مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

القصة القصيرة وأسئلة المسكوت عنه قراءة في ” أحزان الجنة ” ( 1) للقاص المغربي علي الوكيلي

القصة القصيرة وأسئلة المسكوت عنه قراءة في ” أحزان الجنة ” ( 1)  للقاص المغربي  علي الوكيلي

 images[4]

حميد ركاطة

خاص بالموقع

أحزان الجنة عنوان مثير لمجموعة تفرض أكثر  من سؤال حول مفهوم الحزن والجنة نفسها . فإذا كانت نظرة الانسان للحياة محددة وزمنها منتهي ، فإن مصطلح الجنة بفتح الشهية للإطلالة على مفاهيم أخرى من قبيل النعيم والجحيم ..وبالتالي الخلود الذي ضيعه أبو  الانسانية بخطيئته ، وغوايته من طرف الشيطان . فكان النزول نحو الدنيا كعقاب وامتحان ضمن مسار طويل يفرض الطاعة والامتثال للرب ولتعاليمه .

1) الكتابة والتشييد العجائبي

العودة إلى الجنة يفرض المرور عبر امتحان آخر ومرورا بصراط ..فهي كهدف ظلت  كجزاء لما يقدمه لما يقدمه العابر لخالقه ( من طاعات وإيمان وتصديق ..) لتضحى الجنة نقطة وصول ومحطة نهاية لمسار طويل وعسير سيموقع الانسان في مرتبة من المراتب . هذا المسار يوقف ثملات الانسان عن عالم آخر ظل محجوب ومحفور في ذاكرته وحاضرا في سلوكه اليومي كإيمان راسخ ينتهي بنهاية سباق المسافات الطويلة ليتحول إلى كابوس من خلال نص ” أحزان الجنة ”  وما يواجهه البطل في الجنة وتمتعه بنعيمها وخيراتها ، حسب ما وعد الرب يقول السارد ” و مضيت كلما مر خاطر تحول الى ما احبة قريبا من يدي فكرت : اين الجوع والعطش ؟ فأحسست بهما حالا . لكن نهرين من الماء الزلال والخمر مرا بين قدمي فشربت من هذا وذاك ” ص 7

غير أن هذا الطرح سرعان ما سوف يبرز ان الجنة بقدر ما ظلت ملاذا أخيرا سيسكنها جبابرة ومتعصبين وقراء النوايا كما كان الشأن في الحياة الدنيا من خلال ما دار من حوار بين العالم الكبير والسارد ” لم يكتب الله تعالى لعالم أن يفكر في أبعد درجات الصفاء فقد ارتفع الحجاب… ولقينا حبيبنا فقال : فماذا تريد أكثر ؟

 فقلت : هذا النعيم ؟ من أي شيئ ؟ فغضب الرجل وأشاح بوجهه ..عنفني بكلام خرجت بعده من الجنة إلى الأبد ” ص 10

إن غضب العالم بقدر ما  اعاد خطاب الأرض نحو السماء سيحول المكتوب حول الجنة مقترنا بالتسليم المطلق .وعدم السؤال عن الغيب الذي بقدر ما ظل هو الآخر محظورا في الارض صار محظورا أكثر في الجنة . وكأن نقطة الوصول الأول ستفتح  أبوابا أخرى لسماوات جديدة جاء على لسان العالم ” ألم تعتبر بما فعله الشيطان بأبينا آدم وأمنا حواء ؟  أتريد أن ترجعنا إلى دنيا الهم والجوع والعطش ” ص 10

فالنص بقدر ما يقدم منظورا حول الجنة ذاتها يبرز الحزن الذي لف البطل من جراء تعنت بعض قاطنيها وهم لا يزالون يفكرون بمنظور دنيوي وبمنطق أهل الأرض حسب ما بدى من موقف العالم الذي رفع عقيرته بالدعاء ” اللهم إن كان امتحانا جديدا فعفوك ومغفرتك ..ثم انقطع حبل التفكير وأقفلت الأبواب والنوافذ وكوات المفاتيح ” ص 10

إن هذا الرصد أبرز تصورا جديدا للعالم الآخر وقاطنيه يدحض ما ترسب في المخيال الجمعي حول النعيم المطلق من خلال طرح يلفه الشك عبر نسيج سيدخل الرعب في ذات السارد نفسه بعد الانفلات من جبروتها .الخوف في عقلي وقلبي أكبر ، لو نشرت هذا الكلام في الناس ، وقد عاهدت نفسي أن أبقى حبيس دماغي ” ص 11

إن التشييد في النص يبلغ بعده العجائبي ليعري فظاعة العذاب في جهنم وما يعانيه المذنب على يد زبانية النار كما هو الأمر في نص ” ساعة في جهنم ” ص 53  لكن ما يميزه في النص المدروس هو انتقاله من خلال الرصد الموازي بين مفهوم الاحتراق الدنيوي في أجزاء من الجسد وبين مفهومه الأعم والشامل في الآخرة .مفهوم سينتقل بنوع من التوازي بين الحياتين يقول عن الألم على يد خازن النار في طبقات السعير ” النار هنا اكثر لهبا وأكثر إحراقا للجسد …عذاب ليس له مثيل في الدنيا حتى ولو انفجرت قنبلة نووية داخل معدته ” ص 54  ، أما في الطبقة الثانية فالنار مختلفة عما رآه من قبل ، تمتص جسده بسرعة أقل لكن بألم غير مسبوق ، فمن طبقة لآخرى يبرز طرحا  كان يوازيه الحرق الدنيوي الجزئي لعضو من أعضاء الذات بدء بمقدمة النص في فران ” عبد السلام ” ص 53 أو  من لهيب المقلاة ” التي أمسكها بقوة ليغسلها بينما هي حامية ..دهب إلى المستشفى بحروق من الدرجة الثانية وبرأ على تشوهات دائمة في أصابعه ” ص 55

إن هذا التشييد المتوازي كان الهدف منه ابراز هول الاحتراق الذي يعانيه الكافر وقد مهد لذلك من خلال رصد احتراق الشيطان في الطبقة السابعة والذي لم يجحد وجود ربه بل عصى أمره بالسجود  لآدم عليه السلام في حين أن الانسان عصى الله وكفر على عكس الشيطان يقول السارد ” أما أنت فلم تعترف بوجوده عز وجل من الأصل ” ص 61 . ما جعل ساعة في جهنم تعبر عن شيطنة الانسان الكبرى وهو ما جعله يرد بشجاعة ” ايو مننين مقفرينها كون غير تمتعنا فالدنيا بعدا ..وحنا مللي خرجنا للدنيا وحنا هادي حرام هادي حلال ” ص 61

كما نلمس مفارقة أخرى تنبني حول مفهوم لغة  أهل الجنة ” العربية ” في حين أن المذنب كان يتكلم الدارجة المغربية ” نسيت بللي اللغة العربية الفصيحة هي اللغة الرسمية في جهنم ” ص 61

فالنص ينطق مفارقات عديدة ورسائل واضحة عن عذاب سرمدي في الدنيا والآخرة مقترنا بالفعل الانساني فعل يتجاوز افعال الشيطان ومعاصيه التي اقتصرت على العصيان والتمرد .

2) الكتابة بالعين

يبرز نص مشاهد ثلاثية الأبعاد ص 43 الكتابة بالصورة من خلال تقنية الرصد اللصيق لشخوص النص كل على حدا، رصد أبرز واقع مزريا مليئا بالحزن والبؤس ، وهما عنصران بها تكتمل القصة وتتضح معالمها داخل إطار موحد يتختتم بمهشد الدفن

إن العين الراصدة للمشاهد في النص عدسة كاميرا أترث على التبئير حينا أو الرصد من الخلف أو من الأعلى نحو الأسفل أو العكس كدلالة على القهر. تحول أبرز زوايا الالتقاط وبالتالي وضعية كل شخص من شخوص النص في إطار نوع من العلاقات المشهدية التي تبرز ترابطا غامضا ومشاعر متضاربة عبرت عن تشويش ستبرز دلالته من خلال صعود الكاميرا المتحركة في مختلف المشاهد نحو السماء وكأنها صعدت بروح الميت بعد تسجيل أجزاء من وقائع حياة انتهت بموته .

في نص ” يوسف والقطط الحلقة الأولى ” ص 47 يشيد السارد نصا متوترا مفعما بالحوار الداخلي الذي يخلق انفعال الذات بتأثير تخيل ما سيكون حولها داخل بؤرة كتابة توقعية رهيبة تجعل من الهواجس والاستيهامات رافدها الأساسي لتوقع ردود أفعال منتظرة .  فالبطلة ستقوم بخرق المتعارف عليه أسريا واجتماعيا بمحاولتها تغيير مظهرها بشكل جدري أمر سيؤثر كذلك على سلوكها بالتحول من الاستقامة والعفة إلى الاثارة والإغراء إرضاء لنظرة الرجل الذي تحبه حبا جما .

وسنلمس ردود فعل هذا التغيير انطلاقا من تحولات المظهر الخارجي ” أناقة ، سفور ، تبرج ..” وملاحظة انعكاسه انطلاقا من تحديقها في المرآة وما أثاره من انعكاسات داخلية ” قربت وجهها من المرآة وأخذت تنتف حاجبيها لأول مرة تفعل ذلك ، لن يغفر لها أبوها وأمها وإخوتها الأشداء وأخواتها المحتشمات ” ص 147 أو انطلاقا من وازع أخلاقي ديني محض ” هو تبديل لا يغتفر  لخلق الله ” 47 ص  وهو تغيير مقصود سنلمس أثاره على المحيط الخارجي من خلال التفكير في وضعية الشعر ” فكرت أن تجمعه إلى القفا لتتجنب إرتعاشات المتلصصين بالحيطان المنتظرين صلاة العصر ” ص 48 وسيتم الانتقال إلى الملبس بالتفكير في ارتداء تنوره تعصر أردافها وقميصا حريريا يكشف الهضاب العليا لنهديها ” ص 48

إن هذا التغيير سيخلق استيهامات واستشراف لرد الفعل من طرف العشيق و” ستكتشف كيف سيكون وقع المفاجأة عليه ” ص 49

إن تفكير البطل في الفضاء الخارجي سيبرز بلبلة وتغييرا في أوضاع مؤثثاته ونوعا من الفوضى الناتجة عن الاغراء والإثارة ” سيتحرك نحوها كل المتكئين على الحيطان ،والجالسين على الأرصفة ، ويقوم من مقهاه كل من كان يرتشف الأجساد المتقاطعة في الدرب ” ص 49

فالتحول على مستوى الافرازات الناتجة عن التخييل الذاتي للبطلة سيسرع من وثيرة الأحداث بخلق إثارة وفوضى المكان ( الشارع) عن طريق احتمالات ” من المحتمل أن تمضي غير عابئة تدخل الشارع الكبير فتضطرب حركة السير ..ترتفع “أبواب” السيارات ، يرتفع ضغط الدم …يأخذها والي الأمن يعجب بجمالها ويشتهيها بعد أن تطير عقله هو الآخر ” ص 50

إن هذا التوتر سرعان ما سيبرز أن تضخيم الحدث كان الهدف منه العصف بانتظارات المتلقي ” لكنه يهجم عليها ويقطع قميصها من قبل ، ويشهد شاهد من أهلها ..ليس هناك امرأة محترمة تخرج للشارع بهذا الشكل ” ص 51

يوسف والقطط الحلقة الأولى ،  هو نص توقعي محيل على التناص بامتياز ومستشرف للمستقبل بتخيل ما سيكون من خلال حركية سينمائية توهم بواقعية ما يحدث رغم كونها استيهامات بطلة لحظة تحديقها في المرآة .

3 ) السخرية وبؤس الواقع الاجتماعي

أ –  الرجل والجنس ( الجموح)

كتابة  القاص علي الوكيلي هي كتابة ساخرة بامتياز ،  تعري فظاعة الواقع الاجتماعي وتميط الأقنعة عن العديد من القضايا في نص ” منديل صفية ” بقدر ما سيتعرض السارد لواقع الحياة الطلابية البائسة بجامعة سيدي محمد بن عبد الله ومعاناتهم المريرة مع اليومي وهواجسه سنلمس تفاصيل حياة الطلاب بدء من قبض الحوالة الأولى وما تمنحه من إحساس وبالتالي كيفية التصرف فيها بعد ذلك ” مصاريف الكراء السلفات الكبيرة كارني البقال ” ص 14 وهي هواجس تنضاف لآخرى يومية يقول ” ستبدأ بكاسكروط ملحم تنسيك يوميا أو يومين في بصارة شارع الشفشاوني ومن الاكلات الجماعية المطهوة بالقطاني أو البيض والطماطم أو بألوان العلم الوطني ” ص 15

إن الحصول على الحوالة لأول مرة وبأقساط ثلاثة تمنح الاحساس بالتحول في السلوك وتمنح القيمة الاعتبارية للذات ، من خلال الانسياق مع الجماعة المتواطئة بترتيب ليلة ماجنة . وهو ما سيفتح المجال  للحديث عن ” صفية ومنديلها من خلال رصد عالم الدعارة بالهوامش يقول السارد ” وحين تدخلون ذلك الحي  الفقير واطئ البيوت الموجود في مدخل المدينة سينخطف قلبك من شكل النساء اللواتي سيهجمن عليك بأصابعهن الثقيلة وجسارتهن وكلامهم الساقط وأسنان الذهب والفضة التي تحول ضحكاتهم الداعرة إلى رعب غير مطمئن ” ص 15

إن لقاء السارد بصفية داخل بيت الوسيطة التي فاجأه جمالها وصغر سنها حيث سنلمس مقارنة سريعة بينها وبين فتيات فاس  يقول ” صغيرة جميلة دون مساحيق ، شعر أشقر وعينان زرقاوان مثل دنماركية ..اين يوجد مثل هذا الجمال ، فاس بطولها وعرضها وحفيدات المورسكين فيها لن توجد فيها مثيلة لها ” ص 17

فلقاء صفية بقدر ما حرك هواجس السارد الدفينة كالزواج جعلته يقتنع في النهاية بعيوبها من خلال منديلها المنقوع بالمخاط يقول ” وستمسح ارتعاشاتك المجنونة الليل كله في منديل صفية حتى ليغدو ثقيلا كأنه منقوع في حوض من ماء المبيض ” ص 18 وهو ما أبرز كبت سنوات طويلة وبالتالي تسرب عدوى الزكام إليه ” وتذهب صفية في الصباح ، وأنت في أول عطسة تمسح أنفك بمنديلها المنسي لديك ” ص 18

ب – العجز الجنسي

في نص  ” علي بشار” ص 31  سيبرز إشكال العجز الجنسي عند الرجال من خلال مأساة البطل الذي اعتاد تبيت لفافة بين فخذيه لتوهيم الناظر إليه أنه مكتمل الرجولة ، وهذا الأمر بقدر ما حز في نفسه دفعه لزيارة طبيب مختص أبرز من خلال الحوار نزوحه نحو الاقرار بميل جنسي إلى شريك مختلف ‘ الرجال ” في الماضي وعلاقته بقضيبه الذي سبب له متاعب في شبابه من خلال انتصابه وإخراجه مع دويه وأصدقائه. وسنلمس من خلال النص مدى الأبعاد والأفاق في تحليل ظاهرة العجز الجنسي من طرف الطبيب من خلال أسئلة مقلقة جابت أفاق الشذوذ الجنسي والتشبه بالنساء وإدمان ارتداء ملابسهن كنوع من النوازع الخفية والمحبوسة في اللاشعور لكن عواقبها وخيمة وهو الأمر الذي سيدفع إلى التأفف واعتبار الطبيب نفسه غير كفء وبالتالي الاستمرار في محاربة ظنونه الخاصة إلى أن حدث الانتصاب بشكل مفاجئ من خلال التملي في وجه زبائن المقهى يقول السارد”  لكن في المرة الأخيرة التي أعاد إليه آخر نظرة دون قصد ، تحرك ذلك الشيء العجيب بين فخذيه ، تضخم حتى  نفخ سرواله فلامس المائدة أمامه ..في هذه اللحظة وقف ” المخروق ” ثم اتجه إلى الرجل الوسيم فسلم عليه بأدب ” ص 35 وطلب منه مرافقته للمنزل وهو ما أثار ردود فعل مختلفة بين رواد المقهى بين مهلل ومستنكر ومنسحب .

إن هذا النص بقدر ما يقارب ظاهرة نفسية مرضية يعلن عن تفجير للعديد من الطابوهات التي ظلت طي الكتمان ولا يعبر عنها  إلا رمزا أو همسا .

فنص علي بشار هو تحليق في عوالم نفسية محضة وإبراز لكتابة قصصية عبرت عن معاناة الرجل وكشفت أحد أهم همومه في إحساسه بالكينونة والفاعلية بعد انكسار دام أمدا طويلا عمق لديه الاحساس بالدونية والنبذ

ج – الشطط في استعمال السلطة

فالسخرية ستبرز كذلك من خلال نص العمة النافذة كشخصية شريرة وسلطوية مطلقة وقدرة على تغيير موازين القوى وهي عمة غير عادية نظرا لما تسمت به من جبروت ، نصب واحتيال ما جعلها حسب السارد ” تنبعث نسخا متكررة كل واحدة اسوا من السابقة ..يتجدد كل شيء إلى الأحسن إلا هي ” ص 20

وستبرز محنة عم السارد من وجل أعمالها من خلال دفعه مقابلا للتوسط له في قضية عراك مع عربيد انتهت بحبس ابنه لنلمس أثر الحكم الابتدائي القاضي بحبسه لمدة ستة أشهر وهي مدة كافية أن تفقده وظيفته وتقلب موازين حياته يقول السارد ” إذا تحقق تنفيذها عصفت بمستقبله يفقد الوظيفة ..وانتقال الأطفال من التعليم الراقي إلى با بو بي الشعبية وتوقف الزوجة عن الاعتناء جد بنفسها أي إلى جلباب وفولار رديء وربما ووقوف طويل في الموقف ” 23

إن هذا التحول المتخيل لوضع ابن العم كان دافعا لأن يدفع للعمة عن طريق وكيل أعمالها مبلغا ماليا كبيرا ..دون أن يحض برضاها فنصحه قائلا ” هل تريد  نصيحتي ؟ إذهب  إلى العمة بالخمسة ملايين أخرى …لكن إياك أن تذكرها بالخمسة ملايين الأولى ” ص 23

إن دلالة العمة من خلال النص تحولها من شخصية منتظمة ضمن نسيج علاقات عائلية إلى عمة منفلتة بالقوة من هذا النسيج نظرا لما تضمنته الأحداث من خلال توسيع دائرة انتمائها الرمزي كامرأة فوق القانون ، فهي إذا زغبك الله وامتلكت أمامها ما ليس عندها  ، فاتركه قبل أن تشير إلى زبانيتها فلن يمضي عليك زمن حتى تجده انتقل من يمينك إلى يمينها بالقانون والمقدم والقائد والباشا …والشهود والدمغات الرسمية التي لا تكذب أبدا ” ص 21

إنها العمة الكابوس الذي تجثم على أنفاس الخلق بكل مرارة ، هي ” حنظل يصيب الناس عبر  مدفع رشاش  أو قنابل عنقودية ” ص 21

4) الواقع السياسي بالمغرب من خلال نص ” الفصل 19″

أ – الواقع التعليمي

يكتب القاص علي الوكيلي بسخرية سوداء نافذة إلى الأعماق لتفجرها ببكاء ومرارة  كالحنظل ، فأسلوبه الهادر والسلس يسحبك بعيدا دون القدرة على التوقف للوصول إلى نقطة نهاية تتمنى لحظتها استمرار الحكي وهذه الميزة ربما راجعة إلى قوة رصده ونفاده لعمق القضايا السياسية والاجتماعية المعاشة ، ظل بعضها طابوها بالنسبة للعديد من الكتاب وعزفوا عن الخوض فيها بجرأة كافية وموضوعية .

في نص ” الفصل 19 ” يبرز تشييد النص واقع حياة المعلم بالبادية في ظروف جد قاسية . فالوظيفة بقدر ما كانت امتيازا وحلما يمكن صاحبه من الخروج من جحيم وضعه القاسي نحو ضفاف الأمان والسكينة ، سيبرز من خلال النص أن واقع التعليم بالمغرب بقدر ما تتحكم فيه الشكليات والعشوائية هو تعليم صوري عمق ففلسفته الالتزام الفارغ من كل معنى والعمل داخل بنيته تحتية متهرئة لا تستجيب للشروط الانسانية للعاملين في قطاعه .ناهيك عن تحوله لنظام بوليسي يتحكم في ناصيته ثلة من المديرين الذين يؤثرون المراقبة والضبط على المردودية يقول السارد “عن مجموعة مدارس ” من عيبها ألاعيب أن المدير يراقبها كلها رغم الكيلومترات الكثيرة الفاصلة بينه وبينها ” ص 26

كما يبرز النص نوعا من القسوة وصورا من اليومي لحياة معلم البادية وظروف اشتغاله واستقراره ” فصل بدون نوافذ ولا باب ولا سبورة ، الذي يتخذ نصفه للنوم والطبخ ونصفه للتدريس ..التدريس الذي لا يتحقق إلا مع أربعة أطفال ييندثرون مع سقوط الثلوج فيكاد المعلم يموت جوعا وبردا ” ص 20

ب – الواقع السياسي بالمغرب

إن سياق النص بقدر ما اقحم شخص المعلم بأعجوبة لمناقشة الفصل 19 الذي أقام الدنيا وأقعدها سيبرز أن هذا الاهتمام مرجعه قراءة المعلم لجريدة قديمة يقول ” تعجب كيف لم يقرأ خبرا مدهشا ، فعدل جلسته ووجد نفسه في حالة نادرة من الجد والاهتمام كل شيء سوريالي متصل هنا ” ص 27 وهي قراءة كان الهدف منها الفرار من الوحدة والقسوة والعزلة ، ما جعله يقف على مفارقات دولة ونظام من خلال فصل من فصول الدستور الفريد يقول السارد على لسان زعيم تاريخي وهو يناقش سلطان البلاد عن فكرة التناوب ” ايو كيفاش غادي يكون هاد التناوب بلا ما راجعناش هذا الفصل ؟ فقام السلطان من مكانه غاضبا ..وقال ..والله ومازال شي واحد يهضر لي على الفصل 19 يا حتى نعاود ليه الختانة ” ص 28 وسنلمس كيف أن الجريدة التي تحمل هذا الخبر الفريد ستنفلت من بين يديه بسبب ريح صرصر سيتعقبها المعلم التعس في القرى والمداشر القريبة يسأل الناس ” واش ما شفتوش الفصل 19 ؟” ص 29 ليم استدعاؤه من طرف قائد المنطقة الذي وبخه كثيرا مبرزا استياؤه ودهشته ” انت غير معلم درويش ، اش جابك لشي فصل 19 ولا سبع وعشرين ؟ ” ص 29

فنص الفصل 19 هو انتقاد للدستور المغربي القديم رفقة فصول أخرى تمنح صلاحيات كثيرة لملك البلاد وحولت الحكومة المنتخبة لهيأة صورية فاقدة لكل صلاحية وهو أمر عبر عنه السارد ” يكره السياسة لأن السياسي يظهر كذبهم أكثر داخل الفصل 19 كل ما يقال في التلفزيون والراديو يكذبه الفصل الشاهد على مفارقات غريبة كما كلام السياسيين لذيذا كلما تحول إلى حلم في الفصل …” ص 27

على سبيل الختم

عملت مجموعة ” أحزان الجنة ” لعلي الوكيلي على خوض تجريب بدأ من اللغة التي اعتمدت العامية المغربية إلى جانب اللغة العربية ما حول الحكي إلى سرد هادر وأشبه بحكي حريري أحيانا مع اعتماد ضمير المتكلم باعتباره ضميرا أقر على الاختراق والجذب واستمالة القارئ

أحزان الجنة عنوان مثير جدا كعتبة صادمة عملت على خلخلة ثوابت قارة في الذاكرة الفردية أو الجمعية بما ترسب عنها من تمثل سابق ومحدد انطلاقا من الموروث الديني والثقافي وما رسم عنها من سعادة وفرح وبالتالي كدار للخلود وملك لا يفنى  ويتماهى الطرح مع ايقونة الغلاف بما تثيره في نفسية القارئ باعتبارها ايقونة لها فرادتها وحضورها في حكايات الحلقة أو في حضورها بالقوة إلى جانب صورة تحمل اسم الله جل جلاله على جذران بيوت الكثير من الأفراد وهي برمزيتها تشير إلى الخطيئة الأولى لأدم والحية الرامزة لإبليس اللعين ناهيك عن اللون الوردي كلون دال على اثارة انثوية ..

إن سؤال الخير والشر طرح ظل يتأرجح في مفعوله وغدا مستحضرا في الكثير من النصوص بدء من طرد السارد من الجنة وهو يلاحظ أنه ليس هناك بون شاسع بين فقهاء الدنيا وفقهاء الآخرة في استبدادهم وعنفهم وغبائهم ووصوليتهم كما اشتركت بعض النصوص في الحديث عن الخطئية واستباحة الجسد سواء من طرف رجل السلطة اثناء تعنيفه للمعلم أو من خلال نص منديل صفية للجسد الأنثوي واستغلاله المفرط ..أو الاستبداد من خلال نص العمة

فالمجموعة كومة من الأحلام المجهضة والمستنبتة في ارضبة واقع مرير جدا

أحزان الجنة سفر في عوالم قاص تجريبي بامتياز وإشارة لقضايا محظورة سواء سياسيا أو دينيا أو اجتماعيا..ووشم للمجموعة ذاتها التي تعرضت للمنع من النشر بعدما قدمها صاحبها لوزارة الثقافة المغربية .

ـــــــــــــــــــــــــــ

1) علي الوكيلي ” أحزان الجنة ” قصص منشورات الكوليزيوم القصصي  مطبعة الرباط نت المغرب  2012

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: