مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

مقالات : وطن يقتل شُعراءَه ويعجز عن دفنهم محمد بنميلود

مقالات : وطن يقتل شُعراءَه ويعجز عن دفنهم

 Sans titre

محمد بنميلود

خرجتْ بعضُ التجارب الشّعرية الجديدة في المغرب، المطبوعة في دواوين داخل المغرب، عبر وزارة الثقافة أو عبر بعض المؤسسات الثقافية المعروفة، كـ”اتحاد كتاب المغرب” و”بيت الشّعر”، إلى’ النور منذ سنوات، ولم تلاقِ أبدا أيّ متابعة نقدية لا من قريب ولا من بعيد، وهي تجارب مهمّة للغاية، تقدّم رؤى جديدة للعالم وللشعر، وتخلخل في العمق بنية القصيدة الكلاسيكية، سواء كانت في المغرب أو في المشرق.. وهذه الأعمال لا تـُذكر، أبدا، حين يتعلق الأمر بأنطولوجيات للشعر المغربي المعاصر، ولا ينادَى’ على’ أصحابها إلى الملتقيات الشعرية الكثيرة التي تنظمها مؤسّسات ثقافية معروفة، كاتحاد كتاب المغرب وبيت الشعر ووزارة الثقافة وبعض الجمعيات داخل المغرب وخارجه. بل يتم التعامل معها بصمت مشبوه وحيطة وحذر غير مفهومين، وتجاوُزها بالتجاهل والتغطية والتهميش بأكثر الطرق والأساليب نذالة، رغم نبضها الحيّ، وشهادتها الدائمة على ضحالة الواقع الثقافي المغربي، وافتقار المتحكمين فيه والمسيرين له والنقاد أيضا إلى’ النبل الإبداعيّ، في (إيثار) تقديم هذه الأعمال والإشادة بها في مكانتها التي تستحقها، والجهر بأسماء أصحابها تحقيقا للعدل على’ الأقلّ.. في المقابل، تحتفل هذه المؤسسات وتزمر وتحتفي بأسماء أخرى نعرف جميعا أنها خفيفة أمام التاريخ، لتكرسها فوقنا جميعا فتمثل ثقافة المغرب داخليا وخارجيا لأسباب تظل مجهولة ومسكوتا عنها، بحيث نصل إلى واقع من السيولة والاستسهال والتتفيه لعمق الكلمة وقداستها، وإعطاء نظرة مغشوشة عن واقع القصيدة المغربية الحقيقية التي تتطور في الظل، وتملك قوة جبارة من لاشيء، وقدرة هائلة على التجاوز، رغم عدم امتلاك أصحابها أي سلطة لا سياسية ولا مالية، سوى سلطة الحب والجمال والشعر.

أطرح هنا بعض الأسئلة المحيرة: هل النقاد المغاربة عاجزون عن قراءة هذه الأعمال الشعرية بالعمق نفسه الذي كتبت به؟ بالثورة نفسها والرؤية البعيدة؟ وبالتالي يستبعدونها ولا يتفاعلون معها، أو يهابونها فيتهافتون على أعمال سهلة وأحيانا تافهة أو مأجورة، بالنقد والتحليل بالمناهج الكلاسيكية واللغة الميتة والمديح لإشاعتها بيننا إلى الأبد؟ إذا كان نقادنا لا يستطيعون النفاذ إلى عمق أرواح شعرائنا الجدد السماوية، وفهم تجاربهم العميقة والمركبة، فالعذر هنا أعظم من الزلة. هل تصل إلى النقد والاحتفاء فقط الأعمال التي يملك أصحابها سلطة أخرى على النقاد والمؤسسات الثقافية غير سلطة الكلمة؟ كسلطة الإغراء مثلا الذي تمارسه بعض الشاعرات بتقديم أجسادهنّ كوعد خفيّ، بينما تظلّ شاعرات حقيقيات مُهمّـَشات ومنبوذات لرفضهن لتلك القذارة؟ أو سلطة حزبية، أو مالية، أو إعلامية بتمركز البعض ببعض المنابر الصحفية المكتوبة أو المرئية؟ بالتالي يكرسون أنفسهم وأصدقاءهم وأقاربهم وأصهارهم كأن الثقافة والإبداع وليمة في عرس عائلي؟ هل المؤسسات الثقافية في المغرب مرتبطة في حقيقة أمرها الباطنة بعمق البنية المخزنية اللاثقافية أصلا، والتي تملك تصورات بيروقراطية وطبقية ورجعية تجهيلية للثقافة؟ بالتالي تعطينا هذه المؤسسات بمثقفيها اليساريين والتقدّميين وجها حداثيا للتعمية، وتضمر وجها حقيقيا قروسطيا مسيخا ومتخلفا يهدف إلى تثبيت الاستبداد الثقافي والسياسي بمحاولة عزل الشّعراء عن الفعل في الواقع، وهي تنجح في ذلك بتحويل المثقف إلى موظف مقابل منصب أو منح سخية من طرف أجهزة الدولة والأحزاب لتلك المؤسسات؟ ما هو دور هذه المؤسسات الثقافية في ما يشهده العالم العربي من تحولات سياسية وثقافية راهنة؟ ما هي مواقف هذه المؤسسات؟ وأين يتجلى دورها وفعلها التنويري الحاسم الذي من المُفترَض أن يعيد الاعتبار إلى الثقافة باعتبارها سلطة مقاومة فاعلة في الحياة والواقع؟..

أظنّ أن الوقت قد حان لتشكيل تجمع ثقافي ممانع ومتمرّد، لتصحيح هذه الأوضاع.. والسؤال الذي يُحيّرني أكثر هو لماذا لم تبرز في المغرب أيّ مؤسسة ثقافية أخرى قوية طيلة هذه السنوات من الموات الثقافي كبديل عن هذه المؤسسات الثقافية الصّورية؟ هل استطاعت السياسة بـْخـَدَمِهـا الثـّقـافيّيـن قتل المبدعين حقا؟ أم أن هناك ثورة ثقافية تتشكل طبيعيا في الأفق؟ وقد نشهد ولادتها وظهورها قريبا مع مبدعين شباب بأرواح غير مُهادنة، لتعيد ترتيب بعض الحطام، وتعيد الشّعر إلى مكانه المنير، وترد الاعتبار إلى’ الشّعراء المُهمّـَشين في وطن يقتل شُعراءَه الحقيقيين ويعجز عن دفنهم.

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: