مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

مقالات : عن الفكر والثقافة أحمد الدهشان

مقالات : عن الفكر والثقافة

 6611404-comic-eau-couleur-de-dessin-l-39-ecrivain-antique-derriere-l-39-ordinateur

أحمد الدهشان

تأتي الكتابة عن الفكر والثقافة في مجتمعاتنا المتحولة التي تنفست أخيرا رحيق حرية من الأهمية بمكان، ولنقد هاتين الكلمتين وتعريفهما فنحن بحاجة إلى بوصلة تحدد اتجاهاتنا في مختلف المجالات، وحيث إن نقد المجتمع ومحاولة الوصول إلى قاعدة متينة توضح أو على الأقل ترسم لنا معالم لطريق يتعلق بمعنى كل من الفكر والثقافة المسيطرة على مجتمعاتنا هو مهم في توجيه طريق ضبابي للشباب العربي وإنارته.

إن الفكر بوصفه كلمة هو مجموعة الآراء والأفكار التي يعبر بها شعبٌ ما عن اهتماماته ومشاغله، وأيضا عن مُثله الأخلاقية ومعتقداته المذهبية وطموحاته السياسية والاجتماعية. وبعبارة أخرى إن “الفكر” بهذا المعنى هو “الأيدولوجيا” اسمان لمسمى واحد. (الجابري/ تكوين العقل العربي، ص 11 )

وتعرَّف الثقافة على النحو التالي: إنها المنظومة العقائدية والقيمية والأخلاقية والسلوكية للمجتمع، وهي التي تشكل خريطته الإدراكية وتحدد مجال إدراكه ووعيه وأنماط الشخصية فيه. باختصار شديد، الثقافة هي النظارة الملونة التي يرى أفراد المجتمع العالم من خلالها وهي وعاء هويته ومصدر تماسكه. (الثقافة والمنهج/ المسيري، ص 179)

انطلاقا من هذين التعريفين نستطيع أن نرى مدى تمازج الفكر بالثقافة وترابطهما وتأثير إحداهما في الأخرى، لكن هل تحوي الثقافة الفكر أم هل يحتوي الفكر على الثقافة ؟، وهنا نحاول أن نجيب عن هذه الأسئلة.

كيف تؤثر الثقافة في الفكر ؟

 وهنا أقدم لمناقشة هذا السؤال بالتالي: يكاد النقاش حول الأزمة التي يمر بها المجتمع العربي يتركز اليوم وفي كل مرة تتجلى فيها للعرب الأبعاد التاريخية والعالمية لهذه الأزمة، في موضوع الثقافة. ذلك أن كل نقد للتجربة الماضية، وكل تأسيس لمشروع مستقبلي لا بد أن يناقش الأسس والمبادئ، أي المفاهيم العقلية التي توجه العمل وتبلور معالم المبادرة والممارسة.

ولا بأس في ذلك، فبغض النظر عن أن الثقافة تلخص تجربة المجتمع ووعيه بذاته ومحيطه، فهي تشكل أيضا نافذة يطل منها الباحث على كل نواحي الحياة العلمية والسياسية والاقتصادية والروحية للمجتمع بما هي تسجيل أو سجل للقيم الأساسية التي تحكم الممارسة العلمية والسياسية والإنتاجية، وتشكل إذًا وبامتياز لحمة الجماعة الأساسية. (اغتيال العقل/ برهان غليون، ص 19)

إن الفكر يحمل معه شاء أم كره، آثار مكوناته وبصمات الواقع الحضاري الذي تشكل فيه ومن خلاله، فالتفكير بواسطة ثقافة ما، معناه التفكير من خلال منظومة مرجعية تتشكل إحداثياتها الأساسية من محددات هذه الثقافة ومكوناتها، وفي مقدمتها الموروث الثقافي والمحيط الاجتماعي والنظرة إلى المستقبل، بل النظرة إلى العالم، إلى الكون والإنسان، كما تحددها مكونات تلك الثقافة.  (الجابري/ تكوين العقل العربي، ص 13)

ولأجعل ما قدمته عن مدى تأثير الثقافة في الفكر سأضرب الأمثلة التالية: إن المفكر يظل منتميا “لجنسية ثقافته” حتى لو فكر في ثقافة أخرى أو إنتاج ثقافي آخر، فالفارابي-مثلا-الذي فكر في قضايا الثقافة اليونانية هو مفكر عربي –أصلا-؛ لأنه فكر فيها بواسطة الثقافة العربية ومن خلالها، وأيضا هنالك المستشرقون فهم سيظلون “مستشرقين ” يفكرون في الشرق من خارجه، وبالتالي فلا يمكن أن ينتموا إلى الثقافة العربية لأنهم يفكرون في قضاياها من خارجها، بل من خارج محيطها الخاص. وكذلك الشأن فيما يخص المثقفين العرب الذين يتناولون قضايا إنجليزية أو فرنسية، إنهم سيظلون عربا ما داموا فيها داخل الثقافة العربية وبواسطتها. إنهم في هذه الحالة يعبرون عن وجهة نظر “عربية ” في قضايا غير عربية.

نخلص من ذلك أن الثقافة هي الوعاء الحاضن للفكر الذي هو مجموعة الآراء المتشكلة التي يُعبّر بها. فإذا مزجنا تعريفي كل من المسيري والجابري للثقافة والفكر على التوالي فإن الآراء والأفكار التي يعبر بها شعب ما عن اهتماماته ومشاغله تُرى من خلال النظارة الملونة التي يرى المجتمع العالم من خلالها، وهي –أي الثقافة- وعاء هوية هذا المجتمع.

إذن ما أهمية الثقافة ككلمة مجردة ؟

للإجابة عن هذا السؤال يجب أن نغوص قليلا في كيفية تشكل الثقافة العربية بالذات لأنها موضوع البحث، حيث خلص الجابري في كتابه تكوين العقل العربي إلى أن نقطة الارتكاز في تشكيل الثقافة العربية هي عصر التدوين، وهو الحقبة الزمنية التي شغلتها الدولة الأموية والدولة العباسية تقريبا، ومنذ تلك الحقبة إلى اليوم تعد الثقافة ذات زمن واحد راكد يعيشه الإنسان العربي اليوم مثلما عاشه أجداده في القرون الماضية، يعيشه دون أن يشعر باغتراب أو نفي في الماضي عندما يتعامل فكريا مع شخصيات هذا الماضي، أدبائه ومفكريه، بل بالعكس هو لا يجد تمام ذاته ولا يشعر بالاستقرار ولا بحسن الجوار إلا باستغراقه فيه وانقطاعه له.

والثقافة العربية بهذا المعنى إنما تشكلت بوصفها كيانا ثُبتت أركانه وتعينت حدوده واتجاهاته خلال المدة المعروفة في تاريخ هذه الثقافة بـ “عصر التدوين”، المدة التي رسمت خلالها في الوعي العربي صورة العصر الجاهلي والعصر الإسلامي الأول، وهي نفسها المدة التي نقلت خلالها إلى اللغة العربية وبالتالي إلى الوعي العربي ذاته صور الثقافات “الأجنبية” تحت ضغط هذه الحاجة أو تلك. (الجابري/ تكوين العقل العربي، ص 70)

بعد هذا الموجز التاريخي لتاريخ تشكل الثقافة العربية أو بمعنى أخر “تشكل العقل العربي” كما يصر الجابري دائما على دمج الثقافة بالعقل العربي في مصطلح واحد، نجد أن الحقبة التاريخية التي اتفق عليها تقريبا معظم المفكرين العرب على أنها عصر التدوين. فبكل ما تحمله تلك الحقبة من تغيرات سياسية واجتماعية وتوسعية  أثرت تأثيرا مباشرا في الثقافة العربية لاحقا، لأن المثقف أو لنقل المدون تلك المدة لا يستطيع أن ينسلخ عن مجتمعه ومحيطه ويكتب ويدون بحيادية تامة، ولنقل -أيضا- أن الحقبة السياسية لعبت دورا كبيرا في كيفية تشكل الثقافة العربية أو كيفية بنائها. إن الكشف عن العلائق المعقدة داخل الثقافة بين أنظمتها وميادينها المختلفة، وبين الثقافات الحية المتنازع فيما بينها، والتأثر أو التأثير المتبادل الذي يمارسها بعضها على البعض الآخر، تفهم هذه العلاقة المعقدة بين خصوصية الثقافة ومحليتها من جهة وعالميتها أو طموحها لأن تكون عالمية وإنسانية من جهة أخرى، وما ينجم عن ذلك من تنازع دائم بين الثقافات الكبرى على احتلال ما نسميه حقل العالمية أو المرجعية التاريخية الذي يشكل احتلاله القاعدة الأساسية لتأكيد تفوق ثقافتها وهيمنتها ومن ثم علاقتها بالثقافات الأخرى، وأشكال تطورها اللاحقة، وهذا يؤدي بدوره إلى دراسة قوانين تطور الثقافات وتغيرها الجزئي أو الكامل، فالثقافات في النهاية عبارة عن كينونات تاريخية متحولة ومتبدلة ومعرضة للموت أيضا.

ليس من الممكن الإجابة عن أي من الأسئلة التي نطرحها على أنفسنا مثل: ماذا نأخذ من التراث وماذا نترك ؟ ماذا نحدث وعلى ماذا نحافظ ؟ ما الهوية وما الحضارة ؟ وما علاقة الثقافة بالدين والعلم والمجتمع والتاريخ وغيرها من المسائل المتشعبة دون طرح المسألة الثقافية في إطارها الاجتماعي والتاريخي هذا، أو بالأحرى علم الاجتماع التاريخي الذي يبين تكوين الثقافات ومصائرها. وسوف ندرك عندئذ أننا غير قادرين على فهم مسألة النهضة الثقافية ولا على حل مسائل الهوية والاستمرارية الذاتية إذا بقينا ننظر إلى التراث العربي والإسلامي كمصدر للإجابة التلقائية على كل الأسئلة والمشكلات. (اغتيال العقل/ برهان غليون، ص34)

في قول برهان غليون السابق نجد أنه يتوصل إلى ما توصل إليه الجابري الذي يعد أن الثقافة ذات زمن واحد راكد يعيشه الإنسان العربي اليوم ولكنه يؤكد على ضرورة دمج فهم الثقافة في المتغيرات المجتمعية والسياسية والتاريخية والدينية لفهمها أكثر، وذلك للنهوض بالعملية الثقافية ومن ثم تطور الفكر الذي يتبعها. بمعنى آخر، المجتمع وعلم الاجتماع يؤثر في الثقافة، السياسة تؤثر في الثقافة، والدين كذلك، إذ يمثل الدين عاملا أساسيا في التأثير في الثقافة حيث إن مثال ذلك الواضح هو تأثر الثقافة العربية بالدين الإسلامي بل اندماجها به تماما.

مما سبق نجد أن الزمن وتحولاته وكل ما يطرأ عليه من تغيرات سياسية واجتماعية واقتصادية ودينية، كل ذلك يؤثر بشكل أو بآخر في الثقافة وناتج المجتمع الثقافي، ففي عصر الانحطاط تعظم الصغائر وتتلهى الشعوب بلقمة عيشها، وتبتعد عن الإنتاج الثقافي والقراءة، وفي عصور القوة يزدهر الإنتاج الثقافي وتزدهر الشعوب وترتقي ثقافيا وحضاريا (القوي هو الذي يكتب التاريخ). وبما أن الثقافة هي المؤثر الفاعل في الفكر فإن الفكر يتأثر سلبا أو إيجابا في الثقافة وبرقيها وبانحطاطها أيضا.

نجد ذلك واضحا عندما يتساءل  إدوارد سعيد في كتابه الاستشراق عندما يقول: “هل مفهوم ثقافة متميزة مفهوم مفيد؟ أم إنه ينتهي دائما إلى تهنئة الذات (حينما يناقش المرء ثقافته الخاصة) أو في العدائية والعدوان (حين يناقش المرء الآخر)، وهل تهم الفروق الثقافية، والدينية، والعرقية، أكثر مما تهم الفصلات الاجتصادية، أو السياتاريخية؟ كيف تكتسب الأفكار سلطة؟ وما دور المفكر؟ هل هو موجود لإظهار سريانية ثقافة دولته؟ أم هل ينبغي أن يستند إلى الوعي النقدي الضدي؟”. (الاستشراق/ ادوارد سعيد، ص 322)

كانت الأسئلة السابقة هي محور كتاب الاستشراق لإدوارد سعيد، لقد استخلص أن ثقافة شعب ما يجب أن تدرس بالتوازي مع تاريخه ومجتمعه وكل ما يؤثر فيه من عوامل تاريخية أو سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية .

الفكر إذن هو مجموعة الآراء والاهتمامات والمشاغل المعبَّرعنها من خلال وعاء الثقافة التي تحددها الهوية. وهنا نسأل: أيهما أهم الفكر أم الثقافة؟

مما سبق من تقديم نجد أن الفكر هو عملية العقل المتشبع بثقافة ما، فهو مجموعة الآراء التي يعبر عنها شعب ما عن همومه واحتياجاته. تقوم هذه العملية بالتأكيد متأثرة بثقافة المجتمع وترتقي إيجابا برقيها وتتردى سلبا بانحطاطها، وعندما نسقط ما استخلصنا إليه من تأثر الفكر بالثقافة على واقعنا المعاصر، وبما أننا نعيش مدة انحدار عامة كثقافة مجتمعية نجد أن تأثر معظم مراهقينا بالثقافة الغربية واضح، وأن تأثرهم بها يأتي غالبا تأثرا سلبيا بالسطوح الثقافية الغربية وليس بالعمق، فنجد أن ثقافة الاستهلاك أصبحت مسيطرة تماما على معظم الشباب العربي، نلمس ذلك واضحا بتغيير الشباب لمقتنياتهم من الأجهزة الإلكترونية باستمرار، وكذلك انتشار مطاعم الوجبات السريعة انتشارا كبيرا، وأيضا نجد ذلك جليا جدا في معظم أحلام الشباب التي تتمثل في أغلبها في الجني السريع للثروة والحصول على بيت فخم وسيارة فخمة، وقلة الصبر وكثرة الشكوى من الأوضاع الاقتصادية المتردية في نظرهم وصعوبة الحصول على عمل يكتسبون منه ماديا يكون قادرا على تلبية احتياجاتهم المتزايدة التي سيطرت الكماليات عليها. وهنا نأتي بدراسة عن أوضاع القروض المصرفية في العربية السعودية مثلا، ونورد هنا الإحصائية التالية:

القروض الاستهلاكية وقروض البطاقات الائتمانية

اتجهت المصارف التجارية منذ عام ١٩٩٩ م إلى التوسع نسبيًّا في منح القروض الاستهلاكية للأفراد؛ لترتفع من نحو ٣٨،٤ مليار ريال في نهاية عام ٢٠٠١ م إلى حوالي ١٧٩،٩ مليار ريال في نهاية عام ٢٠٠٩ م. ويعود السبب في ذلك إلى ما وفره نظام المدفوعات من ميزة تحويل الرواتب مباشرة إلى حسابات العملاء بالمصارف مما يوفر ضمانا لهذا النوع من القروض. وقد ارتفع إجمالي هذه القروض في عام ٢٠٠٩ م بنسبة ٣،٤ في المئة ( ٥،٩ مليار ريال)، مقارنة بانخفاض نسبته ٢،٥ في المئة ( ٤،٤ مليار ريال) في العام السابق، وباستعراض مكونات هذه القروض، يلاحظ ارتفاع القروض لأغراض أخرى بنسبة ١،٧ في المئة ٢،١ مليار ريال، لتبلغ ١٢٣،٩ مليار ريال، ممثلة ما نسبته ٦٨،٩  في المئة من إجمالي القروض الاستهلاكية، مقارنة بانخفاض نسبته ٣،٨ في المئة ( ٤،٩ مليارريال ) في العام السابق. وفي المقابل، ارتفعت القروض الممنوحة لأغراض التمويل العقاري بنسبة ١٩،٨ في المئة ( ٣ مليار ريال) لتبلغ ١٧،٩ مليار ريال، أي ما نسبته ٩،٩ في المئة من إجمالي القروض الاستهلاكية مقارنة بارتفاع نسبته ٥،٤ في المئة ( ٠،٨ مليار ريال) في العام السابق . آما ارتفع الائتمان الممنوح لأغراض شراء السيارات والمعدات في عام ٢٠٠٩ م بنسبة ٢،٣ في المئة ( ٠،٩ مليار ريال ) ليبلغ ٣٨،١ مليار ريال، أي ما نسبته ٢١،٢ في المئة من إجمالي القروض الاستهلاكية، مقارنة بنمو نسبته ٠،٩ في المئة ( ٠،٣مليار ريال) في العام السابق. أما قروض بطاقات الائتمان فقد انخفضت في عام ٢٠٠٩ م بنسبة ٨،٨ في المئة ( ٠،٨ مليار ريال )لتبلغ ٨،٦ مليار ريال، مقارنة بارتفاع نسبته ٢،٢ في المئة ،٥- ٠،٢ مليار ريال ) في العام السابق.

(المصدر التقرير السنوي لمؤسسة النقد العربي السعودي ص55)

وفي تحليل سريع للإحصائية السابقة نجد أن القروض الاستهلاكية غير المرتبطة بالعقار الذي لا أعده شخصيا قرضا استهلاكيا، فهو يهدف إلى الاستقرار،  وتزيد على القروض العقارية كثيرا في بعض الأحيان، وهذا دليل واضح على ثقافة استهلاك كبيرة يتأثر فيها المجتمع من الخارج.

 خذ مثلا مسألة اللغة العربية، ولا أقصد هنا تعدد اللهجات العربية أو تطور الفصحى، بل أقصد تحول اللغة العربية واستخدامها إلى إشكال اجتماعي بدأ يحول فئات اجتماعية متباينة طبقيًّا إلى ثقافات متباينة. يجري هذا باتجاه معاكس لصيرورة أخرى إيجابية بفعل توحيد وسائل الاتصال للسوق الإعلامي. فهي تنتج موضوعيا لغة موحدة تتموضع ما بين المحكية والفصحى وتقرب اللهجات من بعضها بعضا في الوقت ذاته.

ويصعب على مواطن ياباني أو فرنسي أو ألماني أو… أن يفهم كيف يمكن أن يولد أطفال لوالدين فرنسيين أو يابانيين أو ألمانيين ينمون وينشؤون في بلدهم، ولكنهم لا يتحدثون لغتهم الأم لا في البيت ولا في المدرسة، ولا يدرسون العلوم في بلدهم بلغتهم. فهذا أمر طبعي وبدهي بنظر مواطن تلك البلاد ومطلوب حتى من المهاجر في بلده، فكيف الشأن لمن ولد فيها؟ ولكن في بعض أوساط الطبقة الوسطى العليا في بعض الدول العربية من فاق اليابانيين والفرنسيين والكوريين والألمان تطورا، وبات استخدام الإنجليزية في البيت والمدرسة وبين أهل عرب وأبنائهم في بلد عربي حالة منتشرة، وهي تؤسس لتحول الخلاف السياسي والطبقي والاجتماعي إلى خلاف حضاري يحولنا إلى أكثر من شعب في البلد نفسه. نحن نؤسس بأيدينا لأن تصبح خلافاتنا في المستقبل حرب ثقافات، حتى إنه لا يوجد سبب بيّن لذلك أو أساس موضوعي، فنحن نتكفل بصنعه.

يُكثر عديد من مدعي التنور العرب الحديث عن التفاعل بثقة مع العولمة بدل اعتبارها مؤامرة على العرب، والنهي عن الاحتجاج عليها والحث على الأخذ من الحضارة الإنسانية بفعل التفاعلات الكبرى الجارية في العلوم وفي اقتصاد السوق والحاجات الاستهلاكية وأنماط المعيشة وغيرها، وأن نسأل أنفسنا ماذا نقدم كحضارة للحضارة الإنسانية في هذا العصر. وهذا حسن، ونحن نؤيد هذه النزعة لطرح هذا النوع من الأسئلة، ولكن كل الشعوب والدول التي ترفض إدارة الظهر للعولمة العلمية والتقنية والاقتصادية وتتفاعل معها وتتطور وتطوِّر مساهمتها من خلال ذلك بنماذج مثل اليابان وكوريا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وحتى إسرائيل العنصرية إنما تفعل ذلك بلغاتها هي، وتبقى الانجليزية لغة ثانية يفترض أن يتقنها المتعلمون طبعا.

ويبدو لي أن المجتمع الذي لا ينجز ذلك في بلده بلغته، لا يتفاعل مع العولمة في الواقع ولا يتطور معها بل يقلد ولا يبدع، ويكرس تخلفه وتخلف مجتمعه. من لا يتفاعل مع العولمة ولا يجاري التطور في الاقتصاد والعلم والفنون بلغته يبقى على هامش الحضارة الإنسانية ولا يساهم فيها، بل أكثر من ذلك يحجب التطور عن لغته ذاتها. فاللغة، ومعها المفاهيم والثقافة، لا تتطور إذا أُقصيت عن الاستخدام في المجالات الديناميكية المتطورة والمتغيرة باستمرار مثل العلوم والفنون والاقتصاد، وإذا اقتصر استخدامها على الأدب والمقالة والخطابة مثلا. نحن نجد أنفسنا أمام وضع يتخرج فيه طالب جامعي في جامعته من دون أن يقرأ مقالا علميا واحدا بالانجليزية من جهة، ويتخرج آخر لا يتقن العربية من جهة أخرى، ولم يستخدمها أصلا بصفتها لغة دراسة وتدريس منذ المدرسة الابتدائية، وكلاهما وجهان لعملة التخلف العلمي والاجتماعي نفسها.

حتى في الولايات المتحدة وبريطانيا واستراليا وكندا يكون التعليم والبحث والتدريس باللغة الأم، وهي في تلك الحالة اللغة الانجليزية. وعندما يستخدمها السكان لا يقلدون بذلك أحدا، إنها لغتهم الأم. وفي داخل كندا ذاتها، في إقليم كيبك يصر الناس على التعامل اليومي والرسمي والتدريس والتربية والبحث بالفرنسية. (عزمي بشارة/ في مقاله تحويل الصراع على اللغة إالى صراع على الهوية )

 بعد ما بينا سريعا مدى تأثر ثقافة الشباب بالثقافة الغربية وتحديدا بثقافة الاستهلاك، نعود للسؤال الذي طرحناه سابقا وهو أيهما أهم الفكر أم الثقافة؟ إن تأصيل ثقافة مجتمع ما  ونقدها هو جل ما نحتاجه الآن للنهوض على طريق التنمية الحقة غير المنغلقة على ذاتها، في الوقت نفسه فلا يمكننا أن نغفل تجارب الشعوب الأخرى ونجاحها من عدمه. إن الوصول إلى منهج نقدي أوسع يدخل كل إرث بشري اجتماعي يبحث فيه عن أي شيء إيجابي وذي معنى. إن المدرسة البشرية الإنسانية هي المدرسة الكبرى ويجب ألا نؤطر عقولنا في الخيارات الثنائية أو الثلاثية، هل أنت مع أو ضد. التفكير في كل شيء والعمل على حل المشكلات الكبرى بإطلاق العقل في التفكير والربط بالممارسة ولا يفصل التجربة التاريخية الخاصة عن التجربة العالمية. التراث هو تراثات والحداثة حداثات والأصولية أصوليات فالمهم في النهاية ليس العنصر نفسه حداثيا كان أم تراثيا ولكن النسق الذي نستخدمه فيه. المهم هو مشروعنا نحن، ماذا نريد لليوم وللمستقبل وإذا وجدنا إجابة صادقة عن هذا التساؤل فقط، فنكون بذلك قطعنا شوطا كبيرا في الطريق إلى الحرية والنهضة. ( كتاب العرب وتحولات العالم/ برهان غليون، ص 278 – بتصرف)

إن من المتفق عليه وجوب المشاركة في الإنتاج الحضاري العالمي حالا ليتمكن أي شعب من الدخول في الحداثة الأصيلة أو بكلمة أخرى عصر العولمة التي تسيطر على العالم الآن، ليدخلها واثقا من نفسه غير متأثر بها سلبيا، بل يؤثر فيها ويتأثر إيجابيا. ونقيس الآن مدى الإنتاج الحضاري الذي يشارك به العالم العربي عالميا نجد أن نسبته ضئيلة إلى حد الخجل. إذن فالعالم العربي حاليا يتأثر بالعولمة ويشارك بها لكن يشارك بها على أنه الطرف (المُعولَم)  بفتح اللام وليس (بالمُعولِم) بكسرها، فعملية التأثر حاصلة شئنا أم أبينا، فإما أن نشارك سلبا أو إيجابا.

تمثل العولمة والحداثة الغربية الآن قطارا يمشي بسرعة إلى الأمام (لكن دون هدف) تلك هي النقطة الرئيسة السلبية في الحضارة الرأسمالية الغربية الآن. بكلمة أبسط إن الحضارة الاستهلاكية الرأسمالية تمشي إلى الأمام تطورا وتعقيدا ولكن بلا هدف واضح غير تجميع المال والربح وتكريس رؤوس الأموال عند طبقة قليلة من المجتمع يكون مجموع ثرواتها على الأغلب يكفي لإطعام العالم الجائع كافة، فهنالك ما يزيد على مليار جائع حول العالم، جائع بمعنى أنه لا يستطيع أن يؤمِّن قوت يومه من الطعام، وتجد على الناحية الأخرى أفرادا قليلين يسيطرون على ثروات تعادل ثروات وميزانيات دول بحد ذاتها، وهذا التقسيم غير العادل للثروة هو ما يولد في الغالب عدم الاستقرار الاجتماعي وظهور العنف والسرقات وتنمية الحقد الدفين على العالم الغني. فالعرب ليسوا مهددين بالتهميش كما يظن البعض بل بتجريدهم من مواردهم المادية والمعنوية وجعلهم بروليتاريا العولمة الرثة، وهذا بالتالي أسوأ بكثير من التهميش الذي عرفناه في الماضي واخترناه إلى حد كبير كوننا اخترنا أن نكون الطرف المعولَم.

 بعد هذا التقديم نجد أن الفكر يتأثر إيجابا وسلبا بالتغيرات الاجتماعية والاقتصادية، وبالتالي الثقافية للمجتمع، فالفكر هو ناتج هذا كله، هو ناتج الثقافة السائدة لمجتمع متغير يعبر من خلاله المجتمع عن همومه ومشاكله وأدبه وحضارته.

وهل يؤثر الفكر في الثقافة ؟ برأيي إن الثقافة هي المؤثر الفاعل في الفكر وليس العكس.

وللخروج بتوصية مما سبق من التحليل يذكر المفكر الإسلامي راشد الغنوشي في مقاله:

“إن  الأولوية القصوى في المعركة الفكرية الأساس المكين لكل إصلاح ينطلق من تقويم الفكر وتصحيح المفاهيم والتصورات، وهو ضرب من الجهاد. من هنا كانت المعركة الفكرية جديرة بالتقديم على غيرها. وساحاتها متعددة: معركة خارج السّاحة الإسلامية مع الملحدين وغلاة العلمانية، ومعركة داخل السّاحة الإسلامية لترشيد مسيرة الفكر الإسلامي والحركة الإسلامية، تصديا للتيّار الخرافي  وللتيّار الحرفي ولتيار الرفض والعنف، وذلك بالدعوة إلى تيار الوسطية بخصائصه المعروفة بفقهه للدين فقها يتميز بالشّمول والاتزان والعمق وفقهه للواقع دون تهويل ولا تهوين وفقهه لمقاصد الشريعة وفقهه للأولويات وجمعه بين السلفية والتجديد وإيمانه بأن التغيير الفكري والنفسي والخلقي أساس كل تغيير وتقديمه الإسلام مشروعا حضاريا متكاملا واعتماده منهج التفسير في الفتوى والتبشير في الدعوة، وإبرازه القيم الاجتماعية والسياسية في الإسلام مثل الحرية والكرامة والشورى والعدالة الاجتماعية، واتخاذ الجهاد للدفاع عن حرمات المسلمين”.

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: