء الأطفال إلى واجهة الصراع واتخذوهم (مع النساء) دروعا بشرية يرفعون شعار “الإسلامية”، فمن حقنا أن نتساءل عن الوجه الشرعي الذي أجاز لهم تجنيد الأطفال ودفعهم إلى مقدمة الصراع التي سقط فيها عشرات القتلى منذ أيام! لقد دفعوا النساء مراتٍ نحو مقرات الجيش الذي اضطر لقطع طريق المسيرات النسائية بالأسلاك الشائكة. لماذا اللجوء إلى هذه التعابير والسلوكات المأساوية؟! سيأتي الجواب في آخر المقال.

إن المشاهدين، في جميع أنحاء العالم، الذين لا يعرفون حقيقة التكليف في الإسلام سيعتقدون أنه يجيز تجنيد الأطفال في الحروب، وسيقرنون صورة المسلمين ــ وهي ليست على ما يرام ـــ بصورة المافيات (المقنَّعة بالأيديولوجيا والدين والوطنية) التي جندت الأطفال الحفاة العراة في الحروب وتهريب المخدرات، في إفريقيا وجنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية، وسيتذكرون رفض المسلمين حماية القاصرات من الاغتصاب تحت قناع الزوجية والولاية. وسيجدون صورة كل هذه المساوئ في نماذج من المتطرفين المتمسكين بالقشور الذين تقدمهم الفضائيات العربية والغربية.

هل يعي هؤلاء الأطفال، مرة أخرى، ما تعنيه كلمة شهادة؟ أي شهادة وهم غير مكلفين أصلا؟

هذا في المستوى الإنساني، أما في المستوى السياسي فلا بد أن يتساءل المرء كيف تحول التداول على السلطة، (أو التدافع حسب تعبيرهم) بين “مواطنين” في مسألة نسبية اجتهادية (من يحكم هذه الدورة؟) إلى حرب يكونُ أحدُ طرفيها شهيدا والآخرُ في النار؟ وعلى فرض أنها حربٌ، وأن القاتلَ والمقتولَ فيها ليسا معا في النار، فكيف تحولت من الفرض على المكلفين (كفاية أو عينا) إلى فرض على غير الكلفين؟ أيُّ إسلام هذا؟

ما الغرضُ من هذا السلوك وما دلالتُه؟

الغرضُ القريبُ من إقحام الأطفال (والنساء أيضا) هو طلبُ التعاطف الشعبي والعالمي، بعدما فشلت عمليات الاقتحام بالقوة التي وَعَـد بها بعضُ الخطباء (صفوت حجازي مثلا). فطَلبُ التعاطف الشعبي يستحضر الذاكرة العربية (ثم الإسلامية) التي يرمُز فيها خروج الأطفال والنساء ـــ حال النزاعات والحروب ـــ إلى طلب الإغاثة خوفا من الاستئصال بقتل جيع الرجال الذين يكونون قد اختفوا من ساحة المعركة، وكثيرا ما يتم، في هذه الحال اللجوء إلى أماكن لها حرمة: أضرحة وزوايا ومزارات وزعامات قبلية…الخ، واليوم حل الشعب محل هذه الجهات الحاضنة المشَفَّعة. أما التعاطف العالمي فكامن في التعبير عن سلمية المتظاهرين الذين لم يعودوا يحملون العصي ويرمون بالحجارة والزجاجات الحارقة (وربما بالكرتوش…؟) على رجال الأمن، بل مستعدون ليكونوا ضحايا. وقد بلغَ من إغراءِ هذا المظهر السلمي للأطفال أن أنساهم الجوهرَ، وهو أن الإنسان الحديث يرفض أن يزج بالأطفال القاصرين في نزاعات الكبار.

أما الدلالة العميقة الكامن وراء هذا السلوك المأساوي فهي أن الجماعة صارت تعتبر “الحُكــمَ” قضيةَ حياة أو موت، فردية وجماعية. تعتبر الحكمَ، الآن وليس غدا، فرصةً تاريخية أخيرةً، إما أن تكون بها أو تموت دونها. الأمرُ لا يتعلقُ بتجربة سياسية من تجارب التداول السلمي للسلطة بما يَعْتَــوِرُ التداول من عيوب ونقائص، وما يقع فيه من حيْف تُصلحه الأيامُ والواقعُ الصلب: فصاحب الأغلبية الحقيقية لا يمكن أن يخشى إعادة الامتحان إذا ما اتُّهم بالغش. بل هو أجدر بأن يبادر برفع الشُّبهة عنه، هذا هو منطق التناوب. وما لا يمكن تحقيقه كاملا من خلال الجلوس في مقعد القيادة يمكن الاقتراب منه من طريق مقعد المعارضة الذي يكون بجانب مقعد السائق، لا خارج العربة، كما يريد الإخوان، في جميع البلدان. (ولذلك تجدهم يتحدثون عن التشويش، ويطلبون من المعرضة تركهم يحكمون حسب هواهم، والحساب في نهاية الولاية). المهم هناك مساحة للتحرك داخل المفاهيم الديمقراطية لا تتناسب مع سوداوية حمل الأكفان والنعوش.

نظرا لأن الإخوان لم يستحضروا خيارَ التداول منذ البداية، بل راهنوا على منطق القوة وإرهاب الخصم، فقد ارتكبوا مزيدا من الأخطاء بشكل تصاعدي، حتى صار التراجع مكلفا لقيادتهم، بل صار خطها مقطوعا: الآن هناك قتلى في المدن البوادي، وألغام وألغاز وقتلى ومختطفون في سيناء، وهناك أكثر من ذلك مراهنةُ التنظيم العالمي للإخوان على مصر، بل هو بداية الداء…الخ. لقد صدق أحد المعلقين حين قال بأن الرئيس المعزول مرسي مظلوم، فهو مظلوم من نفسه ومن إخوانه الذين لم يتركوا له فرصة للوفاء بتعهداته.

صار خطابُ الإخوان في ربيعة العدوية (والمنصة منصتهم)، وفي بعض الفضائيات التي أعارتهم شاشاتها، يدور بين جماعة المؤمنين الأطهار وبين الكفار الأنجاس. وصار الدعاء الذي كان التكفيريون المتطرفون يخصون به “أحفادَ القردة والخنازير” موجها لجبهة الإنقاذ و”العسكر” (يقصدون الجيش المصري)، وبالتحديد والتشخيص إلى البرادعي والسيسي ومن يدور في فلكهما. لقد سمعت خطيبَهم في رابعة العدوية، قبيل الفجر من ليلة 28/07/2013، يدعو على الجبهة العريضة التي سلبت الإخوان حقهم في التربع على عرش مصر قائلا: “اللهم رمل نساءهم ويتم أطفالهم…” إلخ الدعاء البذيئ الذي كان، في وقت ما، يتردد على بعض المنابر المغربية مضافةً إليه عبارة: “وجمِّد الدمَ في عروقهم واجعلهم غنيمة لنا…” إلخ.

من الممكن أن يتخيل المرء ما يشاء من أصناف القصاص والعقاب في حق من اعتدى عليه، ولكنه إذا لم يجد شِفاءً لغُلته وغليله إلا في أن يرى الأطفاء الأبرياء ميتمين، والنساء البريئات مُرملات، فلن يكون إلا شخصا مريضا؛ لا علاقة له بالإسلام الذي يرفض أن تَـزِرَ وازةٌ وِزرَ أخرى. إن مجرد ذكر النساء والأطفال في سياق الانتقام يسد باب أي تأويل غير تأويل المرض النفسي.

نقف عند هذا الحد من استنكار الاعتداء على براءة الأطفال، ونترك لذوي الاختصاص البحث في الدلالة الأسطورية “للدعاء على الناس” بالأذى والهلاك، وعلاقته بالسحر، وبالرسوم التي خلفها الصيادون البدائيون في صخور الكهوف التي عاشوا فيها مند آلاف السنين.

Advertisements

One comment on “مقالات : براءة الأطفال في طاحونة “الإخوان” محمد العمري

  1. صلاح الدين
    2 أغسطس 2013

    تاريخ المسيرة المقصودة هو 30 يوليو وليس يونيو كما وقع خطأ في الفقرة الأولى، وقد صحح في الفقرة الثانية.

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

Information

This entry was posted on 2 أغسطس 2013 by in مقالات.

الابحار

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: