مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

قصة قصيرة : الهـدهـد الميلودي شغموم

قصة قصيرة : الهـدهـد

 

download (3)

الميلودي شغموم

“الهدهد – نفعنا الله وإياكم بفضائل الإنسان والحيوان –كثير الفوائد خاصة قلبه وريشه ومصرانه وعينه ومنقاره وذنبه ودمه ومخالب رجليه ولسانه وجلده ودماغه … ماذا تبقى!؟ كل شيء فيه!

وهكذا، وعلى سبيل المثال فقط، فإن عينه إذا علقها المرء الكثير النسيان ذكر ، وأكل قلبه نافع جدا للحفظ والذكاء ، وحمل منقاره يقي ضياع الأشياء ويمنح “القبول” لدى علية القوم ، وجعل لسانه تحت لسان الإنسان تقضى به جميع الحوائج ولا ترد، والذي يريد أن يغلب ويظفر بما يريد عليه أن بحمل بعض ريش الهدهد، والذي يريد أن يطاع ينبغي أن يطعم المطيع دماغ الهدهد، والمكان الذي تريد تخريبه علق به ريشه، والحمام والدجاج وغيرها من الحيوانات التي ترغب في حفظها من الآفات بخر مكانها بمخه، ومصرانه مفيد جدا ضد النزيف والدمل”… يقول ذلك الذي وسط الحلقة، كل يوم اثنين، ممثلا دور المهرج و العطار ثم يضيف: “الهدهد كله فوائد ورقى خفية لمن يعرف الاستفادة منها !…” ثم يتدخل صاحبه المجذوب الذي يدخل و يخرج في الكلام:”ربما لهذه الأسباب يفتننا الهدهد وتضطرب فينا خلايا كثيرة عندما نراه معلقا في حانوت عطار أو محلقا في فضاء أو مستريحا في خربة.ثم إن الهدهد يأكل الدود !الدود والحشرات… الدود، إيه! الله على بلقيس لما كشفت عن ساقيها ظانة أن الزجاج ماء… وصويحبات زليخة اللآئي يقطعن أيديهن!؟ يا يوسف… إن الجمال، الجمال، إن الجمال نقمة …اختبار … كما الملك يا سيدنا سليمان ! إن الهدهد أبو الأخبار ودليل سيدنا سليمان إلى الماء …والسبب في أن ترفع بلقيس عن ساقيها الثياب… فتنة بلقيس وامرأة العزيز !…كل شي من الهدهد:بلقيس وزليخة… و يوسف وسيدنا سليمان !…

كان الولد يهيم باحثا عما يشغل به نفسه … حول السور، يدور!

باستثناء ناحية السور الشرقي ، توجد حفر كثيرة، في كل النواحي الأخرى، متفاوتة العمق والاتساع كانت تبدو لنا ، في سن الخامسة ، ككهوف عظيمة مليئة بخلق عظيم من الإنس والجان … تعطي هذه الحفر الانطباع بأنها أطلال مدينة قديمة بنيت فوقها “الركادة” وقد يكشف التاريخ ذات يوم عن بلقيس ” تامسنا”… فبلاد بورغواطة أطلال فوق أطلال، ليس لهل ح و لا قرار! …

أما هذه الحفر الخنادق فإنما نتجت عن استعمال التراب والحجر في بناء السور، وربما فكر القائد في أن تبقى بذلك الشكل لتكون وسائل دفاع طبيعية لتعزيز دور السور …أو للتستر عن أسرار: وفي هذه الحفر من الأسرار الشيء الكثير … فيها تقع غرائب الأمور بين إناث وذكور … بين حيوانات وذكور … بين ذكور وذكور، بين الإنس والجان…في الواقع والخيال… والله أعلى وأعلم بمثل وغير هذه الأمور!….

كم كنت أخاف منه لأنه الوحيد الذي يعلم أني حفظت سورة النمل في هنيهة بسبب بلقيس كما حفظت سورة يوسف بسبب امرأة العزيز … أيصبح المرء فاسقا في الرابعة من العمر !؟… لقد صليت تلك الليلة عشرات الركعات: كيف أستطيع حفظ سورتين من القرآن الكريم، في تلك السن، وبكل تلك السرعة ؟ النساء…البراءة! والهدهد؟

كنت أعلم أنه الوحيد الذي يعلم أني بعت الهدهد أكثر من عشر مرات … نفس الهدهد !… في طفولتنا أشياء معجزة … ملغزة … طافحة بالبهجة في نفس الوقت!

ذات يوم من أيام الصيف، والسراب قد لبس حقول الشاوية حتى بدت وكأنها استعادت البحر، طردت من بيتنا بعد الغداء:

ـ اخرج تلعب مع اقرانك!

للكبار أحيانا تصرفات مفضوحة، من كثرة ثقتهم في أنفسهم، أو من كثرة تسترهم عليها!

توجهت نحو السور أبحث عن ظله و عن دراجاتي الصغيرة، التي كنت أصنعها بنفسي من السلك والأسمال، فإذا بي ألمح ثعبانا، ساهدا في هدوء، تبرق ألوانه الممتدة فوق السور، بينما تتدلى رأسه الحادة في اتجاه أرض المدخل التي تبعد عن أعلى السور بحوالي خمسةأمتار… كثيرا ماحلمت بمثل هذا الثعبان … بالعشرات … تعضني …تفترسني، ترعبني، تقض مضجعي، ليلا دائما، وكثيرا بالنهار، حلما أو يقظة!

ملأت قبضتي بحجر أملس ، ولكن صلب، يشبه “التيمومة” وفتحتها في اتجاه الثعبان… في أقل من رمشة عين سقط على الأرض محدثا صوتا وكأنه جمل يسقط من السور … كنت قد أصبته في رأسه!… انتظرت أن يهمد… وحين حاولت أن أتحرك في اتجاهه لم تسعفني قدماي… حتى ظهر أحد أترابي… وجدني مسمرا في مكاني أتصبب عرقا كأنه ماء ” سروالي”… نظر في اتجاه عيني … وجد عود قصب… ظل يجس جسد الثعبان من كل الجهات … فلما تيقن انه ميت جره من ذيله وذهب يبحث عن أصحابه ليحكي لهم كيف قتله!…

أصبح الولد منذ ذلك اليوم قاهر الثعابين … ينظم عصابات للبحث عنها في غيرانها، بعد أن صار له من الشجاعة والإقدام ما لم يكن له، ولا لغيره، في يوم من الأيام: بطل، أو سجين، أكذوبة، أو صدفة للكذب!

أما أنا فقد استبدت بي الدهشة ولم تفهم أمي لماذا بت أهذي واهب مذعورا، أحيانا كثيرة، من مرقدي طيلة بقية اليوم والليلة !… لم أجرؤ قط على القول بأني قتلت الثعبان … أنا نفسي لم أصدق نفسي !… فظلت الأسوار والغيران مليئة بالثعابين !

لذلك يوم “أخطأت”الاتجاه نحو الكتاب وقصدت الحفر وحدي كنت خائفا من الثعابين رغم أن الوقت ربيع … ربيع “الشاوية” ليس له مثيل… ربيع الصبا… تدخل حقلا أو مرعى فلا ترى إلا السماء فوقك… لا شيء حولك … تسمع فقط أصوات البهائم والناس والطيور والحشرات…كأنك غارق في بحر الألوان والأصوات… لغط وغناء… ونداء… أين ذهب كل هذا الجمال !؟ والنباتات التي كانت تغطي قامة أطول الرجال!؟ … يا لطول وخصب قمح وشعير ونوار ذلك الزمان، يا نور !… بلعمان !… ما زلت أسمع صوت السمان : مط مرمط… مط..مرمط… مط مرمط … فكيف لا تضرب عن حفظ سورة لوط وامرأته، أتساوي هذه المرأة، امرأة لوط، شعرة، شعرة واحدة، من بلقيس أو زليخة!؟…وألوان الهدهد، ورشاقته، سواء حط أو طار!؟ … بلقيس … كل الهداهد تبحث عن بلقيس، كما كل النساء تبحث عن يوسف !…

لمحته حاطا على ربوة زاهية وسط الحفر …

ـ هذا هدهد سيدنا سليمان!

يحرك رأسه بخفة عجيبة … يتقدمه منقاره وتعلوه قبعته…كأنه يترقب بلقيس!

ـ الماء!

… لقد جف جسدي وتخشب… رميته بحصاة فسقط من علوه في حفرة يفدفد! … لم أفكر في الثعابين إلا عندما أمسكته بين يدي الاثنتين… وبقصديرة، كنت حولتها إلى سكين، فتحت الصدر، فالتهمت القلب، ثم فتحت الرأس فالتهمت المخ ثم قطعت اللسان ورميته تحت لساني…

ـ هذه الأشياء ينبغي أن تستعمل طازجة وساخنة لكي يكون لها مفعول قوي وفوري ! وهكذا تأكدت من أنه، منذئذ، لن يغلبني أحد في حفظ القرآن والحكايات ولا في الشطارة والدهاء… تأكدت من حسن طالعي … سأكون من أهل ” القبول” …

ـ حظوتي لدى النساء لن تضاهيها حظوة!

بعد أن تيقنت من أن لا أحد يراقبني وضعت بقية الهدهد في قب جلابتي واتجهت نحو البيت لأعرض خدماتي السحرية على والدتي …

في منتصف الطريق اعترضتني العجوز… قالت لي مهددة :

ـ ماذا في قبك؟… من أين هذا الدم!؟ …قتلت أحدا!؟

هذه المرأة منذ قتل زوجها ثور وهي تعيش في الحفر وقد تماهت بالحفر الواقعية والخرافية حتى أصبحت مثلها: المرأة الحفرة! امرأة خرافية، ترابية، بشرتها ذاتها وألوانها بشكل الحفر وألوانها: جرانة بورية ضربها حنش سكران!

كيف تخاف إذن من الضفادع والثعابين!؟ ولم ينبغي أنا أخاف منها كذلك كبقية الأطفال!؟ أنا معي هدهد ، في دمي قلبه ودماغه وتحت لساني …لكنها فاجأتني:

ـ ادي الهدهد لامك ولا تعطه لغيرها !

وهربت إلى البيت … كانت أمي تقلب خبزتين في الفران… مددت إليها يدي بالهدهد:

ـ أ ِش هذا، ألمسخوط !؟

ـ هدهد !

ـ لاش !؟

ـ مزيان… ينفع في شلة حوايج، ومذكور في القرآن، بخير!

لم أفهم كيف أصبت بالغباء آنذاك إلى درجة أني لم أنتبه إلى العصا التي كانت تقلب بها الخبز وتذكي بها النار إلا عندما نزلت العصا على رأسي:

ـ بغيتي بوك تولي سحار من صغرك… ينعل… باللاتي … انا غادية نسالي لك !

كانت أمي كأغلب النساء في ذلك الوقت متقلبة المزاج : مرة وديعة وحنون ومرة هائجة وعدوانية كأنها امرأتان مختلفتان بشكل تام وحينما تكون في حالتها الأخيرة هذه فإن علي أن أختفي لوقت طويل كي لا أؤدي مكان هذا ” المذنب”، الأحمق، الذي يسكنها ولكني لا أعرفه و لا أفهمه!… لما حضرت أول “جذبة” وشاهدت النساء يضربن أنفسهن بالسياط على نغمات عيساوية اعتقدت أنه بداخلهن وأنهن يخرجنه بالضرب!…

الحمد لله على أن الوقت لم يكن ليلا ! عما قريب سينادي المؤذن إلى صلاة الظهر… حقول “الشاوية” مليئة بالنداء، و بالغذاء، طوال السنة، باستثناء فترة من الخريف؛ ألا يقولون إن أهل “الشاوية” يكدون خلال ثلاثة أشهر ، متفرقات، من السنة وأنهم يسبتون، في أكثر الخريف وأكثر الشتاء، يتنزهون ربيعا، ويجنون صيفا؟ رقم حظك إذا ولدت وتربيت في هذا المكان: ثلاثة!

وثلاثة أرباع النباتات البرية تؤكل، تؤكل طازجة.وأنا معي مقلاعي وفخي… يكفي أن تقلب بيدك الأرض المبللة لتجد دودة تضعها في الفخ… نصبت الفخ بعناية وأخذت أبحث عن “تافغة” ملأت منها قبي ثم وجدت أرضا يابسة غير بعيدا من الفخ فجلست وبدأت أقشر “تافغة”… أكلت حتى شعبت وأسست بأن أمعائي نظيفة تماما ثم استلقيت على ظهري وشرعت في تأمل السماء والاستماع إلى “الصمت” الضاج بكل الأصوات وحين فرغت تماما من متاعب الصباح، ومخاوفه، تذكرت الفخ… وجدت به قبرة لا تزال حية فربطت القبرة بحزام سروالي إلى جانب الهدهد. بحثت عن دودة ونصبت الفخ من جديد. قبيل العصر كنت قد اصطدت ثلاث قبرات لم تعد بي أية رغبة في أكل اللحم ، بدأت أشتهي سمكا !…

ـ واحد الشابلة بايتة طايبة، باردة! ا

رتديت جلابيتي وذهبت إلى العطار الذي يشتغل بقالا وساحرا في نفس الوقت :

ـ تشري من عندي واحد الهدهد !؟

تفحصني بخبث من رأسي إلى أسفل قدمي الحافيتين

ـ وريني نشوف !

كشفت عن هدهدي وقبراتي:

ـ فين المخ … والقلب… واللسان!؟

تذكرت لسان الهدهد الذي قد أكون أكلت بقيته مع ما أكلته من تافغة أو بصقته مع غضبي من أمي :

ـ هذا الشيء اللي اعطى الله … تشري!؟

تظاهر بالزهد :

ـ لا، أولدي… وحيث بوك صاحبي غادي نعطيك فيه حلوة بالعود!

لم تكن تلك المرة الأولى التي أبيع فيها وأشتري بشكل يتطلب مساومة ذكية ، لكن اقتراب الليل بدا يدفعني إلى الزهد في الهدهد أو التخلص منه خوفا من أمي :

ـ شوف… اعطيني بواطة ديال السردين وخبزة والله يربحك !

ـ هاوه!

كان واثقا من أنه يستطيع أن يضحك علي… شعرت بالإهانة وأطلقت أسفل جلابيتي نحو قدمي وابتعدت عن باب الحانوت بلا وجهة وأنا أردد:

ـ لن يستغفلني أحد !

وجدتني أجري ، حين سمعت صوت امرأة يناديني غير بعيد من العرسة :

ـ انت ولد حادة !

ـ إيه، ألاله!

ـ اعرفتني؟

ـ خالتي رقية امراة عمي المعطي!؟

ـ يرضي عليك، أوليدي … راني شفتك عند هذاك السحار ولد لحرام… امشيت نشري أسبرو لخوك إدريس… !

ـ مالو مسكين!؟

ـ مريض أوليدي …الله ينجيك، كيموت… وكيف شفتي، عمك المعطي ما كاينش … امشى لخزازرة… إوى كالوا لي خاصو راس اديال الهدهد ياكلو مع لعسل الحر… لعسل عندي… والراس منين، منين نجيبو!؟

حدست أنها تحتال علي :

ـ كاين الراس، آمي رقية … أشحال تقدري تعطي فيه !؟

أرادت أن تستمر في الاحتيال:

ـ إوى، أوليدي، الغالب الله … ماعندي فلوس وعمك المعطي …!

أنا أعرف أنها تربي دجاجا وأرانب وديكة رومية كثيرة :

ـ شوفي آمي رقية … كل شي بثمنو في هذا الوقت… اعطيني دجاجة نعطيك راس الهدهد!

بدت وكأنها تبكي … من أين تأتي بكل هذه القدرة على على تمثيل أدوار البؤس المطلق!؟ معروفة بذلك هي وزوجها… إدريس أيضا نسخة من أمه:

ـ الدجاج، أوليدي،كامل كالتو الكافرة بالله، فارة الخيل !…

ـ إوى وقنية و…!؟

ـ تسرقت…علاه ما في راسكمش !؟ سرقوني عديان الله!

ـ خلينا، آمي رقية، من البهوت!… اشحال تعطي!؟

ـ والله العظيم أوليدي … إلا كذبت لهلا… بالحق عندي شي بيضات …نعطيك بيضة!؟

ـ بيضة!؟… تعطيني عشرة !

ـ ما عنديش أوليدي … عندي غير خمس بويضات ؟

ـ ما كاين باس… اعطيني غير دوك الخمسة!

ـ أوما بزافش عليك!؟ وخوط ادريس، آش ياكل وهو مريض؟

ـ أمي رقية … راه غير على وجهك ووجه إدريس … واش أنا اعطاوه لي فابور !؟… حتى أنا راني خلصتو!

ـ وانا غادية نعطيك ثلاثة… خلي جوج لخوك إدريس راني ما عندي ما نوكلو!

ـ أري دوك الثلاثة!

ـ أعطيني الراس واتبعني للدار!

وكأنها أحست بأني أدركت أنها م ما زالت تحاول الاحتيال علي أضافت:

ـ شوف … وأنا راني غادية ندعي معاك… ونرسلك عند صاحبتي !تبيع ليها القلب!

أمام مدخل الدار أخرجت قصديرتي وقطعت رأس إحدى القبرات.سلخت الرأس بسرعة! قالت رقية، وهي تطل علي من نصف الباب المشرعة:

ـ أرى الراس!

قلت

ـ أري البيض !

ولما أمسكت يسراها بما في يمناي ويسرايا بما في يمينها صرخت أنا :

ـ بيضة وحدة !؟

همست لي:

ـ اسكت… اطلق… عمك المعطي فالدار!

وكأنهما مثقفان على المكر جاء صوته مهددا:

ـ أشكون، أرقية!؟

صرخت:

ـ ناري، اهرب!

فهربت بالرغم من أنني كنت أعرف أن الأمر مجرد حيلة، لم أكن خائفا من المعطي، كنت خائفا من أمي … وكنت حانقا على أمي :لماذا تظن دائما أن الزمن قد يضحك على !؟ سأنتظر طويلا قبل الإجابة عن هذا السؤال … لكني وأنا أتاجر في “الوهم “، وأنا أضحك على أولئك الذين يعتقدون أنهم يضحكون على، كنت كلما ربحت صفقة أقول في نفس:

ـ انظري جيدا، اطمئني !

وكنت بطبيعة الحال أخاطب أمي …!

وهذا الهدهد الذي ضربتني من أجله، واحتقرتني، لم أبع منه شيئا: لقد زرعت في جسده، عندما بدأت العتمة، قلب قبره ومخها ولسانها ثم وضعته على غصن شجرة وقلت له:

-أش، طر!

لقد بعت أجزاء والقبرات كلها على أنها إنما أجزاء هدهد : لقد حاولت أن أستغفل أطفالا ونساء كانوا بدورهم يستغفلونني لنيل شيء من الهدهد!

سيتقدم بي العمر وأكتشف أن هذه خاصية بشرية، ربما الخاصية الحقيقية التي تميز الإنسان عن الحيوان: الاقتتال من أجل الوهم والكسب بواسطة الهم !

أما الهدهد فإني عندما كنت متوجها في الصباح الباكر إلى الكتاب مررت بالشجرة أتفقده فلم أجده: لقد طار بكل تأكيد!

غير أن يوم الهدهد لم يتوقف عند هذا الحد ، بل إنه لم يبدأ كما حكيته: لقد نسيت البداية الفعلية :الفرخة !

أول البارحة عدت إلى البيت بعد تسكع طويل، ومتعب لكثرة خيبات أملي في الطيور والنباتات، عدت قبيل المغرب بقليل وبي رغبة واحدة : آكل أي شيء وأرتمي في أي مكان لأنام!

كانت أمي تحاول أن تشعل النار بالفران وأخي الأكبر يلهو بالحصى غير بعيد منها (لقد تعودت على ألا أخطئ وقت طهي الخبز لأني كنت أحب الرغيف الساخن المرشوش بالحليب !) سألتني أمي سؤالا لم أكن أتوقعه :

ـ ما شفتيش بوك!؟

خفت أن تبعثني للبحث عنه :

– امش لدار القايد … شفت شلة بنادم براني داخل لدار القايد… عندو الضيوف… ولحوالة بزاف يذبحوا!

تورطت في كذبتي الساذجة، غير المحسوبة:كان معنى ذلك أن والدي سيعود بلحم كثير، خاصة السلابات!

غير أني لم أنتبه إلى هذا الأمر ربما بسبب التعب: أنا عادة أكذب بشكل أذكى، أما هذه الكذبة …. أكلت رغيفي الساخن المرشوش بالحليب ونمت لاستيقظ مذعورا بعد هنيهة على صراخ أمي وضرباتها :

– نض، آبو نوارة … آلمسخوط..أطاير الموت…!

كل النعوث… عندما تكون في هذه الحالة يكون العفريت الذي بداخلها قد تسلح بكل جبروته!

كان أخي الأكبر مني بسنتين يرتعد ويبكي … ظننت أنه يحتضر!

حين تعبت أمي من ضربي وشتمي أعطتني ريالين :

– طر، جيب الزيت…إلا تعطلتي بوك نقتلك!

كان علي أن أعبر العرسة، الكثيرة الأشباح والجن، في العتمة لأصل إلى الحانوت الوحيد الذي يظل مفتوحا حتى آخر وقت من الليل : حانوت ولد السي الجيلالي المعروف بالسكايري!

كم صادفت من الجن تلك الليلة ! الحمد لله : لقد كنت أحفظ نصف القرآن !… والجن تعرف أني لا أعتدي على أحد… إلا على من يظلمني ويكون السباق إلى الشر!

اشتريت الزيت وقفلت راجعا… لمع البرق مرات عديدة: في كل مرة يلمع فيها البرق، كنت أرى ريالا على الأرض! لم أفهم في البداية لماذا لم يلمع البرق في طريق ذهابي إلى الحانوت، لماذا لم يلمع إلا في طريق العودة: ابن خالتي سيشرح لي ذلك:

– إنه اعتراف من الجن برجولتك وصدق طويتك ودليل أمان منه !

وحكى لي بتفصيل، كأنه كان معهم، وطيلة ساعات، عن الحفل البهيج الذي كان قد أقامه الجن تلك الليلة لتأكيد طاعته لسيدنا سليمان، وتجديد البعة، كان حاضرا معهم طوال الليلة!

ـ وهذا هو السر في كثرة حركتهم التي شاهدتها وأنا ذاهب لأشتري الزيت !…

وضعت زجاجة الزيت في متناول والدتي التي كانت منهمكة في غسل طجين صغير فأمرتني بأن أمسك بالكتكوتة السوداء وبأن أذبحها وبأن أريشها وبأن أغسلها وبأن أقطعها أطرافا وبأن أتجنب كسر أي عظم من عظامها !…

لما اكتمل الطبيخ وضعته أمي أمام أخي الذي كان قد توقف عن البكاء والارتعاش … التهمه كاملا في رمشة عين … أما أنا فقد أمرتني أمي بأن أجلس بعيدا عن الوجبة … لم أنل منها سوى الرائحة !… وأتم أخي زردته فاستلقى في مكانه ونام فصاحت أمي في وجهي:

– نوض، نض تنعس الله يعطيك جن، جن اكحل يهنيني منك !

تظاهرت بالنوم حتى انتهى والدي من صلاته وترتيله للقرآن فتسللت خارج البيت وذهبت عند ابن خالتي الذي يحفظ مئات الحكايات الغريبة ويعرف أسرار الإنس والجن .فلما انتهى من رواية وقائع الحفل الذي أقامه الجن لتأكيد بيعته لسيدنا سليمان عدت إلى البيت ممتلئا بهجة وعلما فلم يطل انتظاري للنوم…وهناك… في مملكة سيدنا سليمان، رأيت سليمان يمسخ الهداهد، واحدا واحدا، ليحولها إلى كتاكيت … ملايين الهداهد أصبحت كتاكيت!

حكيت حلمي لابن خالتي ورويت له قصتي مع الهدهد والقبرات فقال لي :

ـ ما ضربت كان كتكوتة …أما القبرات فكانت هداهد… وإنما شبه لك… كذلك يحفظ الله من عباده من يشاء !

وأنا لم أشك قط في حكايات ابن خالتي ولا في حكمته إلا عندما بدأت أؤلف… … إلا عندما بدأت أؤلف حكاياتي بنفسي: القبرة هدهد، والهدهد كتكوتة، وقد تكون الهداهد ريالات: أنا أكسب الريالات، مع الجن، لأني أعرف كيف أصيب الثعبان والهدهد بضربة حجر واحدة، وأخي يأكل الكتاكيت من يدي أمي، لأنه يعرف كيف يبكي وكيف يجعلها ترق وتحن!

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: