مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

قصة قصيرة ” السبت الحزين” : القاص حسن شوتام

قصة قصيرة ” السبت الحزين”

 995747_133279296881650_300013076_n

القاص حسن شوتام

خاص بالموقع

ـ1ـعن يمين محطة البنزين تنتصب أبراج الثكنة التي نال منها الزمن فقصم بعض نتوءاتها و ألغى إيقاعاتها الزخرفية، غير أن أسوارها بقيت صلدة وزادها رهبة الباب الحديدي الذي ينتهي بقضبان مُدبّبة يصعب تسلقها. الثكنة أو ”القشلة القديمة” كما يسميها أهالي البلدة تغدو أوحش و أقرب إلى مقبرة سحيقة صيفا وخاصة عند الهجير، فأشجار الزيتون بجذوعها الملتوية و أوراقها الملفوفة الحادة تحاكي الباب الحديدي الزيتي الصدئ، وتأتي هضاب وتلال وسهول من القاذورات و جداول مياه الصرف الصحي كلمسات شيطانية أخيرة لتضاريس لوحة ممسوخة المبنى والمعنى مختومة باسم الفقر و المهانة والتيه الذي يفرخ في معظم أجزاء هذا الوطن.

القشلة القديمة لا تضم العساكر فقط فمع بداية الموسم الدراسي تلفظ البوابة جرذانا بمحافظ مهترئة ووجوه غريبة التفاصيل..إنتاج الأطفال هنا لا يخضع للضبط خاصة بعد مرابطة الجنود الطويلة في الحدود..أما النساء فلا حديث في مجالس الأوساط الأخرى إلا عنهن حيث تلصق بهن أبشع و أحقر النعوت، فالسوق الأسبوعي ـ والعهدة على الشهودـ يتخلص من الفواكه والخضر الفاسدة بفضل حملات نساء القشلة المتكررة..لا أحد يحفل بغلاء المعيشة و انخفاض أجور العساكر وامتلاء علب كبريت الثكنة بالنفوس، و ليس من أحد يتفهم أو يُعلّل هذا البؤس المطبوع على الجباه الصلبة..”نساء القشلة القديمة يستعذبن شذى النفايات مثل الحشرات وكفى!”

و لمّا كان الأطفال جزءا من هذا النسيج الاجتماعي تضيع الفطرة النازعة لمحاكاة جميل الصفات و أحسنها، فلا تحيد عن خصوصية المكان وتشكلاته. شقاوة أبناء الثكنة لا تحد في مشاجرات عادية أثناء اللعب فقد تصل إلى الانتظام في عصابات تشيع الاضطراب والفزع في قلب كل من يجسر على المرور من خلف أسوار القشلة راجلا كان أم راكبا وذلك كرد فعل ضد الاقصاء والتهميش و نظرات الاحتقار التي تلاحقهم أينما تواجدوا..فحتى المدرسة؛ فضاء التعليم والتعلّم ومجال تقويم السلوكات الشاذة والحاملة لشعار المساواة والتضامن، تكرّس هذا العداء لأبناء الثكنة وتذكي روح التعصب بين تلاميذ يحملون ذات الهم..تلك هي مدارسنا؛ إمعان في المعارف واقتصاد في التربية وشرخ لقلوب صغيرة لا تثني غير الأحلام والأماني..لكن ليست كل الأفئدة تنقاد لشكيمة الازدراء فقد تعرّفت على ”مجيد” سنة 1993 كان حينها يستعد لاجتياز امتحان الشهادة الاعدادية..غريب الأطوار، نجيب، هادئ، مع ميل واضح للجد..كنت آنذاك عضوا في ناد ثقافي و بسطت أمامه فكرة الانضمام وقد أصبت الاختيار بحق..قدّمته في إحدى الأمسيات الشعرية للجمهور فاهتزت الصالة تصفيقات وتشجيعات..فمجيد لم يلق القصيدة بل اصطلى بلهيبها فبكى!

انقضت خمس سنوات فأصبح مجيد رئيسا للنادي الثقافي ومن التقاليد التي كنا نحرص على إحيائها خلال نهاية كل موسم دراسي: ”حوار مع الرئيس”..كانت جلسة مسائية تواصلية تضم جل الأعضاء والمنخرطين ومناسبة لتمتين عرى الصداقة وخلق التكامل المفقود في علاقتنا مع بعضنا البعض. والحقيقة فقد انتظرت اللقاء بصبر نافد و أعددت لمجيد أسئلة ما شككت قط أنها ستزيح الحجر الضخم عن مغارة تحفظ سرّ جذوة الابداع المتّقدة في أحشائه..

ـ2ـ

تحلّق التلاميذ حول مدرسهم يتفحّصون بعيون صغيرة متلهفة القصص الجديدة التي أحضرها وتفنّن في ترتيبها على طاولة عريضة كما جرت العادة مساء كل سبت بعد آخر حصة دراسية. كانت الأيادي تتشابك مستعجلة التخلّص من القطع النقدية الصفراء للانقضاض على القصة التي سبق تحديدها ملاحظة..مجيد أيضا كان هناك..امتدت يده لانتقاء واحدة فما كادت تتحسّس الغلاف حتى بُتِرَت!

ـ خذ هادي أولد القشلة! إنها تناسب مستواك!

هكذا خاطب الأستاذ الأنيق تلميذه فقتل فيه حرية الاختيار. لم يجرؤ مجيد على الاعتراض فاحتضن قصته وجرّ قدميه حتى بلغ مقعده ثم شرع يقلب الأوراق السميكة..كانت الأقصوصة في حدود خمس صفحات تحوي رسومات فقط مذيلة بعبارة: ألوّن كما في المثال. أحسّ مجيد بحنق وغيظ شديدين فارتعشت شفتاه ثم أطرق رأسه و انخرط في بكاء حار..وغير بعيد عنه ثلة من الأطفال فرحين، نشيطين؛ تشعل ضحكاتهم في صدره غضبا وحقدا متصاعدا..

ـ لا أريد هذه القصة يا أستاذ!

و هكذا خاطب التلميذ معلمه الأنيق فقتل فيه وهم السلطة. لم ينبس المدرس ببنت شفة بل عقد حاجبيه وشمّر أكمام القميص عن ساعديه وفي ثوان تحوّل الفصل إلى زنزانة و المربّي إلى جلاد..و بعد أن شذب هذا الأخير جرأة مجيد، طوّح به خارجا و بصق عليه متوعدا مهدّدا:

ـ سير تشرّط على امك البرهوش لاخر! أنا ولا نتوما يا أولاد القشلة، مغديش نمشي من هاد المدرسة حتى نشطبكوم كاملين..الله يخليها سلعة!

كانت لحظة شاقة في تاريخه الشخصي، إذ عجزت براءته فهم هذا الرد السلطوي من مدرسه خاصة أن مجيد كان يرى فيه تعويضا للأب المرابط عند الحدود. فكيف يُقابل الحب بهذا الجفاء؟ و أنى له تمثّل توجيهات معلّمه في احترام الآخرين، وشد أزر المحتاجين وهو يلوي أذرعهم الهشة بقبضة من حديد ويشبع مؤخراتهم ركلا بحذاء يشبه رأس حربة.

بعد هذه التجربة قرّر مجيد عدم الاعتراض ومحو ذكرى العقاب البدني وقبول أية قصة و لو كانت في مستوى أطفال الروض، لكن هل تبقى ذرة من الطبيعة الأولى عند الكبار؟ في الحقيقة إننا امتلأنا من الخطيئة والدنس حد الانفجار..فالمدرس ما فتئ يحتفظ ببذور الانتقام وكان ينتظر آخر حصة من كل سبت ليخضع لروحه المتجبّرة و يرضيها بطقس التسلط.

ـ3ـ

أحاق التلاميذ من جديد بمدرسهم و قد ضموا أصابعهم على القطع النقدية بقوة حرصا على عدم فقدانها..و كالعادة شرع الجميع في الاختيار إلا واحدا طأطأ رأسه منتظرا نعمة سيده وفيض بركاته..لم يكن مجيد وحده المخصوص بهذا الاقصاء فالفصول الأخرى تشهد ذات الاصطفاء و الذي كان يحنق المدرسين أكثر أن جرذان القشلة رغم الإذلال لا تنكسر شوكتهم بل لا يترددون في أخذ الثأر خارجا..

لما انتهى التلاميذ و مدرسهم من عملية توزيع الغنيمة، عادوا إلى مقاعدهم فيما ظل مجيد ثابتا في مكانه..

ـ يا عديم الفائدة، الفصل برمته جالس، فلماذا تقف مثل كلب حراسة؟  قال المعلم

تقزّم مجيد أكثر فلم يستطع الحركة أمام تلك العدسات المسلّطة عليه في ترقب وفضول..ابتلع ريقه بصعوبة فأحس قلبه مغادرا صدره الصغير، ونزّ العرق من جبينه..كان الوهن يقضم كل طاقة في أوصاله فما كان له سوى فك أصابعه المضمومة لتسقط القطعة النقدية على الأرض محدثة رنينا كسّر الصمت المطبق على المكان ومجيبة عن السؤال المعلّق والحاجة المغتالة.

ـ اسمع يا صغيري؛ من الآن إلى آخر يوم من هذه السنة ستُحرم من استعارة القصص..التقط قطعتك النقدية فالأجدر أن تشتري بها قليلا من الأدب!

اقتعد مجيد كرسيه من جديد مصعوقا من القرار إذ لم يتوقع حرمانه النهائي من هواية يكنّ لها حبا وشغفا عظيمين، و الأكثر من ذلك أنه غير قادر على شراء القصص في المكتبة لأن ما يبعثه والده لأمه بالكاد يغطي مصاريف البيت..و هكذا باتت نهاية الأسبوع جحيما يزرع في أحشاء الصغير بذور المعاناة والموت..فما أشد عطش المقيّد والماء ينساب عذبا على مرأى منه وما هو براشفه!

”الضغط يولد الانفجار” و ”الحاجة أم الابتكار” عبارات تصف بدقة حالة مجيد و حلّه التعويضي، فليست كل القلوب تنكسر أمام الازدراء و الإقصاء لقد حُرم التلميذ من قراءة القصص غير أنه اكتشف قوة خياله وقدرته على نسج حكايات معتمدا الأشكال والألوان، الصور والرسومات والعنوان على أغلفتها..فكلما استعار زميل قصة يثبت بصره ويديم النظر في دفتيها..تتوالى الأسئلة وتنشط الألغاز والتكهنات وفي البيت وهو مستلق ينتظر إغفاءة يترك العنان لخياله فينطلق مجيبا عنها ورابطا بين أحداثها حتى تستحيل قصة متكاملة لا يعوزها سوى لغة سلسة سليمة وطبعة أنيقة تخلب لب كل قارئ.

بهذه الطريقة انخرط مجيد في تأملاته وسبح مع خيالاته وكائناته الأسطورية، وكلما كبر اتقدت في داخله شعلة الإبداع ولم يعد الهاجس المادي يحرمه من لذة القراءة والبحث والكتابة فمجيد كان يقضي عطلته الصيفية في محطة المسافرين ماسحا للأحذية أو بائعا للبيض المسلوق..إنها بحق صورة رائعة لبذل الجهد وشعور حضاري بالمسؤولية و إشباع لرغبة قلما التفت لها عقل أو أفرغت لها طاقة.

مذ سمعت قصة مجيد وظروف تورطه في الكتابة و أنا أحتفظ له بتقدير خاص وشعور أقرب إلى التقديس، لقد روّض نفسه ودرّبها على التحمّل مهما علت أمواج الضغوطات، وأدرك منذ صغره أن كل الأشياء تعمل معا للخير للذين يمسكون بأحلامهم دون إرخاء.

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: