مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

ديوان ” عبثا كم أريد ” للشاعر المغربي محمد بشكار:الزهرة حمودان الإدريسي

ديوان ” عبثا كم أريد ” للشاعر المغربي محمد بشكار

 aa

الزهرة حمودان الإدريسي

خاص بالموقع

 يمجد” و عي الغبطة المطلقة”

 في اطار ما عرفته قضية الفكر في الأدب ، من سجال ، كان أغلبه يرفض أن يكون الأدب ” أفكارا يلفها شكل”، يقول كل من رينيه ويليك و أوستن وارين في كتابهما المشترك ” نظرية الأدب” صفحة 117 :” يجب أن لا يستهان بقيمة ما تقدمه الفلسفة أو الفكر العام من أجل تأويل نص شعري”

        هكذا وجدت نفسي أنقاد ، لمفاهيم  تمتح من الفكر و الفلسفة،حين استوقفتني ملامحها، و أنا أقرأ  في ديوان الشاعر محمد بشكار ” عبثا كم أريد ”  . في البدء استقبلني العنوان . مد لي مفاتيح ثلاث ” العبث ” ، كمفهوم فلسفي ، يوجد بأقصى بوابة الفكر المؤدية الي فضاء يتربع فيه اليأس. و ” الكم ” تلك الكثلة المثقلة بالتعدد ، العاكسة للوعي الإنساني في عملية الرصد والقياس الفيزيائي، الموحية  بتعددية قضايا الانتماء المشترك ، جراء تفاعلات الشاعر كذات و كهوية ،مع الانتماء المشترك ، طبقا لعمق وعيه و ادراكه و رؤيته للعالم .كما أن ” الكم” ، تشير الى تعدد موضوعات انشغال الشاعر ، داخل انتمائه المشترك، لهذا كان لا بد أن يأتي البناء اللغوي في القصائد ، منضددا بمفردات معجمية منتقاة بدقة ، قصد تشكيل بناء دلالي/ فني ، يؤطر رؤيته للعالم ، من خلال انتمائه المشترك كذات لكائن بربري/أمازيغي، و كذات ذات انتماء عربي لغة و ثقافة ، فهو في هذا السياق يقول :

    نشيدي الذي خاط بالصوت

   أجنحة للهديل

الى أن يقول :

   يا أنا ما له

   العشق اذ يتغرد ذبحا

   رخيما كما حنجرات الزلازل تشطر

  قلبي لارضين لو اجتمع الطير بنهما

  لتسربني في السماوات منطق

    في الحقيقة مبحث الشق اللغوي في القصائد ،حاضر بقوة . عبره شيد الشاعر هيكله الشعري، الذي أودعه شعلة كينونته و ذاته و هويته. فاللغة في الديوان هي عصب نصوص الديوان الشعرية ، من حيث إشاريتها ، و حمولتها ، ووظيفة استدعاء دلالاتها المرجعية، و اعادة صهرها في قصائد الديوان . هو مبحث غني و مغر،يستحق أن تفرد له قراءة خاصة ، و ما اشارتي اليها الآن ، الا لحمولتها كقيمة جبارة في التعبير، و دورها النظمي، في السياقات و توليد العلاقات ، و بناء الصور الفنية ، و تماسك النص الشعري ، و تشكله.

   ثم تأتي ” الارادة ” كمفهوم لا يوقفه يأس،و لا تقيده كثرة. هي ملمح قوي لذات الشاعر الخالصة من ذوات الآخر . المنبنية من قناعاته و اختياراته كما يريدها ، مهما رآها الآخر مستحيلة.

    ولوجا من صورة الغلاف الأولى ، مرورا بعتبة الاهداء ، وصولا الى الصفحة الأخيرة .

في كل قصيدة أقرأها ، كنت أجدني في ورشة عمل لغوية، حيث تصاغ الكلمات، من جمر كينونة مسكوكة بوعي مثقل بالهم الانساني . القصائد، أيقونات من صلصال لغة ملتهبة. مرصعة بفصوص شعرية، تعكس تلافيف الذات ..يتغلغل بك معجمها اللغوي ، في أبنية  تلمع بألق تخييل يذكرني بأعمدة روما و تماثيلها الجريئة، المحكمة المفاصل، الدقيقة التعابير و المكونات العضوية. التيمات الشعرية الرقيقة ، تتحول في محترف الشاعر بشكار ، الى نيازك و شرارات ، ترمي بشهب الوجود المتحرق.

       الديوان من منشورات ” دار توبقال”، وهو يقع في  ثمانية و ثمانين صفحة من الحجم المتوسط. صورة الغلاف مكونة من ثلاثة أشكال، متداخلة هندسيا، غير أنها محددة الخطوط. الأمر لا عبث فيه ، و لا يأس. لا يغرنكم عبث العنوان.

        اللون المهيمن على أكبر مساحة من الغلاف. يبوح بأسرار حملتني الى تخوم الدهشة . هو لون يحمل في ذراته الضوئية ، امبيريقية بلون الحياة بالفعل. لون يضج بالحراك التفاعلي . يرفض الانسلاخ عن الانتماء المشترك ، الذي سنقابله في ثنايا قصائد الديوان ،ابتداء بالانتماء العروبي ، من خلال قصيدة ” بديع الزماني الهذياني|”، حيث هذه القصيدة تجسد ذات الشاعر الصرفة وهويته ،  المكتسبة من خلال معرفته بالعالم . وهي ذات شاعر بربري له انتماء مشترك مع العروبة. و حتى لا نحرق المراحل ، نعود الى البداية ، الى اللون المشاكس ، المتمرد على  الرمادي لملمح الحزن اللصيق به ،دون أن يسقطه من تكويناته. بينما يأخذ بقبس اخضرار جنيني، يقاوم كي يخترق العتمة. يكسر ظلالها، يتماهى مع الرمادي. يتغشاه. يتغلغل في سداه ، فينسجان معا كينونة الانتماء المشترك . كينونة لذات تتلظى بلهيب الهويات. فالشاعر كما سنأتي عليه ، كينونة مقدودة من طينية الانسان و هشاشتها، و قطر النفس المنفعلة ، المنصهر أحلاما و أوجاعا ، وهموما ، مفعمة برؤية واعية للعالم.

   تشع على مساحة اللون المندغم ،  حروف بيضاء ، مشكلة اسم الشاعر، و عنوان الديوان . حروف تكاد تشبه خيوط الشمس، في يوم غائم. كذلك هو الشعر… يلمع بألقه ، كلما تغضنت الأيام… يشتد لمعانه كلما ارتفعت وتيرة العذابات . يضيء دهاليز النفس.. يوقظ فينا كوامن روحية ، يكاد يغيبها جفاف الواقع الحرج غالبا… و القاتل أحيانا.

    أما الجزء الذي يليه في الحجم، فهو عبارة عن مساحة من فسيفساء، منحوت من ثنائية لوني القسم الأول . نفس اللونين المشاغبين ،اللذين يشوب الواحد منهما الآخر . يناوشان آفاق ما يقلق كينونة الشاعر و ذواته.. لكن هذه المرة،يتبدى البياض ندا له ، باستقلالية صفائه. يتناسل فوق هذا الجزء من الصفحة بنفس الحجم.  يعلن عن ميلاد كينونة من ابداع الشاعر، فكما  البياض هو الأصل في الألوان، فوظيفته في الغلاف ـ هي الأخرى ـ  تجلي  أصالة كينونة الشاعر  الخالصة،في صفاء  ما يسمى عند الفلاسفة بـ ” وعي الغبطة المطلقة” ،أي مرحلة الانعتاق و الولادة من جديد ، و انبناء الذات بخصوصية مميزة ، مع الابقاء على جذور المشترك ، بحضور لون الآخر، ذلك الحيز المشترك مع باقي الكينونات الأخرى. هكذا ينتصب البياض ، يمجد لحظة ميلاد ” وعي الغبطة ” عند الشاعر ،و ينبئ عن وصوله ما يشبه ” الكارما ”  عند شعوب الشرق القديمة ،التي تقول بقدرة الانسان على ايجاد “التناغم بين قيمة الكينونة، و قيمة حقل النشاط الواعي لديه..”،  بها يعلن عن  استحقاقه لكينونة ،  أكسبته  ذاتا ، تتوحد في الشكل مع الأصل المشترك، و تختلف بمميزاتها الادراكية، و ما صاغه وعيها بالوجود.

   هكذا شكل اللونان المهيمنان في الصورة  ـ في تركيبتهما المرتبطة بوجودهما بهذا الشكل ـ  ملمحا سيميائيا ،  يشير الى  موضوع الفكر و الكينونة، اللذين في  خضم  الانتماء المشترك، يساهمان في بناء  الذات/ الهوية

    وتستمر الألوان تنضح بالدلالة. ينبعث اللون البنفسجي متوهجا من بين الثنايا ،  يومض  بشعلة الذات المكتوية بقضايا الهوية  .  مفتاح  آخر ، من شأنه أن يساعد، على فتح  ما تبقى من مستغلقات بوابة الديوان . عندما نكتشف سر اللون البنفسجي ، من خلال ما أجمعت عليه  كل  الحضارات ، انه لون الفلاسفة والحكمة  ، والحلم، و هناك من يضيف حتى الحزن. فندرك كم الأردية التي يتزر بها الشاعر، و كيف أنه  من خيوطها حاك رداءه الخاص الممثل لذاته ولهويته.

ألم يسم ا احدى قصائد الديوان باسم ” ازارية العراء “

يقول الشاعر :

باتزاراتها

 أتعـرى

وأحدس كيف

تعيد الرماد

الى

سامق

النار

كيف

ترمم

في جرة النفس

وهما

الى أن يقول :

قومي على نجد جسمي

الذي نخرته

نمال الجنازات

أنفاق

روح

تفيض

بشيح

يكتوي في عمائمه

الرأس من عبق جبلي

هكذا يعلنها الشاعر صراحة ، من خلال لعبة التضاد و المفارقات في نصوص قصائده ، فذاتيته لم تخضع للتلفيف، الذي هو وظيفة الازارات . بل تخلص منها بالعري ، وهو يرجم الغيب باشتعال جديد لجذوة الذات ، و بترميم جرة النفس ، الى أن تفيض ذاته ،

هوية تعبق ” بشيح يكتوي في عمائمه الرأس من عبق جبلي” و ما الشيح و العبق الجبلي الا رمزان من رموز الهوية المغربية القحة.

    كيف تمكن الشاعر من خلق توازن ذاتي بين ما هو انتماء مشترك ، و كينونته الخاصة في الوجود. و كيف حقق ” وعي الغبطة المطلقة”؟ ذلك ما سنعرفه من خلال تفكيك مصطلح ” وعي الغبطة المطلقة” ، ووحداته البنائية ، و التنقيب عنها في ثنايا النصوص الشعرية للديوان.

      و لنبدأ بالمركب الأول لهذا الوعي :                     

الكينونــــــــــة

      يقول أدونيس ” ان الابداع هوالشيء الوحيد ، الذي يمكن أن يمارسه الانسان بجدارة ، كي يؤسس وجوده في أفق البحث عن الحقيقة و عن المعرفة”، و بما أن هذين المفهومين هما نتاج للنشاط العقلي للإنسان. فاننا سنعمل من خلال الديوان ، على تقفي مسار كينونة، استطاعت أن تؤسس لوجودها من خلال الابداع.

 قصيدة ” في ذئاب الطبيعة ماذا أكون” سؤال حول الكينونة البدائية عند الشاعر؟ سندرج

مقطعا منها، يمثل مشهد كينونة في مرحلتها الطبيعية ، التي تشترك فيها مع باقي الكائنا ت، غير أنها كينونة مائزة بالفكر الذي يمكنها من طرح السؤال الوجودي، لننصت الى حيرة السؤال في هذه الأبيات:

   فِيَّ ذِئَابَ الطَّبيعَةِ؛ مَاذَا أَكُونُ

إذَا أُلْتُ دُونَ عُوَاءٍ

إلَى خَرَسي المُتَلَبِّدِ فِي لَذَّةٍ كَيْفَ

تَشْهَقُ…؟ هَلْ مِجْمَرٌ بالْتِئَامِ

كُسُورِهِ يَشْتَعِلُ؟ وَاليَنَابيعُ مَنْ سَيُرَعِّشُ

كُلَّ رَبَابَاتِهَا غَيْرَ عُرْسِي أَنَا الذِّئْبُ قَلْبُ

الطَّبيعَةِ أَقْلِبُ فِي مُقْلَتَيَّ السَّمَاءَ كَمُحْتَضِرٍ

   كلما ارتفع الوعي بالكينونة ،  ياتي المنتوج الشعري بدرجات عالية من التبصر.  . لتبقى الجمالية الشعرية ، و طرائق البناء الفني للقصيدة ، هي المعبر التي تمر عبره الأفكارـ  المنتجة حول هذا التبصر ـ  الى التماهي و الحلول في  الشعر.

    نأتي الى القصيدة التي بصمت الديوان بختمها الميسمي ” عبثا كم أريد ” . عبثية وجودية مركزة، و عدمية مبررة، ووعي بضياع أحلام ، تبدو للمتلقي مستحيلة بداهة. غير أن الشاعر يبني قصيدته مرثية  ، تمثل أحلامه هو ، كشاعر عنيد. يدرك و يعي . يؤلف بين التضاد…يقلب المعايير… و يترك حبل الحلم على الغارب ،في سياق بحثه عن المستحيلات… عبثا كم أريد… كينونة في علاقة متشابكة مع الانتماء المشترك للكون بكل أبعاد وجوده:  الطبيعي و الانتروبولوجي / الثقافي و الأنطولوجي /العقدي . يقول الشاعر في قصيدته هذه :

    عَبَثاً سَوْفَ أنبُعُ حَيْثُ

أَصُبُّ؛ ( إذَا رَحِمٌ مُقْفرٌ كَقَفيرِ

الْخَلاَءَاتِ تَحْتَ

الْهَجِيرِ. إذَا

آسْتَمْرَأَتْ وَرْدَةٌ

حَيْضَهَا

لِلْوُضُوءِ الْأَخِيرِ.

إذَا آمْرَأَةٌ آحْتَلَمَتْهَا مِنَ

آلثدْيِ كُل الصَّحَارَى،

لِتَرْوِي آلبَعِيرِ )

عَبَثاً كَمْ أرِيد

    فمفردات كـ : نبع ـ خلاء ـ هجير ـ وردة ـ الصحاري ، تحيلنا على البعد الطبيعي في علاقة كينونته بالكون الذي هو جزء منه ككائن عاقل بداية. بينما كلمة حيض ووضوء فهي ذات بعد أنتربولوجي/عقدي  ، يحيل على متخيل الشاعر الخاص، الذي يمتح من مرجعيته العقدية التي هي الإسلام. لتتبوأ ” الأنا” المتكلمة في القصيدة، بعدها الأنطولوجي، الذي يثبت كينونة الشاعر ،  في صراع مع يأسه من القبض على جمرة المستحيل. بمعنى أن الشاعر ،  يمتلك حدسا فوق الحواس و فوق العقل، يؤكد لنا هذه القراءة ،المفضية الى تحقق الكينونة بكونها ” وعي الغبطة المطلق” ، عند الشاعر محمد بشكار ، ما نقرأه في قصيدته ” قال كن فامحى”:

ثم أنهض من بعد

ما اعتجنتني بنشوة نسوتها

كونا

مائلا يستوي

بثمالة أعضائي

…..

…..

كن

بجمرتها

موقدا

أيها القلب

يا هدمة الله في أيسر

حيث تقعي السماء

بجوق لقالق

تخلع في لهبي

بردها

و تطير بدوني أنا قال

كن فامحى…..

بالكينونة يمحى العدم ، و لا وجود لكينونة ، عجنتها التجارب ،وآمنت بالمشترك ، الا اذا قدمت قلبها ، قربانا على مذبح الوجود .    يقول رودلف انجر:  ان الأدب  ـ طبعا بما فيه  الشعر ـ يعبر عن موقف عام من الحياة ، و ان الشعراء عادة،  يجيبون بشكل غير منهجي عن مسائل، هي أيضا موضوعات فلسفية،  سوى ان الصيغة الشعرية للجواب تختلف باختلاف العصور و الأوضاع. *ص120 من كتاب نظرية الأدب للكاتبين السالفي الذكر.

 

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: