مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

الحصاد الهزيل للثورات العربية : أبو بكر الدسوقي

الحصاد الهزيل للثورات العربية

 cc

أبو بكر الدسوقي

منذ  قيام ثورات الربيع العربي منذ عامين، انطلقت معها تطلعات الشعوب في مستقبل أفضل، يسوده  العدل، والحرية، والعزة، والكرامة، بعد عقود من الهوان والاستبداد. لم تكن هذه الشعوب مدفوعة للثورة بإغراءات الخارج، أو مطامع الداخل، لكنها كانت مدفوعة بالغيرة علي الأوطان التي نُهبت تحت براثن الفساد والمحسوبية، وتعاطفا مع الأبناء الذين امتهنت كرامتهم في الداخل والخارج، بحثا عن سبل الحياة الكريمة، في حين استأثر رعايا السلطة بكل المزايا والفرص الكبيرة.

وقد أدى ذلك إلى حالة غليان مكبوتة، فجرها التونسي محمد البوعزيزي، الذي لم يجد ما يثور به علي الظلم إلا حرق نفسه، ولم يكن يدري أنه بفعله هذا سيحرق الطغاة، ويحرك الشعوب، فإذا بالميادين تمتلئ بالأحرار، وإذا بالنظم الخائرة تتساقط كأوراق الخريف، الواحدة تلو الأخرى، وإذا بالربيع الواعد يمنينا بأفضل الأوطان. وبدأت عجلة التغيير، ومر عليها عامان، لكن حصاد الربيع بدا هزيلا، مقارنة بما كانت تصبو إليه الشعوب.

فمن الناحية السياسية، كان المأمول من نظم الحكم الجديدة أن تسعي سريعا نحو إعادة بناء النظم والمؤسسات، وإدارة عملية التحول الديمقراطي كجزء من عملية إعادة بناء الدولة، في إطار من التوحد الوطني والرضا الشعبي المستند إلى حكم القانون، أي بناء الدولة الديمقراطية الحديثة علي نحو ما فعلت الدول المتحولة في أوروبا الشرقية، وتحقيق النهضة الاقتصادية، علي نحو ما فعلت الدول الناهضة في جنوب وجنوب شرق آسيا، الأمر الذي يؤدى إلى تحسين الأحوال المعيشية للشعوب، وتخفيف وطأة الفقر، وتحقيق العدالة الاجتماعية.

مجمل القول: كان المأمول أن تستجيب النظم الجديدة -ولو نسبيا-  لثورة التوقعات العربية والآمال الكبيرة التي فجرتها ثورات الربيع. لكن التطورات صارت علي أرض الواقع علي نحو يخالف المأمول، رغم أن بعض الدول أخذت خطوات إيجابية كبري مثل مصر، (انتخابات تشريعية نزيهة للمجلس التشريعي بغرفتيه، انتخاب رئيس الجمهورية، تفرغ الجيش للقيام بمهامه بحفظ الأمن القومي للبلاد وخروجه من المعترك السياسي).

ورغم هذا التقدم، فإن التجربة في مصر وقعت أسيرة  الجدل والخلاف والانقسام بين القوي الثورية، فقد كانت السمة الرئيسية التي أسهمت في نجاح الثورات هي”حالة التوحد” التي  جمعت بين كافة الفرقاء في جميع الميادين. ومثلما كانت السبب في النجاح، فيبدو أن غيابها أصبح سببا في التعثر والإخفاق، فقد تعرضت حالة التوحد هذه إلى حالة من التفكك والانقسام والتنازع علي السلطة. تحقق ذلك في مصر بين التيار الإسلامي الحاكم الذي يمثله حزب الحرية والعدالة، المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، وحلفاؤه، وبين المعارضة المدنية الليبرالية والعلمانية. وبينهما، يقف قطاع كبير من شباب الثورة، منتقدا ما آلت إليه الأمور. فعقب نجاح الانتخابات الرئاسية، بدأ الخلاف حول الإعلان الدستوري الذي أصدره رئيس الجمهورية.

وعَّمق من هذه الحالة الجدل الذي  حدث حول الدستور. ومع حلول الذكري الثانية للثورة، تجددت المظاهرات والاحتجاجات، واستشري العنف في الشارع المصري علي نحو غير مسبوق، وكأنه أصبح مثل كرة اللهب، تتقاذفه المدن والجماعات (من القاهرة للإسكندرية، من ميدان التحرير للقائد إبراهيم، من المحلة الكبري لمدن القناة، من محيط القصر الجمهوري إلى محيط مقر الإخوان المسلمين بالمقطم، من رابطة مشجعي المصري لرابطة مشجعي الأهلي). ومما زاد من حدة هذه الحالة الانفلات الأمني الذي تمر به البلاد،  فكانت النتيجة الحتمية أن فشلت كل مبادرات الحوار الوطني للخروج من هذه الدائرة الجهنمية، بسبب التحزب، وعدم المرونة، وعدم الثقة في جدوى الحوار. وبين هذا وذاك، تستغل قوي الثورة المضادة حالة الاختلاف هذه لتحقيق مآربها في إفشال الثورة، الأمر الذي جعل مصر، الدولة المركزية الكبرى في الإقليم، علي شفا الإفلاس، وصار شبح الدولة الفاشلة يحوم حولها، مهددا بانهيار ركائزها.

ولا يختلف المشهد في تونس كثيرا عنه في القاهرة، إذ ساده الانقسام والصراع السياسي أيضا بين قوي الثورة، بعد رصد مؤشرات حول تزايد نزعة الهيمنة الكاملة من قبل الائتلاف الحاكم الذي تتزعمه حركة “النهضة” علي مجمل العملية السياسية. فحتى عندما دعا “حمادي الجبالي”، رئيس الوزراء التونسي، الأمين العام لحركة النهضة، إلى تشكيل حكومة من الكفاءات المستقلة، باعتبارها الطريق الوحيد لإنقاذ البلاد، رفضت الحركة ذلك، واضطر لتقديم استقالته في 19 فبراير 2013،  وتم تشكيل حكومة جديدة برئاسة “علي العريض”، اتهمت بأنها إعادة إنتاج للائتلاف الحاكم، مع تحييد للوزارات السيادية، وأنها حكومة “ترضيات”، وتطالب المعارضة بضرورة عقد مؤتمر للإنقاذ، فيما تواجه الدولة إشكالية بروز التيار السلفي المتشدد المتهم بالقيام بأعمال عنف، تعجز الدولة عن مواجهته.

أما الثورة السورية، فقد وصلت إلى مفترق طرق، فقد عجز الثوار عن إسقاط نظام بشار الأسد بسبب الدعم الروسي والصيني والإيراني، في حين رفض الغرب التدخل العسكري لمساندة الثوار، علي نحو ما فعل في ليبيا، خشية أن يؤدي التدخل إلى حرب إقليمية كبري،  فإذا بالثورة السلمية تنقلب إلى حرب أهلية بسبب جنوح النظام السوري إلى الاستخدام المفرط في العنف، وكانت النتيجة هي تدمير الدولة السورية، ومقتل ما لايقل عن سبعين ألف مواطن، وتشريد قرابة المليون.

أما في ليبيا، فالدولة لا تزال عاجزة عن بسط سيطرتها الأمنية، وتنفيذ سياساتها، في ظل سيادة حالة من الجدل المستمر حول قانون العزل السياسي لرموز النظام السابق، الأمر الذي تسبب في وقوع العديد من الاضطرابات، منها حصار المؤتمر الوطني من قبل مجموعات من المطالبين بالعزل، وتعرض رئيس المؤتمر، محمد المقريف، لمحاولة اغتيال وخروج مظاهرات مطالبة بتفعيل الجيش والشرطة، والتخلص من الميليشيات المسلحة. وتشير هذه الأحداث إلى أن الثورة الليبية لم تستكمل أهدافها بعد، ولم تتجاوز حالة المراوحة في المكان.

وفي الحالة اليمنية، لم يخرج الأداء فيها عن الأداء العام في دول الثورات، فلا يزال يواجه اليمن الكثير من التحديات، أبرزها إعادة  بناء مؤسسات الجيش والأمن، وضمان حيادها. وقد دعا الرئيس اليمني أخيرا إلى الحوار الوطني، تمهيدا لوضع المبادئ العامة للدستور قبل بدء الانتخابات المقررة في عام 2014.لذا، فالمشهد السياسي العام في دول الثورات ينحصر في في طغيان الصراع الداخلي، وسيادة حالة من العجز في إدارة التحول الديمقراطي.

وعلي المستويين الاقتصادي والاجتماعي، كانت المطالب الأولي للثورات العربية اقتصادية اجتماعية في المقام الأول، وكانت تنحصر في القضاء علي البطالة، ورفع الأجور، وتحقيق العدالة الاجتماعية، والسيطرة علي أسعار السلع والخدمات. لكن يبدو أن تطورات الثورات قد أحدثت آثارا سلبية علي الاقتصاد نتيجة العامل الأمني المتدهور، وانعكاس ذلك علي قطاعات الاستثمار، والسياحة، والمصارف، وأسواق الأسهم في مصر وتونس، والنفط في ليبيا، ولذا كان تراجع الإنتاج، والانخفاض الحاد للنمو الاقتصادي في هذه البلدان. أفضي كل ذلك إلى أزمة مالية تمثلت في نقص السيولة، وعجز الموازنات العامة، فضلا عن أزمات  مستمرة في نقص الطاقة، والوقود، وارتفاع معدلات البطالة. ومن هنا، جاء مسعي مصر إلى تجديد محادثاتها مع صندوق النقد الدولي لإتمام صفقة القرض الذي يبلغ نحو 4.8 مليار دولار، من خلال اللجنة الفنية التي زارت القاهرة في النصف الأول من أبريل 2013، في محاولة لتخفيف حدة الأزمة، رغم ما يطرحه الصندوق من شروط صعبة.

ومن جانبها، عجزت حكومة الثورة التونسية عن إيجاد حلول لمشكلة البطالة، أو إحداث إصلاحات في مجال العمل، أو حتى تحسين الخدمات العامة. أما سوريا، فقد لحق التدمير بمعظم بنيتها التحتية. ولذا، فلا مجال للحديث عن الاقتصاد السوري، بعد أن أصبح البحث عن لقمة العيش جزاء من الصراع علي الموت.ويبدو أن هناك غيابا للرؤية الاقتصادية الشاملة للحكومات حول المجالات التي تهم المواطن الآن.

الخلاصة، في هذا الإطار، أن دول الربيع العربي بعدما نجحت في إحداث التحول الكبير بإسقاط النظم المستبدة، علقت في نفق مظلم من الاختلاف والتنازع السياسي، ودارت في حلقة مفرغة من ضعف الأداء العام، والعجز عن الوفاء بالمتطلبات الاقتصادية العاجلة للشعوب. وربما كان من المفيد، لتجاوز هذا النفق، الرجوع إلى حالة التوافق الوطني، أو “الائتلاف الوطني” -وفقا لما اقترحه الدكتور بهجت قرني في مقاله المنشور بهذا العدد- لتجاوز تحديات هذه المرحلة، وصولا لبر الأمان.

علي مستوي النظام العربي، فقد ترتب علي الثورات حالة من عدم الاستقرار الداخلي، أدت إلى تراجع السياسات الخارجية للدول العربية تجاه العالم والإقليم. فقد أصبحت هذه الدول عرضة لمزيد من الاختراق من جانب القوي الإقليمية، خاصة إيران، وتركيا، إيران بدعمها للنظام السوري، ومحاولة نشر نفوذها في المنطقة، وتركيا بدعمها للثوار السوريين، وانخراطها  الإيجابي مع باقي الدول العربية، في إطار توظيفها لمصادر قوتها الناعمة، ورغبتها في استعادة نفوذها  السابق في مناطق الخلافة العثمانية. من ناحية أخري، تزايد التدخل الدولي في مسار الثورات العربية، وهذا ما يحلله الدكتور محمد السيد سليم في دراسته المهمة “أثر الربيع العربي علي مستقبل النظام الإقليمي العربي”.

وقد أسفرت ثورات الربيع العربي عن وجود تفاعلات بينية جديدة بين دول الخليج العربي ودول الثورات العربية، وصفت في ملف هذا العدد بـ “الاشتباك”، تعبيرا عن الأدوار المختلفة التي قامت وتقوم بها دول الخليج في تفاعلها مع الثورات العربية. وتنبئ  هذه الأدوار بمكانة جديدة لهذه الدول في الإقليم العربي. كما كانت هناك استجابة خليجية لتطورات الربيع العربي -خشية انتقال العدوى إليها- الأمر الذي تبلور في شكل إصلاحات سياسية، واقتصادية، واجتماعية.

من ناحية أخري، أسفرت تطورات ما بعد الثورات عن وقوع بعض التوتر أو الفتور في العلاقات بين مصر ودول الخليج، وهي العلاقات التي كانت، ولا تزال، تتسم بالتميز والخصوصية، وذلك بسبب ما أشيع حول توجه مصر بعد الثورة نحو الجارة الإقليمية إيران، أو بسبب تعاطف هذه الدول مع الرئيس السابق. كذلك الخلاف الذي أثير حول “خلية الإخوان” في الإمارات العربية. لكن العلاقات بين هذه الدول أكبر من كل الخلافات، فهي علاقات حددها التاريخ، ورعتها الشعوب، وهذا ما تبينته بالفعل من خلال مشاركة في أعمال منتدى التواصل الحكومي الذي نظمته إمارة الشارقة في الفترة من 24 إلى 25 فبراير، فقد لمست مدي التقدير الذي يوليه شعب الإمارات لمصر والمصريين، وأنهم “يحفظون لمصر جميلها”، علي حد قول أحد كبار المسئولين بالشارقة. ومن ناحية أخري، لمست مدي انزعاج المصريين العاملين هناك من أي توتر قد يشوب هذه العلاقات الوثيقة.

لكن رغم التطور الإيجابي الكبير الذي أحدثته الثورات، متمثلا في إسقاط النظم السابقة، وصحوة الشعوب، وكسرها لحاجز الخوف، وتزايد قدرة الرأي العام علي توجيه الأحداث  وغيرها، فإن التساؤل يظل مطروحا: لماذا كان الحصاد هزيلا؟

من الصعوبة بمكان تحديد أسباب ذلك في هذا الإطار، ولكن يمكن الإشارة لبعض من هذه الأسباب، منها اختلاف المرجعيات. فإذا كان إسقاط النظام هو الهدف الذي وحد القوي السياسية في الميادين، فإن كل فصيل منها له مرجعيته الثابتة والمختلفة عن الفصائل الأخرى، وقد رأي كل منها أنه إزاء فرصة تاريخية لتحقيق أهدافه، وتطبيق مرجعيته علي أرض الواقع، مع إصرار الجميع علي أن تكون المعادلة صفرية، مع أنه يمكن الوصول لمعادلة الحل الوسط. من ناحية أخري، أثبتت الأحداث أن السياسة هي التي تقود الاقتصاد، فالانهيار الاقتصادي الحادث مرجعه غياب الاستقرار السياسي، وأنه بدون هذا الاستقرار لن تستطيع هذه الدول تحقيق أهدافها علي النحو الذي ترغبه. وبكل تأكيد، هناك أطراف خارجية لديها مصالح خاصة في استمرار حالة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، حتى تظل هذه الدول أسري للقرار الخارجي. ولا يخفي علي أحد ما تقوم به قوي الثورة المضادة من جهود كثيفة لتأزيم كل التطورات، وإفشال تجربة الثورات العربية. وأخيرا، فقد مضي عامان فقط علي ثورات الربيع العربي، وهذه الفترة في عمر الثورات تكاد تكون قصيرة جدا، ولكنها في ذاكرة الشعوب تبدو وكأنها الدهر، قياسا بما تتكبده هذه الشعوب من خسائر وتضحيات.

تعريف الكاتب:

رئيس تحرير مجلة السياسة الدولية، مؤسسة الأهرام

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: