مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

معاركنا الراهنة معاركهم الماضية: أين فولتير العربي؟ : حسونة المصباحي

معاركنا الراهنة معاركهم الماضية: أين فولتير العربي؟

 _412_611337211141

حسونة المصباحي

في ظل وجود مخاطر التعصب والتطرف والتزمتّ القاتل في العالم العرب، يحق أن نسأل: ‘هل عندنا راهنا مفكرون، ومثقفون يشبهون قولا وفعلا فولتير؟’.

بين وقت وآخر تخصّص كبريات المجلات الفرنسية ملفا خاصا لواحد من فلاسفة الأنوار، أعني بذلك فولتير، وروسر، وديدرو. وعادة ما تكون تلك الملفّات رابطة بين أفكار هؤلاء، والقضايا الساخنة التي يعيشها العالم راهنا، فلسفية كانت، أم سياسية، أم اجتماعية أم غير ذلك.

في عددها الأخير الصادر يوم 18 يوليو2013، احتفت الأسبوعية الفرنسية المرموقة “لونوفال أوبسارفتور” بفولتير “السّاخط”، و”الغاضب”، مركزّة على القضايا الأساسيّة التي شغلته، وبها انشغل خلال مسيرته الفكريّة، والإبداعيّة مثل العلاقة بين الدين، والدولة، والتّسامح، والعدالة، والإستبداد، وطغيان الكنيسة، وغير ذلك من القضايا التي لا تزال قائمة إلى يوم النّاس هذا.

دفاع مستميت

جميع الذين شاركوا في الملفّ المذكور من مفكّرين، وكتّاب كانوا متّفقين أن صاحب “الرسائل الفلسفيّة”، و”كانديد” هو أوّل فيلسوف، وأوّل مثقّف يمكن وصفه بـ”الملتزم”، إذ أنه سخّر قلمه، وأفكاره، وأدبه للدّفاع بقوّة عن المظلومين، وعن المعارضين للإستبداد، وعن المضطهدين من قبل الكنيسة، والرّافضين لهيمنتها، وطغيانها. وبسبب ذلك سجن أكثر من مرّة، وأجبر على العيش في المنافي، والفرار إلى ألمانيا طلبا للحماية من فريديريك الكبير، وإلى بريطانيا ليكتب “الرسائل الفلسفيّة” التي ستدينها الكنيسة، وتمنع القرّاء من تداولها.

وكان يقول: “أنا أكتب لأفعل”. وفي مقدّمة الملفّ المذكور، أشار لوران جوفرين إلى أن هناك قضايا راهنة ما فولتير يصمت عنها، وعنها يصرف قلمه، وفكره. من بين هذه القضايا، قضيّة عائشة إبراهيم، الفتاة الصومالية البالغة من العمر 13 عاما، والتي اغتصبها ثلاثة رجال، غير أن الإسلاميين اتهموها بـ”الزّنى” ثمّ وضعوها في حفرة في ملعب رياضي، لترجم بالحجارة حتى الموت. وما كان فولتير ليصمت عن المشروع الإسرائيلي “المناقض للعقل والمنطق” بحسب تعبير لوران جوفرين، والمتمثّل في بناء معبد يهودي في ساحة المسجد الأقصى، إذ أن مشروعا كهذا سيكون بمثابة صبّ المزيد من الزيت على حرائق ملتهبة منذ عقود طويلة، مغرقا المنطقة مجدّدا في العنف، والتزمّت، والحروب الدينيّة.

ولو كان فولتير على قيد الحياة لواجه بشجاعته المعهودة المتطرفين من مختلف الأديان. ولأدان تعصّبهم، ونوازعهم الإجراميّة، ولردّ عليهم بجملته الشهيرة: “المصلحة في أن أؤمن بشيء ما، ليست الحجّة في أن هذا الشيء موجود”. و”بإمكانكم أن تقولوا لي بأنكم على استعداد لمنحي إمبراطورية العالم لو أنني اعتقدتّ أنكم على حقّ. غير أنني لن أصدقكم ما دمتم لم تقّدموا الدليل الملموس على أنكم على حق”. وفي هذه المرحلة التي نعيش فيها نحن العرب مخاضا عسيرا من أجل الحرية، والكرامة، ومن أجل مستقبل أفضل لشعوبنا، وفيها نواجه مخاطر جسيمة ناجمة عن التعصب، والتطرف الأعمى، والتزمتّ القاتل، يحقّ لنا أن نسأل: “هل عندنا راهنا مفكرون، ومثقفون يشبهون قولا وفعلا فولتير؟”.

قبل الإجابة على السؤال المذكور علينا أن نشير إلى أن حركة النهضة العربية عرفت مثقفين، ومفكرين أفذاذا لعبوا أدوارا مهمّة للغاية في يقظة الشعوب العربيّة، وفي المعارك التي خاضتها ضدّ الإستبداد، والجهل، والتخلّف، والتزمّت الديني بمختلف أشكاله، وأنواعه. وكان المفكر السوري المرموق عبدالرحمان الكواكبي من أبرز هؤلاء، ومن أكثرهم فهما للتاريخ العربي، وللواقع في تضاريسه الأشدّ تعقيدا في المجال السياسي بالخصوص. وكان كتابه “طبائع الإستبداد” أثرا رائعا في رصد أسباب الإستبداد في البلاد العربيّة، مبرزا بالخصوص أنه، أي الإستبداد سبب انحطاط أمّة العرب، وسبب كلّ المحن، وكلّ الكوارث التي حلّت بها في الماضي، وفي الحاضر. وجميع طبائع الإستبداد التي أشار لها الكواكبي في كتابه المذكور تنطبق على الأنظمة التي عصفت بها الإنتفاضات التي شهدتها العديد من البلدان العربيّة خلال العامين الأخيرين.

زحف أصفر

في مصر، خاض كتاب، ومفكرون بارزون من أمثال رفاعة الطهطاوي، وعبدالله النديم، ومحمد عبده، وطه حسين، وقاسم أمين، وسلامة موسى، ولطفي السيد، وغيرهم معارك ضارية من أجل تنوير العقول، وفتح بصائر الأفراد والجماعات على مظاهر التمدّن، والحضارة في الغرب. كما أنهم انتقدوا التّعصّب الديني والعقائدي، ودافعوا عن قيم التسامح، والإنفتاح، وغير ذلك من القيم الإنسانية النبيلة.

كذا كان الحال في جل البلدان العربية الأخرى، حيث لعب كتاب، ومفكرون، وشعراء من أمثال الشابي، والطاهر الحداد في تونس، والرصافي والزهاوي في العراق، وشبلي شميل في بلاد الشام، وغيرهم أدورا لا تختلف عن الدور الذي لعبه زملاؤهم في مصر. وخلال الخمسين سنة الماضية، وبسب حملات القمع، والترهيب التي شنتّها ضدهم الأنظمة “الوطنية”، فقد المثقفون، والمفكرون العرب المكانة، والوجاهة اللتين كانوا يتمتّعون بهما في زمن النضال الوطني من أجل التحررّ، والإستقلال ليجدوا أنفسهم في النهاية مجبرين على العيش في المنافي، مقطوعين عن واقعهم، أو مكبّلين بالسلاسل في السجون، أو مهمّشين، أو خدما طيّعين للأنظمة القائمة. وهذا ما يفسّر غيابهم عند إندلاع الإنتفاضات الشعبيّة في تونس، وفي مصر، وفي اليمن، وفي ليبيا.

وقد استغلّ الأصوليون، والمتطرفون، والمتشدّدون دينيّا هذا الفراغ الهائل ليفرضوا وجودهم في الفضاءات الإجتماعية، وفي المساجد، وفي المدارس، والجامعات لنشر أفكارهم الظلامية المتخلفة بدعوى “نصرة الإسلام والمسلمين”. وقد يؤدي هذا “الزحف الأصفر” إلى إغراق المجتمعات العربيّة في أشكال جديدة من الإستبداد، والطغيان، وفي المزيد من الفتن، والنّزاعات الطائفيّة، والقبلية. وبذلك ينطفئ النّور الذي جاءت به انتفاضات “الحرية والكرامة” ليسود الظلام من جديد. ولن يعطّل هذا المشروع المرعب غير استفاقة جديدة للمثقّفين، والمفكرين تمكّنهم من استعادة دورهم في التنوير، وفي مساعدة شعوبهم على محاربة كلّ أشكال الطغيان، والظّلم، والتخلّف، والتزّمت، والجهل.. فهل يتحقّق الأمل، ويظهر من جديد في عالمنا العربي من تكون لهم شجاعة فولتير، وفكره النيّر، والتزامه بالدفاع المستميت عن قضايا الحرية، والعدالة؟ في تعميق ذاكرة المتلقي البصرية والسمعية في أقل تقدير.

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: