مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

جسد المرأة الغواية ومحنة الإنسان : رجاء نعمة

جسد المرأة الغواية ومحنة الإنسان

 Sans titre

رجاء نعمة

يتزامن نظام العولمة مع حضور طاغِ لجسد المرأة في الإعلام والإعلان. حضور يشتد يوماً بعد يوم، إن لجهة الكم أم النوع حيث يزداد هذا الجسد، في المرئي والمقروء، عرياً وأوضاعه غواية أو محاولة لها على الأقل. وتساهم تكنولوجيا التصوير وتأثيراته في لعبة الفتنة والترويج حتى ليكاد الإهتمام بالجسد، في الإعلان “الفذ” للألفية الثالثة، يغدو عديل الاهتمام بالفكر والأدب والفنون الذي استحوذ على الصحافة في العقود السابقة. مما يدعونا لتأمل هذا الموضوع الذي لولا أهميته في اللاوعي الجماعي والفردي البعيد منه والجديد، وقابلية استثماره في “اقتصاد السوق” لما تمكن من أن يتصدر المكانة التي “استحقها”.

في هذه اللعبة يتقاسم المروّج والمنفذ والفاتنة الأدوار. المروّج/المفكر يشهر الحيثيات التي تصب غالبيتها في خانة “الثورة على النظام الأبوي”، وضرورة “فضح المسكوت عنه”. كلام يستهلك عناوين لنظريات قيِّـمة وجديرة بالتأمل والجدل، برزت في القرن العشرين مع نهوض الفكر التحليلي والمدارس الحديثة لعلم النفس وعلم الاجتماع. استهلاك لا يدل على استيعاب هذه النظريات ولا حتى على إلمام بسيط بها؛ بل يجعل عناوينها شعارات/مشاجب يحمّلها ما يريد تحميله وما يلائم “الثقافة الجديدة” التي انخرط في إرسائها، عن دراية أو غفلة.

لا بد أنه قد أسقط في يد هؤلاء، عندما وجدوا من يزايد عليهم في “التصدي للنظام الأبوي” بالتظاهر عرياً. حين خرجت في الغرب متظاهرات “ثوريات” عاريات الصدور، حذت حذوهن شابات في بعض البلدان العربية. من ناحية أخرى وتجاوزاً للعري، بدأت أخريات يسجلن أسماءهن لتأدية واجب نبيل، يقوم به “الجسد”  لمن انخرط في “خدمة العلم” أو “الثورة”. تطوعا! لجهة العري والملبس، وفي نظرة استرجاعية لصورة الجسد في التاريخ يمكننا رصد ثلاث محطات رئيسية: العري البدائي ورمزه في الأديان عري حواء وآدم؛ والملبس على أنماطه؛ والعري الإعلاني الإعلامي المرتبط بالبورنو والمال؛ والعري الاحتجاجي لتحقيق مكاسب “ديموقراطية” وهي كما سابقتها في التسلسل ظاهرة ما بعد حداثية. هذه المظاهر التي تزداد تطرفاً، مدعومة من بعض وسائل الإعلام العالمي والمحلي، تثير عدداً كبيراً من الأسئلة وتدعونا من جديد، انطلاقاً من حاضر الجسد، إلى قراءة تاريخه.

“أصل” الحكاية: أنا “عاري” إذن أنا موجود؟

إضافة إلى دوره الإنساني العظيم في استمرارية الكائن البشري على الأرض، كان الجسد، جسد المرأة بصورة خاصة، وما يزال موضوع الرغبات والهوامات والمخاوف والتحريم والتحليل والشتائم والتعيير. وأيضاً موضوع الفنون والآداب، والفلسفات؛ وموضوعاً محورياً في التصورات والحكايات والميثولوجيا، في الأديان السماوية كما في النظريات الحديثة لعلم النفس وعلم الاجتماع.

ليس العنوان “أنا “عاري إذن أنا موجود” بلعبة كلامية بل هي أشبه “بمعطاة” تتصل بجوهر المعتقدات السماوية، التي لا يفوتنا شأنها الكبير في تثبيت التصورات التي سبقتها كما في تشكيل وعي الإنسان و”لا وعيه” بالنسبة للجسد ورغباته. على تباين تلك المعتقدات، هناك إجماع منها على أن الخليقة على الأرض بدأت مع آدم وحواء؛ وإجماع على أن هبوط جدينا من جنة السماء إلى الأرض قد ارتبط بعري الجسد. وعلى الأصح ارتبط “بإدراك هذا العري”. إذ لعل العري، حسب المعتقد الديني، كان موجوداً على غفلة من صاحبيه إنما بصورة “نورانية” غير مرئية حتى من صاحبيها.

قبل الوعي بالعري كانت هناك منظومة سماوية يعيش فيها “المخلوقين” عيشة ملائكية، غافلين عن تصوّر أجسادهم وإدراك عريهم؛ وكان الله قد حذر آدم ونهاه عن الأكل من “شجرة المعرفة”؛ فظل بعيداً عنها إلى أن وسوس له ابليس “بالتجربة” فدخلها آكلا و”زوجته” من الثمرة المحرّمة. لكنهما بعد الأكل انفتحت أعينهما وعلما أنهما عريانان(التوراة). ولما ناداهما الرب هربا واختبآ وراء شجرة، خجلاً. وبدآ يلملمان أوراقها لتغطية عورتهما. وإذ سألهما الرب عن السبب قالا إنه الخجل من العري. “من أعلمك أنك عريان؟” سأل الرب آدم. هل أكلت من شجرة المعرفة؟

اكتشاف آدم عريه يشكل بداية الخلق كما بداية النص الديني. إذ لا توجد نصوص دينية سماوية (بل ميثولوجية) تصور حياة الإنسان والكائنات قبل اكتشاف العري. اكتشاف العري كان الانتهاك الأول للمنظومة السماوية وانسجامها. والطريق إلى الإدراك الأول أيضاً. وكأن اكتشاف آدم عريه كان اكتشافاً للذات التي لبسها العري. ورمزاً لها. هذا الاكتشاف الذي أفقده وحواء نعيم “الإغفال“.

وعلى الرغم من طلبهما الغفران، كتب على آدم وحواء الهبوط إلى الأرض. وتتمة طبيعية للوعي بعري الجسد والهبوط كان بدء التناسل وكانت الحياة على الأرض وكان الثنائي آدم/حواء مؤسسها. هكذا في المعتقد الديني ترتبط كينونة الدنيا وكينونة الانسان بوعي آدم عري جسده. بل ويبدو هذا الوعي سبباً مباشراً للكينونة الجديدة والوجود البشري على الأرض.

الحكاية الدينية كثيفة الأبعاد والدلالات، وتفتح على عدد من التساؤلات يدور أهمها حول مغزى العلاقة الشرطية بين شجرة المعرفة والرغبة؟ بالأحرى بين “المعرفة” والجنس. ما مغزى أن تجمع المعتقدات السماوية على أن “الوعي بالعري” هو سبب “المعصية” والهبوط من الجنة لا العري في حد ذاته؟ وتجمع على أن منبع الخطيئة الوعي بالرغبة لا الرغبة في حد ذاتها؟

الجواب المباشر ماثل في الأذهان، فالوعي يميّز الإنسان العارف عن الحيوان الغافل. على أن هناك تفسيرات أخرى لا تندرج في خانة التلقائي. والوعي يرتبط أيضا “بالتصور” و”التخيّل”؛ أي بالقدرة على الغواية. القدرات “السحرية” للجسد هو ما شغل البشرية والأديان وما زال يشغلها حتى الآن. إذا كان الحيوان لا يعي جسده بل يمارس رغباته مع شريكه بالغريزة، فالإنسان، بوعيه الرغبة وتصوراته وافتتانه بأداء جسده وجسد شريكه، يتمكن، لا من تحقيق الرغبة وحسب، بل ومن العبث بها أيضاً؛ جاعلاً الجسد موضوع غواية ووسيلة عبث وإيقاع. إيقاع بالذات وبالآخر، بواسطة ما يُسمى في علم النفس “بهوامات” الرغبة التي تُضاف إلى الدافع الغريزي والتي لا مراء في صفتها البشرية، مقارنة بالعجز المفترض للحيوان عن الاستيهام. ولعل “ملكة” التصور والتخيل هي ينبوع محنة الإنسان التي أفقدته “البراءة الأصلية”.

في البدء كان التمرد

تجمع الأديان السماوية على أن “إدراك العري” لم يتم تلقائياً في علاقة تقتصر “أخلاقياً” على الثنائي آدم وحواء؛ بل قد تمّ بواسطة طرف ثالث هو إبليس أو بديله (الأفعى في التوراة). فهو الذي وسوس لهما بالأكل من “شجرة المعرفة”. وجزاءً له طرد ابليس من االجنة “مذموماً” محقراً، مما جعله يشق عصا الطالعة على الخالق ويهدد بالانتقام.

يدعونا طرد إبليس من الجنة للتساؤل عمَّ إذا كان “التمرد”، تمرد إبليس على مشيئة الخالق، هو “البدء” الذي نتج عنه هبوط آدم وحواء على الأرض، أم أن “الوعي بالعري” كان البداية؟ تسلسل الحكاية كما وردت في الآيات والإصحاح تشير إلى أن “التمرد” كان سابقاً على الإغواء، بل وكان السبب المباشر له. فبعد حياة الرغد في المنظومة السماوية، ولسبب “يعجز عقل الانسان عن إدراكه”، طلب الله من الملائكة السجود لآدم. جميعها امتثلت وسجدت بلا تساؤل فيما عدا إبليس الذي اعترض وتساءل: “ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ. قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ”.

الانشقاق الأول

يشكل رفض إبليس السجود منعطفاً جوهرياً في تاريخ المنظومة “الأولى” كما في طبيعة “المخلوقين” الذين  كانوا يعيشون فيها في انسجام ملائكي؛ ومنعطفاً في طبيعة الأدوار التي سيضطلعون بها حتى “يوم الدين”. كان هذا المنعطف هو الانشقاق الأول الذي أنتج التمايز:

تمايز المنظومة السماوية عن الأرضية؛ وتمايز الانسان عن الملائكة وعن ابليس؛ وتمايز هذا عن أولئك.

إبليس، لم يكتفِ بالرفض بل هدد وتوعد بأن يوسوَس بالشر للمخلوق الذي فضله الرب عليه: “لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ. ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ… “؛ أما آدم الذي طلب الغفران، مبرراً فعلته بجهله أبعادها، فكان عقابه الهبوط إنما معززاً مكرّماً ليغدو خليفة الخالق على الأرض… فيما قال الرب لإبليس “اخْرُجْ مِنْهَا مَذْؤُومًا مَّدْحُورًا لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ”؛ وفي سلسلة التمايز والتغيرات، سيحدث تحول في طبيعة المخلوق: سيتحول آدم على صعيد “المحسوس”، من “عمٍ” عن عري جسده إلى “مشاهد” له؛ وعلى صعيد الإدراك المجرد وبعد الأكل من شجرة المعرفة سيصبح آدم قادراً على التمييز بين الخير والشر. كما لو أن إدراكه العري كان الدرب لاكتسابه ملكة “الإدراك” نفسها التي تؤهله لأعلى مراحل التجريد:

“قال الرب الاله هوذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفاً الخير والشر”(الإصحاح الثالث).

وكما يأتي “الإدراك” في قمة التغيرات على الصعيد “الجزئي/الميكرو”الإنساني تأتي ازدواجية سماوي/دنيوي في قمتها على الصعيد “الكلي/اليونفرسيل”. فهذا “الإنشقاق”، في التصور الديني، هو ضرورة أساسية للنشوء الاجتماعي. وبنتيجته  “صار” آدم هو “الإنسان” الذي سيبدأ الحياة الاجتماعية على الأرض، إنما وفي الوقت عينه رفيقاً/عدواً ملازماً لمن تسبب في هبوطه على الأرض: إبليس.

“ملازمة” أصلية: كانا معاً منذ البدء في المنظومة السماوية ، ثم اشتعل الصراع بينهما حين أمر الله إبليس بالسجود لآدم فرفض. إذاك وانتقاماً، توعد بأنه لن يدع المخلوق “المدلل” يهنأ في الدنيا بل سيمضي وجوده فيها لإزاحته عن “السراط المستقيم”. وبحكم التلازم، نرى أن كلا الطرفين طرد من الجنة ليكملا في الدنيا “رفقة” مقدرة عليهما أساسها الصراع.

لا نغفل ما لهذه “التلازم” من مغزى بالنسبة لمحنة الإنسان. فالرب المسؤول عن جميع مظاهر الكون يبدو (لعقل الإنسان القاصر على الأقل) كما لو أنه قد “تخلّى” جزئياً عن مسؤوليته عن الإنسان حين أتاح لإبليس مشاركته السلطة في النسق الدنيوي، موقعاً مخلوقه المفضل وخليفته على الأرض في المحنة. محنة “الامتحان” اللانهائي المستدام ديمومة حياة الانسان على الأرض. ولكأنما مثل هذا  “الامتحان” شرط  “للحياة”. وفي هذا الصدد تتأكد جوهر الصلة بين الرؤية والمنظومة  الاجتماعية الأبوية للحياة وبين الحياة الغريزية خارج تلك الرؤية/المنظومة.

الغواية بين الدين وعلم النفس

محنة الرغبة والغواية، شغلت وما تزال تشغل الفكر الإنساني. إضافة إلى الأديان، نرى أن الفلسفات جميعها تناولت هذه المسألة الجوهرية. على أن أكثرها أهمية في تشكيل الوعي الإنساني ولا وعيه، وفي تفسيرهما، إثنتان: رؤية الأديان السماوية من ناحية؛ ورؤية مدارس علم النفس والاجتماع من ناحية أخرى. تتفق الأديان السماوية وعلم النفس على أن الجسد وغوايته يتصلان بمحنة الإنسان. فهذا يأتي إلى الدنيا حاملاً رغبته المقدرة عليه، إنما غير موقن من قدرته على استيعابها واستلام مسؤولياتها: المسؤولية الصغرى، تمثل في استيعاب البعد النفسي والوجداني لتحقيق الرغبة؛ والمسؤولية الكبرى، تمثل في قبول البعد الاجتماعي لتحقيق الرغبة، مثل الوعي بالتناسل والاعتراف به وتنظيمه. ما يشكل جوهر النظام الأبوي.

إضافة إلى المسؤولية العليا (بالنسبة للمعتقد السماوي): أي التصدي لغواية إبليس في الأرض كشرط لمقابلة الخالق حرّا من الذنوب والمعاصي؛ المسؤولية الدينية هذه يقابلها في علم النفس الحفاظ على توازن الشخصية التي تبطن دوافع متناقضة قابلة، وغير قابلة في الوقت عينه، للمصالحة أو الانشقاق. على تباينهما الظاهري، لا تختلف الرؤيتان جوهرياً بالنسبة لمسألة الرغبة وتحقيقها؛ بل تختلفان في بلورتها وتعيين أطرافها، إضافة إلى توصيفها وتسمية رموزها. هنا وهناك صفة “ثلاثية” للأطراف المعنية بها: (الله، آدم وإبليس)، في المقولة الدينية؛ يقابلها في نظرية التحليل النفسي الأركان النفسية الثلاثة: ”الأنا الأعلى”،أي ركن الأخلاقيات والمبادئ؛ و”الأنا” أي الركن التي تتوحد فيه كامل الشخصية؛ و”الهو” أي الركن البدائي ومكمن الدوافع الغريزية والرغبات.(أنظر فرويد) وفي كلا الرؤيتين إتفاق على طبيعة “النفق” الذي تحقيق فيه الرغبة: فكما استجاب الانسان لإغراء إبليس مخالفاً أمر الله، نرى “الأنا” تتنازع بين “الأنا الأعلى” الممثلة للأخلاقيات والنظم، وبين “الهو” أي الركن البدائي الغرائزي (فرويد).

النظريات الحديثة لا تُرجع مسألة الغواية إلى طرف خارجي(إبليس) بل إلى الإنسان ذاته وإلى تعددية ميوله. حيث يغدو هو نفسه آدم وإبليس ومستبطن التسامي الإلهي. هو نفسه حامل الرغبة، محققها، منظمها والرقيب عليها. وفي هذا التلازم تتجلى محنة الإنسان. في هذا السياق نذكر مفاهيم شائعة برزت مع فجر الفلسفات مثل الصراع بين الخير والشر؛ بين العقل والرغبة؛ وأخرى حديثة (ثلاثية الأركان لدى “لاكان” الذي حدد (البدائي، المتخيّل والرمزي). كلها تجمع على أن الإنسان هو الموضوع الأساسي ومنه وإليه تنبع الميول والرغبات وقدرات التسامي؛ كما منه وإليه تؤول النتائج.

لا يختلف التوصيف الحديث مع الرؤية الدينية نفسها لطبيعة الإنسان. إذ أن ابن آدم ما كان سينجذب إلى غواية إبليس وإلى “شجرة المعرفة” لولا  قابليته-أي قابلية النوع الإنساني- لذلك. حيث منها وإليها ينسل إبليس ليزيّن للنفس تصورات و”أفعالا” يمتثل فيها الميول و”الهوامات” التي بلورها علم النفس التحليلي.

ودور إبليس نفسه يعزز هذا الافتراض. فهو دور حصري لجهة استهدافه الإنسان دون غيره من المخلوقات أو الظواهر الطبيعية. فلا يقال مثلا إن إبليس يغوي الحيوان ليقترن بشريكه أو يفترس من كان أضعف منه. كما لا يقال إن الزلازل “رجس من عمل الشيطان”. فن عاري

هناك حصرية أخرى في دور ابليس تؤكد على “قابلية” الإنسان للغواية وهي حصرية “الفضاء” الذي ينشط فيه إبليس؛ إنه “الركن” البدائي المتهور، غير العاقل الذي يتيح لإبليس ممارسة دوره؛ فلا يقال مثلاً إن الشيطان وسوس لعقل الإنسان ليبتكر الأبجدية أو ليكتشف قارة مجهولة، بل يقال إن الله يهدي الإنسان للابتكار والاكتشاف؛ ما الفضاء الإبليسي إذن سوى دخيلة الإنسان المؤهلة لاستقبال الوساوس، القابلة للنزوات غير “المحمودة”. هي ذاتها الطبيعة المستجيبة للغرائز والميول البدائية التي حددت ركنها مدرسة التحليل النفسي. وعبارات مثل “النفس الأمارة بالسوء” و”سوّلت له نفسه” خير دليل على أن الشيطان يقيم في النفس. وما “السراط المستقيم” سوى الأساس القديم لفكرة “سواء الشخصية” في النظريات الحديثة التي هي هدف العلاج النفسي عبر تحقيق المصالحة بين أركان النفس.

كما وتتفق النظريات الحديثة مع الأديان في النظر إلى الرغبات والموطن البدائي للإنسان. فالسراط المستقيم لا يطالب الانسان بإنكار الرغبة بل يطالبه بإخضاع تحقيقها لشروط معينة تأميناً لسلامة العواقب التي قد تنتج عن التهور في هذا التحقيق. أي أنه يطالبه بتنظيمها بما يتفق مع مشيئة الله والأخلاقيات؛ توصيف يماثل ما بلوره التحليل النفسي حول سلوك “الشخصية السوية” وشرطها الأساسي أن تتمكن من “إدارة” المنظومة المعقدة للنفس وإدارة ميولها ونزعاتها بما من شأنه تحقيق الرغبة دون إلحاق الأذى بطرفيها. فالإنسان السوي هو القادر على تحقيق الرغبة في سياق “التوازن”. توازن يجنبه حدة الصراع بين الميول الغرائزية وبين الامتثال لضرورات العالم الخارجي وقوانينه.

وتتفق الرؤيتان بالنسبة لقدرة الإنسان على التحكم بهذه الميول: بواسطة التسامي والنضج في نظرية علم النفس؛ وبواسطة الامتثال لما حلل الله وحرم أو نهى عنه في المعتقد الديني. تتصدى الأديان السماوية “للعبث” برغبات الجسد وترسم قواعد لجمها واحتواء نتائجها عبر إرساء أعراف من أهمها الزواج كنظام فردي/اجتماعي، يقنن الرغبة وسلوك الجسد من ناحية، ويشرّع لنتائجه على الأطراف في العالم الخارجي من ناحية أخرى. فيطالب الشريكين بالوعي بالمسؤولية تجاه بعضهما البعض وتجاه التناسل وتجاه الجماعة التي ينتميان إليها. مؤكداً على ضرورة التناسل “المعروف” والمعترف به مقابل “المجهول” والمنكَر؛ في هذا الصدد يعمل العلاج النفسي على تطوير الوعي والنضج بغية تحقيق المصالحة؛ مصالحة الميول وتنظيم علاقتها الداخلية من ناحية ومصالحة الشخص مع واقعه ومجتمعه من ناحية أخرى.

كلا الرؤيتين تتعاملان من الشخصية ضمن منظومة متفق عليها ومتفق في الوقت عينه على إمكانية “الخروج عليها”؛ إنما هو خروج مشروط بحماية الذات والأخرين.  في علم النفس قد يقبل الشخص “خروجه” المشروط بعدم الأذى؛ وفي المعتقد الديني يطلب الغفران أو التوبة او السعي للإصلاح.

الرغبة/الغواية وخصوصية المرأة

وهي خصوصية شغلت وتشغل علماء النفس وعلماء الاجتماع والحركات النسوية، كما لها حيز كبير في المعتقد الديني وورؤيته. في التوراة تتحمل “حواء” وِزر المبادرة للمعصية إذ سبقت آدم إلى اشتهاء الثمرة المحرّمة وتذوقها، ومن ثم أعطته إياها فأكل. وإذ سألها الرب أجابت إن الأفعى هي التي زيّنت لها ذلك. أما في الآيات القرآنية التي ذكرت الحكاية (وهي كثيرة، البقرة، الأعراف، الكهف إلخ…) فيتساوى الطرفان أمام الله بالنسبة للمعصية التي أنزلتهما من الجنة. إنما لتختلف مسؤولياتهما في سياقات أخرى: في الثقافة الاجتماعية وفي المتخيّل الفردي والجماعي كما في الممارسات عبر العصور.

نظريات كثيرة تناولت هذه الخصوصية، لا سيما بعد قيام حركات التحرر، فوضعت في غالبيتها النظام الأبوي موضع الجدل والمساءلة حتى لا يمر يوم لا نقرأ فيه مقولة أو رأيا ونشاهد صوراً تؤكد على هذه الخصوصية. حتى ليكاد فضاء “الميديا” يغدو لجهة المظهر أنثوياً بامتياز. الجزء الثاني من هذا البحث الذي سيأتي لاحقاً، سيتناول المسار الثقافي غواية الجسد ورؤية كل من الجنسين ومعايشته لها

عقـاب  الجـسد

من “خصوصيات” الأنوثة وعلاقتها بالذكورة، ارتباطها في المتخيّل كما في الواقع، لا بالرومانسية وحسب، إنما  وأيضا  بالعدوانية. في هذه الخصوصيات التي يشتبك فيها البيولوجي بالنفس-اجتماعي، تبدو  الأنثى والأنوثة موضوع عدوانية تتلقى العنف وتستثيره في الوقت عينه. العنف الفردي والاجتماعي على حد سواء. الجسد موضوع فتنة وموضوع عدوانية في العلاقة الثنائية كما في الإرث الاجتماعي. هذا الإرث  الذي يحتل في العلاقة الثنائية حيزا طاغيا يقتحم متخيل الجنس والتناسل وجسد المعنية به .

في السعي لفهم المظاهر العصابية أو الثقافية، لطالما اعتمد التحليل النفسي والانتربولوجي على المتطرفة منها لفهم ما يقل عنها تطرفاً. فالدخول من باب الأعراض المرضية لفهم مشاكل “الأسوياء” نهج معروف في العلوم الإنسانية الحديثة. وكذلك الأمر بالنسبة لقراءة الزمن الغابر لأهميته في إلقاء الضوء على الحاضر. على اعتبار أن جذور الأمراض موجودة لدى الأسوياء وما تطرفها سوى تعبير عن مأزم، عصاب (أو عن حالة سايكوباتيك) يتعامل معه المرضى بصورة متطرفة و”الأسوياء” بقبول أو رفض نسبي. ولنا في مظاهر البارانويا خير دليل على ذلك.

من هذا المنطلق تكتسب بعض التقاليد القديمة “الأركاييك”، (ما انقرض منها أو لم ينقرض)، لا سيما التي تتسم منها بالعنف، أهمية بالغة في فهم النوازع التي تكمن خلفها وفهم مغزى بعض التقاليد والممارسات الراهنة التي قد تؤدي أغراضا مماثلة، حتى وإن قلّت عنها عنفا.

ستشكل بعض الممارسات “الاستثنائية” مدخلاً لقراءة الثقافة الكلية التي أنتجتها. من هذه الممارسات الممثّلة ما كانت تخضع له الإناث في بعض الثقافات(وما تزال)، مثل الختان الكلي(الخفاض)أو الجزئي، وحزام العفة في أوروبا وجرائم الشرف على أنواعها وغيرها من الممارسات التي تجعلنا نتساءل عن جذور هذا العنف ومكامنه في النفس البشرية من ناحية، وفي السياق الثقافي الاجتماعي من ناحية أخرى. وطبعا لا نغفل في هذا السياق ممارسة تتجاوز تلك عنفاً، انقرضت على أن دلالتها ما زالت ماثلة، ألا وهي وأد البنات في العصر الجاهلي. من الخارج الثقافي يبدو الختان عقاباً للإناث. فهل هو كذلك في الداخل الثقافي؟

لا ريب في أن وضع الختان في الإطار “الطقسي” يخفف لحد كبير في “الداخل” من صفته العقابية. فمن شأنه بالنسبة لبعض المحللين أن يمنح علامة “التمايز” والتدليل على الانتماء للجماعة. لكن الصفة الطقسية لا تنجح في نزع طبيعة “العقاب” عن تلك الممارسة. وتكفي المقارنة مع طقوس آخرى تؤدي غرض التمايز (ختان الصبيان على سبيل المثال، أو الوشم الدال على الانتماء القبلي) لندرك المغزى المزدوج لختان البنات. فهو تدخل عنيف، ظاهره طقسي ومضمونه “  عقابي ردعي”.

الختان موجه في المقام الأول ضد الأنوثة لا ضد الأمومة وإن كانت المنجبات سيعانين من آثاره طيلة حياتهن. فغايته الأولى – رجل وامرأةالمفترضة -تحجيم رغبة الأنثى حتى وإن كان الثمن تشويه شكلها الأصلي أو تدميره سلخاً في حال الختان الكلي. تدمير يعمل الطقس على جعله مقبولاً من البيئة الاجتماعية، بل ومرغوباً به منها ، لاعتباره يحقق أهدافا “سامية” مثل “العفة” اللازمة لصيانة شرف الأنثى  وقوام النسل اللازم لتماسك المجموعة. من شأن هذا “القبول”  أن يجعل الطقس “مطهراً” purgatoire للمعاقَبات والمذنبين بحقهن في آن معا. ويجعل الجزء المقطوع “أضحية” لصون الشأن الأسمى” الذي تهجس به القبيلة لا سيما إناثها.”

أضحية مرغوبة من صاحباتها لدواعي “التطهير”: في مؤتمر أقامته في الثمانينات “جمعية تضامن المرأة العربية في القاهرة”، صرحت ناشطة سودانية أن  بعض الفتيات، ممن رفض ذووهن اليساريون ختانهن، طالبن به حين كبرن واعتبرن ذويهن مقصرين لحرمانهن من تقليد “تتمتع” به مثيلاتهن. كما ذكرت أن “عريسا” رفض إكمال زواجه حين اكتشف أن “العروس” التي نشأت في انكلترا لم تكن مختونة. هكذا تستبطن الأنثى الرغبة في الختان؛ وعلى صورة رمي العذارى في النهر إرضاء للإله، حيث تتحضر هؤلاء للموت كأنما لعرس، تتحضر دفعة الصغيرات، في بعض مناطق إفريقيا، للختان في احتفالات جماعية، ليستقبلن أنوثتهن “طاهرات”. ما كان هذا التدخل العنيف ليتحول طقساً لولا تضافر عنصرين أساسيين:

اتفاق الأطراف عليه بمن فيهم النساء؛ واتصاله بشعور عدائي إزاء “جنس”  الأنثى، استبطنته كافة الأطراف المعنية به ومن ضمن هؤلاء المختونة ذاتها.

لا ريب في أن مخاوف كبرى هي ما تدفع الجماعة إلى التضحية بشخص أو بجزء منه حفاظاً فعلياً – أو  وهمياً – على كيانها. قد يكون الشخص، ذاته المضحى به “هو”  “أو هي” مصدر المخاوف كما في حال جرائم الشرف والختان. “هي” الطرف ” المهدّد لمكانة الجماعة بين الناس. “هي” التي صارت في المتخيّل الجماعي والفردي مصدرا في المطلق للتوجس من “العار”. توجس بطانته كراهية معلنة أو مضمرة، تتصل بإمكانية أن تُحدث “هي” ما لم يحدث بعد.  و”وأد” الرضيعات في الجاهلية يؤكد على حجم المخاوف وارتباطها بكراهية للأنثى تُرجمت “برجم” الرضيعة” عقاباً على ذنب افتراضي قد ترتكبه في المستقبل. فيأتي العقاب فعل كراهية خالصة للأنثى كجنس في حد ذاته لا لفتاة معينة “عصت” .  وما انقراض الوأد في الجاهلية وعدم تحوّله إلى طقس إلا لكونه ضد استمرارية النوع البشري. مما يؤكد على أن الطقس “الفائض” عن الضرورة الأساسية للحياة أو المهدد لها لا يلبث أن يزول.

على أن زواله  لا يلغي “الكراهية”. من تجليات تلك جرائم الشرف: ما كانت لتحدث بهذه الكثافة في حقبات وبلدان معينة إلاّ لتلازمها مع عدائية تأصلت على المستوى النفسي الاجتماعي على صعيدي الوعي واللاوعي. عدائية حضّرت طويلا الأطراف المعنية بها، حتى إذا ما “وقعت الواقعة” كانت العناصر اللازمة لغسل آثار “الجريمة” جاهزة في المتخيّل للتنفيذ.

في ستينات القرن الماضي رصدت باحثة قانونية في لبنان جريمتي شرف أسبوعياً معلن عنهما؛ ويقدر حجم الجرائم المغفلة، حيث تدفن الضحية في القرية بلا تبليغ ولا إزعاج – بما قد يساوي ذلك. لهذا التحضر مكانته أيضاً  في القانون وفي المحاكم (في الغرب حتى زمن قريب) وفي بلدان الشرق حتى اليوم. “مكانة” تترجم بمنح القاتل “الأسباب التخفيفية”. هكذا يلعب القانون المدني الحديث دور “الطقس” القديم في التطهر والتطهير من الذنب المرتكَب أو من الإحساس به.

عنف الطبـيعـة وعدوانية الغموض

من ضروب التبسيط جعل “النظام الأبوي” المسبب الحصري لكافة الممارسات السلبية التي تقع على الشعوب والأفراد لا سيما النساء. أرى في ذلك استسهالاً  يعفي الباحثين من مسؤوليات البحث أو الاعتراف بالعجز عن بلوغ التفسيرات المنطقية لبعض المظاهر النفس-اجتماعية، لا سيما “الأركاييك” منها. فكما يحفّـز الطموح على بلوغ اليقين، يتطلب التواضع العلمي القبول باستحالته. فاليقين ممكن في الحقول القابلة للتجارب والإثبات مثل الكيمياء أو الميكانيكا. أما في الحقول الإنسانية فقد يستعصي عصيان الإنسان على القوننة المطلقة، نظراً لأنه  كائن على درجة عالية من التعقيد والقابلية للتطور. وعليه ينبغي إخراج البحث في مغزى الممارسات العنيفة من “حصرية” الثقافة البطريركية، والتفكير بدوافع أخرى تتضافر مع تلك، إنما قد تفوقها قَدماً وغموضاً. وإلاّ كيف نفسر أن القارة الإفريقية، الأكثر طبيعية لجهة الجنس كممارسة، هي في الوقت عينه الأكثر تمسكاً بالختان حتى العصر الحاضر، على الرغم من الجهود المتفانية التي تبذلها المنظمات الدولية ؟! النظام البطريركي لم يأت من فراغ بل، ومثل سائر الأنظمة، قد يلغي موروثاً أو يؤكد على موروث سابق عليه وجده أرضية ملائمة يبني عليها ركائزه.

 من المتفق عليه أن المخاوف، لا سيما التي تقترن منها بالغموض قد شكلت المنطلق الرئيسي للانسان البدائي لبناء تصوراته عن العالم وعلاقته به، ولتطوير وسائل الدفاع عن النفس وحماية المجموعة؛ مادية كانت تلك الوسائل أم غيبية. وكلما ازدادت مصادر الخوف غموضاً وجبروتاً تطرف الإنسان في تصوراته بشأنها وتنوعت سبل “مواجهتها” لها. فالمواجهة بينه وبين الحيوان، مهما بلغت من شراسة، تتسم بالوضوح. وضوح يحفزه على تطوير القوة الجسدية وقوة “السلاح” والتكاتف مع الأقران. أما المخاوف الأخرى فلها شأن أكثر تعقيداً؛ لا سيما وأن الجنس البشري قد عانى من غموض مظاهر الطبيعة وجبروتها ملايين السنين، وكان في كثير من الأحيان ضحيتها قبل أن يهتدي إلى تفسيرات “مريحة” ويبني وسائل الحماية الممكنة. تاركا ما يفلت من زمام سيطرته إلى حيّز الغيبيات والابتهالات والأضحيات والتعاويذ. أضحيات كثيرة بشرية وغير بشرية كانت تُقدم إرضاء لهذه الطبيعة وسعياً لتهدئة جبروتها. الطبيعة ليست دائما رومانسية. إن كان من شأن رومانسيتها أن تنعكس على نفس الانسان فتمنحه السكينة، إلا أن جبروتها يثير في نفسه المخاوف ويحفز لديه نوازع العدوانية. وليس من ضروب المبالغة القول إن “غموض” الطبيعة والمخاوف المرتبطة بها هو الينبوع الأكبر لعدوانية الجنس البشري، والمؤجج الرئيسي للمكتسبة منها أو غير المكتسبة.

المخاوف بصورة عامة،الواضح منها والغامض، ودوافع الحفاظ على الأنا والجماعة، والميل إلى معاداة “الآخر” أو إلغائه، رجل ضد امرأةوبمعزل عن مسببات مباشرة أو بيّنة، تتصل جميعها بعدوانية كبيرة اتصالاً تفاعلياً يصعب تحديد بدايته، صعوبة تحديد مصدري البيضة والدجاجة. العدوانية الطبيعية أو شبه الطبيعية، هي الوجه الآخر لرغبة الإنسان في المصالحة والتواصل والتآنس الفردي والتكتل الاجتماعي. وما فنون النظام البطريركي في استخدام العدوانية ضد غواية الجسد، سوى تسخير “الهبة” التي منحتها الطبيعة أو استفزتها لدى الإنسان عبر العصور؛ تسخيرها لصالح أهداف يراها ضرورية لتماسكه وديمومته.

تدعونا أهمية المخاوف في التشكيل النفسي للبشر وتطوير”شخصبة الانسان”، للتساؤل حول مكانها ودورها في علاقة الجنسين: هل إلى جانب الحب والرغبة في التكامل والتآنس هناك بين نوعي الجنس البشري مخاوف أسست لعدوانية بين الذكر والأنثى وتُرجمت في ممارسات عنيفة يقوم بها الإنسان بحق شبيهه أو بحق نصفه الآخر؟ إن كان الافتراض هذا صحيحاً فمن أين تنبع وتتغذى هذه العدوانية؟

عدوانية الجنس: تحالف البيولوجي والثقافي على أرض الأنثى

لا يمكن لأي بحث انتربولوجي أن يتجاهل الواقع الأهم الذي أثر في التاريخ البشري والماثل في الاختلاف البيولوجي بين الجنسين. لهذا الاختلاف مظاهر عديدة لعبت دوراً شديد الأهمية في التاريخ النفسي الاجتماعي للإنسان وفي إثارة قلقه ومخاوفه قبل تمكنه من استيعاب تلك المظاهر، وفهمها  أو “التحكم” بها.

في سياق الاختلاف يبدو لكأنما الطبيعة تآمرت على الأنثى فخصتها بصفات فيزيولوجية لم تلبث أن ارتبطت “بالخطيئة” وجعلت وظيفة التناسل من كبرى مصادر القلق:  فالأنثى، تعجز عن إخفاء العلاقة الجنسية كما الذكر، فهي تحبل وتحمل الجنين وتلده مباشرة من جسدها  فيما الذكر، يلقح دون أن يكابد آثار التلقيح.

ولا نغفل المظهر الثاني للاختلاف الجنسي المرتبط بالأول وهو الدورة الشهرية للوظيفة التناسلية لدى المرأة. لا بد أن هذه، قبل استيعابها وبلورة التفسيرات العلمية بشأنها، كانت أيضا مصدر قلق لا سيما لجهة ارتباط الدم بالعنف واعتبار النزيف من مسببات الموت وانقطاع الدورة من المؤشرات على “الخطيئة”.

أما الاختلاف الثالث فهو عذرية الفتاة.  إذ تبقى العذرية من أكثر مظاهر الاختلاف غرابة. لعلها وحدها أنثى ابن آدم، دون سائر الحيوانات الراقية تحمل عبء  هذه الخصوصية، التي ستغدو في النظام الأبوي، مسؤولية جسيمة تهجس بها القبيلة بأسرها ويقع ثقلها الأكبر على الفتاة نفسها؛ قد تكافأ عليها أو تعاقب. ستغدو العذرية “هاجساً” يؤرق العذراوات، حتى اللواتي لم يسبق لهنّ اختبار الجنس. العنف هو بطانة العذرية. فتمسك الفتيات بالعذرية يوازي رهابهن من العنف الذي يرافق فقدانها. إن كان عنف الفقدان محتمل في إطار الزواج، فقد يغدو كارثياً خارجه. شأنه شأن الحمل: نعمة عظيمة وتبجيل للأم داخل التقاليد، وجحيم للمرأة خارجها. ألا يمهد مثل هذا لانفصام إلى اضطراب مفرط  في علاقة الأنثى بجسدها، وبشريكها؟  واضطراب في تعامل الشريك مع هذا الجسد؟

العذرية، على سبيل المثال وبالنظر لارتباطها بالتمزق هي مصدر عدواني للأنثى كما للذكر. التربية الذكورية “تعالج” هذا العدوان بعدوانية أخرى: الفحولة. فينشأ الذكور في هاجسي الفحولة والإخفاق عن بلوغها. هكذا يأتي الطرفان إلى لقائهما الأول محملان بإرث رهيب واحتمالات تفوقه رهبة؛ يرتعش العريس بعدوانية الفحولة أو برهبة الإخفاق، وعروسه من تمزق مؤلم لحاجزها الطبيعي، يقترن بتمزق رمزي للحصن المنيع الذي شادته الثقافة الموروثه. الحصن الذي لطالما منحها الحماية والقيمة الاجتماعية. “أغلى ما تملك”.  لو تأملنا في طقوس الأعراس لرأينا في احتدامها والمبالغة في جلبتها، عبر الزغاريد ولعلتها التي تحمل من تعبير الفرح قدر ما تحمل من أصداء الحزن والشجن… إضافة إلى ضجيج الدفوف والصنوج والزمامير، لاكتشفنا دورها المضمر: كلها تساهم في تأطير العنف وتمويهه في عنف موازٍ يخفف على الشابين المسكينين من هول اللقاء.

في هذا الصدد يمكن تلمس جذور العلاقة بين العذرية والاغتصاب. أو بالأحرى بين رهاب الذكور  من العذرية وردة الفعل الانتقامية منها. لا ريب في أن هناك دوافع متعددة  للاغتصاب غير ابتغاء اللذة أو عدم  السيطرة على الحرمان من تحقيقها. رجل وامرأة فى الهواءدوافع ذات صلة بالإرث الفردي لجهة التربية الجنسية والعلاقة مع الأم تدفع بالذكر الشاذ إلى اقتناص ما لا يحق له. وهو في ذلك لا يبتغي  المتعة الجميلة ولا التواصل بل تحقيق لذة انتقامية من الأنثى. لا سيما الأنثى العذراء. عذرية فعلية أو متخيلة، اكتسبت  شأنا عظيما في متخيّل المغتصِب والمغتصَبة كما في متخيل المجتمع.  إذا ما كان العريس الفحل رجلاً طبيعياً ومقبولاً من فتاته ومن محيطه الاجتماعي، فالمغتصب ذكر شاذ عنيف ومرفوض من كافة الأطراف لا سيما ممن يقع عليها فعل الاغتصاب. ففيما يحقق الفعل الجنسي في الزواج مجداً ذكورياً ماثلاً في نزع عذرية فتاة هي حلاله، وذلك بالرضى الثنائي والجماعي، يعتدي المغتصب على جسد لا حق له فيه اعتداء هو حالة متطرفة آثمة ومدمرة  للفعل الجنسي ومن يعنى به. من هنا نفهم مقولة فرويد حول الإيروس والتاناتوس في الجنس أي رغبة الحياة والتواصل في الجنس الإيروسي، ودوافع القطيعة والهلاك في الجنس الذي يتلازم و دوافع الأذية. اغتصاب الأنثى هو طلب لذة “تاناتوسية” تتصل بدوافع الموت والتدمير. تدمير الذات والآخر في آن معاً تدميراً تصب رسالته الأخيرة في خانة المجتمع. إنه اغتصاب فردي ضد أنثى لكنه أيضا فعل انتقامي ضد المجتمع الذي يبجل الأنوثة لا سيما الماثلة في العذرية. ذاك الحصن المنيع في المجتمع الأبوي والممتنع على الفحل لا سيما من لم “يتأهل” للزواج.

في تحليله عصاب الأنثى، جعل فرويد عقدة “الخصاء” و”حسد القضيب” مركزية. مركزية تعتم على احتمالات إقامة محاور أخرى ذات شأن في سيكولوجية المرأة. ومقولته أن الفتاة الصغيرة تظن في المتخيّـل أنها كانت تملك قضيباً فقدته. يلفتنا هنا غياب البعد السوسيو -انتروبولوجي عن جذور العصاب الأنثوي. ختان الفتيات مثلا، يضع علامة استفهام كبرى على هذه الفرضية؛ إذ يشير إلى أن الأنثى في المتخيّل الاجتماعي، تملك آداة رغبة وقوة معادلة للقضيب، ينبغي اجتزاؤها.

في هذا الصدد، يبدو تحالف البيولوجي مع الثقافي، كما “جسر مفقود” في نظرية فرويد. جسر، من شأن إقامته تفسير المخاوف الناجمة عن القدرات البيولوجية للمرأة. لو أعار فرويد الاهمام اللازم لختان البنات لظهر  له الوجه الآخر للحقيقة التي “أقصاها” و”خصاها”: ألا وهي الرغبة الدفينة للجماعة في خصي الفتاة خوفا من قدرات رغبتها كأنثى من ناحية وخوفاً من قدراتها كإنسان/ إمرأة من ناحية أخرى.  فالختان “علامة” إخضاع تدمغ الجسد إنما للتتجاوز حدوده البيولوجية إلى مستوى رمزي شديد البلاغة. ولهذا بلا شك علاقة بالقدرة الأكبر للمرأة ألا وهي الإنجاب. تحالف البيولوجي مع الثقافي البطريركي، تم على أرضية الأنثى وعلى خصائص أنوثتها. خصائص كانت جاهزة ليبنى عليها هذا النظام ركائز ثقافته مثل تعظيم العذرية أو الاستمرار في ممارسة الختان.

الأمومة الصارخة والأبـوة  الصامـتة

في العلاقة بين الشريكين، كلا الوظيفتين، “الأمومة” و”الأبوة” تتسم في واقع الأمر بالتأجيل. وحده تحقيق الرغبة حين يحدث يكون الفعل المدرَك من الطرفين. على أن الأمور لن تلبث أن تنقلب رأسا على عقب حين تظهر بوادر الحمل على المرأة وتليها الولادة. هنا أيضا، وقبل الحقبة “الواعية” التي تم فيها إدراك مسؤولية الجنس واستيعاب الذكر أبوته، لعبت الطبيعة البيولوجية في التاريخ النفسي الاجتماعي دورا مركزيا؛ فثمرة تحقيق الرغبة التي لا تظهر مباشرة كانت ولأمد طويل تبدو “أو تعتبر” وكأن المرأة  هي  المسؤولة الوحيدة عنها.

من المتعارف عليه أن الذكر المنجب، في حقبات مديدة من التاريخ الاجتماعي، كان أباً بيولوجياً عابراً في حياة الأمهات والأطفال وأن تأجيل الوعي بالحمل أنتج تأجيلاً آخر هو الوعي بدور الذكر ابوته والاعتراف بها. ويذهب بعض علماء النفس أبعد من ذلك إذ يرجعون “إغفال” المنجِب أبوته إلى طبيعته الذكورية/الاجتماعية في آن معاً؛ حيث يرون أن الأبوة لدى الرجل “مكتسبة” وأن الذكر ليس أبا بالغريزة مثل الأم بل هو أب بالاكتساب؛ الرجل “يصير” أباً، فيما “تكون” المرأة أما بالطبيعة  الغريزة. أمومة تتجلى بالمولود الذي يخرج بالمخاض والألم من رحمها ويحتاج لحليبها وحضنها ليعيش. لكأن الأمومة طبيعة أولى والأبوة طبيعة ثانية و”ثانوية”. ويعزز مفسرو التوراة هذا الافتراض إذ يرون أن كلمة حواء مشتقة من الحياة، لأن الأنثى هي أصل الحياة. وقد ساهمت الطبيعة في “إقصاء” الرجل عن “الأبوة”  وتعزيز تأجيلها أو إنكارها. ويتحدث بعض المحلّلين عن “وظيفة الأب”، كبعد اجتماعي لاحق على البعد الغريزي.(أنظر ملدورف/ وظيفة الأب). ولعل النظام الأبوي ارتبط بإدراك الأبوة التي تأجل الوعي بها والاعتراف  وأُنكرت لزمن طويل. هل يمكننا الاعتقاد بأن لمحورية الأمومة أثاراً عدوانياً على الذكور و الأباء يحفزهم في اللاوعي على معاقبتها؟

عقاب الأمومة واضح وموثق في سفر التكوين؛ “تلدين بالألم”، كانت أولى العبارات التي أطلقها الرب ما أن علم بخطيئة حواء. لعنة “ضريبة مضافة” على ثمن الخطيئة الأساسي الذي سيدفعه الطرفان والذي هو الخروج من خلود الجنة إلى الأرض حيث الموت هو المصير. هذا العقاب “الأنثوي” الذي تجذر في المتخيل الجماعي كثيف المعاني؛ فهو لا يحمل ثمن الخطيئة وحسب بل ويحمل ايضا ثمن الأمومة لجهة إقصائها الرجل من الدائرة الأهم في تاريخ النوع.

في حقبة الغموض وغياب التفسيرات العقلانية لعملية الإنجاب، وغفلة المنجب عن صلته بمن أنجب اكتسبت الأمومة أهمية بقدر  ما اكتسبت من رهبة. لا ريب في أن “القدرة” على الانجاب كانت تبدو أشبه بقدرة “ثانية” على الخلق. ألوهية تجلس المرأة/الأم على عرشها، تجلت بتكريس عدد من الآلهات لا سيما آلهة “الخصوبة”.

على عظمته، بل وبالنظر لعظمته، يلعب الإنجاب في علاقة الشريكين دوراً مهدداً للأب: الإقصاء  من دائرة اهتمام المرأة، إقصاء حاداً في المراحل الأولى من الولادة  ونسبياً في المراحل التالية عليها. ناهيك عن أنه يجعل المرأة أكثر اكتفاء وثقة بدورها كجنس “مستقل” عن الرجل، قادر على التجدد، الخلق وتأمين استمرارية النوع.

تشكل الأمومة مصدر أمان مطلق للطفل لكنها وبالنظر للحاجة المفرطة للأم فقد تشكل هذه ينبوع قلق من فقدانها. الارتهان للأم من كبرى مصادر القلق لدى الطفل عموماً والطفل الذكر بشكل خاص. فهو يستبطن فضل  دورها الوجودي عليه استبطاناً يبهره ولا يسعه التعويض عنه إن فقده، كما لا يسعه القيام به. فيما الأنثى، في تصورها الطفولي لوظيفتها الإنجابية تجد التعويض عن الفقدان عبر تحولها هي إلى أم قادرة على العطاء والخلق والتجدد. وكثيراً ما يؤدي حرمان  الذكور من أمان الأمهات إلى جعلهم، في الكبر، طغاة يميلون للانتقام الذي كانوا يشتهون القيام به في مرحلة “القطيعة” مع الأم أو مراحل الحرمان من حنانها لا سيما عندما تتخذ شخصيتها صفات ذكرية طاغية.

الأمومة (الإنجاب وومرحلة ما بعد الولادة) وظيفتان مركزيتان لم يعرهما مؤسس  مدرسة التحليل النفسي الاهتمام اللازم في تشكيل العصاب ومسار معايشته وتصوراته لدى كلا الجنسين لا سيما الأنثى. على بلاغة نظريته لا سيما بالنسبة لمأسسة “اللاوعي” وتفسير الأحلام، انشغل فرويد وتلامذته بما يسمى بـ”حسد القضيب” عن مسألة جوهرية تتصل بقدرة الأنثى جنسيا على “الخلق الثاني” وانعكاسات هذه القدرة عليها وعلى شريكها في آن معا. حسد القضيب (إذا ما كان صحيحاً وكلياً حسب التوصيف الفرويدي) هو مظهر نفس–اجتماعي طارئ وقابل للتغير؛ على أن الإنجاب يكمن في القدرات الطبيعة التي يستحيل تغييرها وينتج عن هذه استحالته إقصاء الأب وحسده من الانجاب كقدرة على “الخلق”. وغالباً ما تستثير الأمومة نوازع “الارتداد الطفولي” لدى الأب وتثير حنقه من انصراف الزوجة الأم عنه لغرض أكثر إلحاحا وسموا هو ذاك الكائن الجديد. وبل وغالباً ما تثير غيرته من هذا الرضيع الذي يلتهم ثديها ويستحوز على مشاعرها. سيغدو هذا بين ليلة وضحاها هو المحور الذي استبدل به. من ضروب المبالغة لإيضاح فكرة “الإقصاء” أن بعض المعالجين النفسيين، في وصفهم العلاقة بين الجنسين، يشبهون الأنثى بملكة النحل التي ما أن تنال “مبتغاها” تتخلى عن الذكر الذي لقحها .

 الأمومة لدى فرويد تبدو “تابعة” كموضوع للأبوة والبنوة لا وظيفة شائكة ومحورية تستدعي الدراسة والتحليل. ما شغل فرويد بالنسبة للطفل هو علاقة هذا الأخير بها – لا سيما الذكر – وأثر هذه العلاقة عليه خاصة بالنسبة لمراحل “الأوديب”.  على أن تبحر فرويد في العلاقة الثلاثية (الأب الابن الأم) لم يمنح الأمومة الحيز  الضروري لها.

الأمومة موضوع محوري كما ” الإرث الأمومي” بأسره. هذا الإرث الجميل الرهيب والعظيم الموغل في الذاكرة والتصورات الفردية والجماعية، والمفتوح على المستقبل حيث سيعايش تصوراته  الأبناء من الجنسين؛ يستبطنه كل بطريقته وتستبطنه البنات بالتماثل الإيجابي إن كن محظوظات. يستعدن إنتاجه فيزيولوجيا ونفسيا، استعادة تساهم في حال نجاحها في تطوير شخصية الشابة وحل المشكلات النفسية التي ورثتها من العلاقة الأسرية لا سيما العلاقة من أنجبتها وتولت رعايتها أي الأم

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: