مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

رأي : المثقف والإعلام أي مستقبل لحلول الأزمة المزدوجة ؟ مريم آيت أحمد

رأي : المثقف والإعلام أي مستقبل لحلول الأزمة المزدوجة ؟

 download (1)

مريم آيت أحمد

تقع على كاهل النخبة المثقفة والإعلام اليوم ، مسؤولية كبرى لحماية حق  التعددية  وإقرار السلم المجتمعي في أوطاننا  ،بصرف النظر عن أي خلافات إيديولوجية أودينية أو مذهبية أو فكرية . وكجزء من هذه المسؤولية، حماية الأمن الفكري والروحي والمجتمعي برفض الخطاب الطائفي التحريضي ..سواء باسم الدين أو باسم الحداثة والعصرنة ….

تشعرنا أخبار مصر هذه الأيام  بمرارة كبيرة وألم بالغ، بسبب خسائر في أرواح مواطنين وإراقة دماء إخوة قد يكون أحدهم في ميدان التحرير ،والآخر في ميدان رابعة العدوية ،هذه الأرواح هي أرواح مواطنين مصريين يحملون نفس الهوية، ونفس الدم، ونفس الجواز،رايتهم واحدة ، نشيدهم الوطني واحد،وطنهم واحد ومصير مجتمعهم واحد، كلهم يهتفون بغلاوة مصر يا أم البلاد وحبها في الفؤاد،عنوانهم حي واحد،ومبانيهم صفوفا متراصة، أرقام عماراتهم وشققهم متجاورة ،طوابق سكناهم متعددة تجمع بين ليبرالي، قومي، إسلامي، إخواني، سلفي، قبطي، علماني… جيران خارج الميادين،وإن هم تجاهلوا حقوق الجيرة في ساحات الميادين، لا يمكنهم  تجاهلها بعد عودتهم لبيوتهم ، الصراع في مصر حول توجهات الفصائل المختلفة في إدارة أزمة البلاد،ما كان له أن يجلب هذه المواقف المتشنجة التي تدخلت فيها عوامل تحريك لغة الحقد والحقد المضاد، اتجاه أبناء حي واحد، وأسرة واحدة، ومدينة واحدة ،ووطن واحد، إلى أن باتت تأثيراتها السلبية واضحة المعالم ، وكان نصيب  منابر النخب المثقفة والحكيمة والعاقلة شبه  متفرج على هذه الافرازات، إن المثقف سواء في مصر أو في غيرها من بلداننا هو أحد الروافد الأساسية للوعي المجتمعي، من حقه الالتزام بخيارات إيديولوجية، قد يرى فيها خط منهجه ومسار توجهاته الفكرية وبرامجه السياسية، لكن حينما يتحول هذا الاختيار الى ساند يُجيّر فكره لخدمة مصلحة نوازع  حزبيته الضيقة على مصلحة الوطن، ويحشد أقلامه وأطره بوعي غرائزي، دافعه إشباع نوازع مرجعية  ضيقة، بعيدا عن  احترام حرية التعددية الفكرية والحزبية ، فإنه يساهم في حرف البوصلة الوطنية للمجتمع، ويساهم في تدمير البنى التحتية لمستقبل المواطنة التي هي حقوق وواجبات . لا يمكن أن تقبل النخب زمن الوعي الحراكي للمجتمعات ، بانقسام المجتمع تبعا لانقسام السياسيين ،ولا أن يزايدوا على مصلحة السلم المجتمعي ،أو يختلفوا سلبا على مصلحة الوطن الأم،بسبب تعدد مرجعياتهم السياسية ” أخونة مقابل علمنة” أو “علمنة مقابل أخونة “ !!!

  واليوم يحق لنا أن نتساءل في زمن ماسمي بالربيع العربي عن دورالمثقف العضوي وأدواره التنويرية في توجيه وترشيد بوصلة ، الانفلات والتشتت والتطاحن المجتمعي،المؤدي للإنقسام الداخلي ؟؟ ! أين  أصوات  النخب المثقفة الداعية  للحوار والاعتدال ونبذ العنف ؟ !! أين دعوات تعزيز قيم الحوار بين الأديان والثقافات العالمية بينما نشهد اليوم انقلابا وتنكرا لهذه المبادئ الراقية بين أبناء وطن واحد مدينة واحدة وحي واحد ؟؟ !! المنطق الصحيح هو أن يؤثر المثقف في السياسة والمجتمع، ويتناول الاعلام الحر الأزمة بتحليل موضوعي ،يتسم بالعمق والروية والهدوء لترشيد المنهج العقلاني  للحيارى من المواطنين بخطاب متوازن يقوم على مصلحة الوطن لا على مصلحة الفصيل كيفما كان نوعه  ، فدور المثقف والإعلام  الارتقاء بوعي المواطنين عن شوائب الواقع، لا تحريكها والانغماس فيها. لكن الواضح اليوم والذي يتبن لنا خارج دائرة الانتماء والتحزب لأي فصيل ،لإيماننا الشخصي بدور المثقف كوعاء حاضن للجميع ،أننا أمام حالة فرز حاد في النخبة المثقفة الى اتجاهين. إحداهما تتبنى أحزاب الاسلام السياسي ، وتنظر له على أنه هو الحل وتدافع عن توجهاته  مع غض الطرف عن أخطائه وهفواته كتجربة سياسية تحتمل النجاح كما تحتمل الإخفاق. والأخرى تتبع أحزاب الاتجاه الليبراليى والعلماني، وتبرر له كل السلوك العدواني لصياغة ثقافة الحقد والكراهية والسب في سبيل تحقيق النصر الايديولوجي حتى لو كان على حساب الوطن والمواطن.

         وعلى الرغم من اختلاف المنطلقات الفكرية بين الاتجاهين وفي ظل غياب منطق الحوار وجلوس العقلاء لمائدة التفاوض، وتصاعد عملية التحريض والتحريض المضاد،فإنهما يشتركان من دون وعي لآفاق المستقبل في معضلة صياغة ثقافة طائفية قوامها الحقد والضغينة والاستعداء المستحكم والمستمر بين الأطراف، فيتحول الحوار الى سب، ويتحول الماضي التاريخي المجيد الى تزوير حقائقه وتسلب هامات شموخ وطنية الآباء والآجداد، فينحاز قطار المواطنة عن سكة  محطة الايمان الفعلي، بالخيمة الوطنية الواحدة.

على الإعلام الأصفر اليوم أن يراجع منهجه لأن التاريخ يسجل العويل كما يسجل التصفيق، يسجل المصداقية كما يسجل التسقيط السياسي والأخلاقي  في مباراة ميادين ملعب الأطراف السياسية المتنافسة …الاختلافات السياسية جدا مشروعة ومتداولة عالميا في تدبير دمقرطة المجتمعات، لكن أن تنقل لغة الحشد السياسي التحريضي بكل ألوانه وأطيافه  الى حالة تثقيف يومي ،يمارسها المثقفون لدعم فصيل مقابل فصيل آخر حالة خطيرة جدا، لأنها تدخل المجتمع في حالة من غياب الوعي عن المنهج السياسي العملي والنظري الذي يدار به المجتمع . إن حق المواطنة علينا أكبر بكثير من مجرد خروقات يرتكبها إداريا وماليا فلان أو علان ، ولا هي لعنات نطلقها على  الاسلاميين أو العلمانيين بكافة أطيافهم، ولكنها حقوق تتطلب منا التعاطي بموضوعية وعقلانية مع مواطن النزاع ،وعدم تصعيد مواطن الفتن النائمة في كهوف العقل الجمعي المجتمعي ، وتجنب الاستتباع المطلق للمرضى بداء العصبية من كل التوجهات ،لأن الاستتباع المطلق من دون تحكيم لغة المنطق والصواب، يؤدي حتما الى زعزعة السلم المجتمعي ،المنذر بالكثير من العداء والدماء ..والتشفي ..والانقسام ..والانتقام …النصر لن يكون إلا بالمنهج التشاركي في إدارة الأزمات ،ولن يفيد انتصار يؤدي الى انقسام نفسي للمجتمع،تتربص فيه الفصائل المعزولة الفرصة لرد الثأر من الفصيل المنتصر …الانتصار الحقيقي للمواطنة هو تعزيز السلم المجتمعي وإقرار الأمن النفسي بالرضا والطمأنينة المواطناتية  فداء للوطن ….

لذا على الاعلام الحرالأخضر اليوم وكافة النخب المثقفة أن تحسم موقفها وتقول كلمتها في سبيل إيجاد حل سلمي لهذا النزاع، يذكر فيه المصريين بملاحمهم البطولية التاريخية، وبروابط إرثهم التاريخي المغروس حضاريا في ضمائرهم،هذه هي الأبعاد الحقيقية للوحدة بين المصريين ، فليحذروا الفتن وليلتلحفوا بزينة علم بلادهم بعيدا عن مزايدات “باسم الدين” أو” باسم العلمنة” …

د.مريم آيت أحمد

أستاذة التعليم العالي

رئيسة مركز إنماء للأبحاث والدراسات المستقبلية

عن مجلة نون

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

Information

This entry was posted on 1 أغسطس 2013 by in رأي.

الابحار

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: