مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

الأدب الرقمي يشاهد ويسمع ويقرأ معا يحدث ثورة شاملة تنتج أدبا جديدا

الأدب الرقمي يشاهد ويسمع ويقرأ معا يحدث ثورة شاملة تنتج أدبا جديدا

tchattt 

تحقيق : حسن سلمان

أدباء و نقاد عرب يتوقعون زوال الأجناس الأدبية التقليدية .. و ظهور أجناس جديدة من رحم الثورة الرقمية. .. ثمة أسئلة كثيرة تثار الآن حول مستقبل الأدب الورقي أو المطبوع في ظل ولادة نماذج أدبية جديدة ذات طابع رقمي بدءا بالرواية التفاعلية، ومرورا بالرواية الرقمية ورواية النص المترابط، وانتهاء برواية الواقعية الرقمية.

فمنذ أن أصدر ميشيل جويس أول “رواية تفاعلية” في العالم بعنوان “الظهيرة، قصة” أو عام 1986، مستخدمًا برنامجا خاصا بكتابة النص المتفرع، توالت بعد ذلك الروايات التفاعلية في الأدب الغربي، وظهر ذلك جليا في تجارب مثل بوبي رابيد في الرواية التفاعلية وروبيرت كاندل في الشعر التفاعلي.

واستمر الأدب الرقمي بالتطور، مستثمرا كل ما يستجد على الساحة التكنولوجية لنشهد ولادة أدب “الواقعية الرقمية” علي يد الروائي والناقد العربي الأردني محمد سناجلة من خلال روايته “ظلال الواحد” التي تبعتها عدة تجارب روائية روايتي “شات” و “صقيع”، إضافة إلى كتاب تنظيري في الواقعية الرقمية تحت عنوان “رواية الواقعية الرقمية”.

غير أن تلك التجارب الرقمية الجديدة قوبلت برفض شديد من قبل دعاة القدامة في العالم العربي المتمسكين بالنسخة الورقية، حيث اتهم هؤلاء دعاة الأدب الرقمي بتقويض أركان قرون كبيرة من الكتابة الورقية، وإنتاج أدب بلا مشاعر إنسانية، بل ذهب بعضهم إلى وصف الأدب الرقمي بالخرافة، وبأنه “زوبعة في فنجان” لا تلبث أن تزول لصالح الأدب الورقي الأصيل، في المقابل توقع الرقميون زوال الأدب الورقي ونسخه المطبوعة لصالح الأدب الرقمي ابن الثورة التقنية المتسارعة التي تجتاح العالم.

إشكالية وجود أدب رقمي

يقول الناقد المصري د.سعيد الوكيل في مقال له نشر في صحيفة أخبار الأدب بعنوان “خرافة اسمها الواقعية الإلكترونية”: “النوايا الطيبة لا تكفي لأن تصنع نوعا أدبيا جديدا! أقول هذا ليكون تعقيبا مبدئيا – لا يخلو من مرارة – علي ما دأبت عليه الصحافة العربية (المطبوعة والإلكترونية) – في الفترة الأخيرة- من مطالعتنا بالتبشير بميلاد أدب عربي جديد وبداية عصر الواقعية الإلكترونية، وبأن بعض أدبائنا اخترع في إبداعه الأدبي تقنية رواية الواقعية الرقمية، بل وصل الأمر إلي حد الإعلان عن الحاجة إلي مدرسة نقدية توائم بين أبجديات النقد التقليدي، وتقنيات الكتابة الرقمية بأدواتها الحديثة، والتي تشكل الكلمة إحدي عناصرها فحسب، وهذه كلها لعَمْري أضغاث أحلام”.

فيما يقول الأديب السوري حسين سليمان في مقال له بصحيفة القدس العربي عن تجربة الواقعية الرقمية تحت عنوان “محمد سناجلة والكتابة الرقمية وتغييب مفهوم الأدب”: “لقد غمرني إحساس حين قرأت عن التجربة منذ حوالي سنتين مرفودا مع احد المقاطع من الرواية الرقمية التي كتبها الكاتب أن هناك قصورا في إدراك ماهية الأدب باعتباره يقوم علي الكلمة المكتوبة فقط إن كانت على الشاشة أم علي الورق ـ فالكلمة المقروءة وفي اضعف حالاتها (المسموعة منها) هي ما يقوم عليها الأدب. الأدب ابن الميثولوجياـ السحر الذي قام بالأصل علي الكلمة، وليس علي الكلمة والصورة كما في كتب الأطفال التي تساعد علي فهم الكلمة عن طريق استخدام الصورة”.

ويشير سليمان إلى الإجحاف الكبير الذي تلقاه الأعمال الروائية حين تتحول إلى السينما، مشيرا إلى أن الكمبيوتر والإنترنت ليسا سوى أدوات ووسائل للكتابة فقط، كما أن السينما وصناعة الانميشن سابقة لصناعة الكومبيوتر وبالتالي فان “التسمية التي يطلقها سناجلة على عمله هي تسمية غير دقيقة، ليست رقمية، ليست ديجتال، كل ما يفعله هو استخدام آلة الديجتال وكان من الممكن استخدام استوديوهات الانالوج القديمة التي كانت تعتمد عليها السينما في ثلاثينيات القرن المنصرم. ان الفكرة الأساسية هي ادماج الصورة والصوت والحركة مع الكلمة”.

ويضيف: “ان قبلنا بهذه الأفكار كلها فسوف يتم اذن التفكير في فتح كليات ومعاهد تدرس الآداب وهندسة البرمجة والسينما وتضع الجميع في سلة واحدة، هي كلية الآداب الرقمية. الفكرة كلها علي ما يبدو جديدة ومفاجئة فلماذا لا يتم البحث عن طريقة للحصول علي براءة اختراع، تـُحمل الفكرة ويُذهب بها الي الغرب لنزع براءة اختراع قبل أن يفطن اليها الغرب؟!”.

من جانبه يشبر الروائي والناقد د.محمد سناجلة إلى وجود نية مسبقة لدى بعض الأدباء والنقاد للنيل من الأدب الرقمي وبشكل خاص مصطلح “رواية الواقعية الرقمية” وما يندرج تحته من كتابة، مشيرا إلى أنه تعرض منذ صدور روايته الرقمية الأولى “ظلال الواحد”، لهجوم شديد من قبل عدد كبير من الأدباء والنقاد الذين أصدروا أحكاما مسبقة، دون أن يكلفوا أنفسهم بقراءة أعماله.

ويؤكد سناجلة أن العصر الرقمي الجديد أحدث ثورة كاملة في المفاهيم والسلوكيات البشرية، مشيرا إلى أنه في ظل وجود “مجتمع جديد وإنسان جديد وأخلاق جديدة وطرق تواصل واتصال مختلفة وجديدة كل الجدة”، فإنه لا بد من وجود “أساليب كتابية وإبداعية جديدة ومختلفة لتعبر عن هذا المجتمع وإنسان هذا المجتمع، ومن هنا جاء “أدب الواقعية الرقمية” الذي أرى انه الوعاء الأنسب للتعبير والقول والفعل الإبداعي”.

ويشير سناجلة إلى قيام العديد من الجامعات الغربية الآن بتدريس الكتابة الإبداعية الرقمية، فضلا عن وجود برامج تقوم عليها كبريات الجامعات الأميركية مثل “جامعة ييل”، التي أنتجت برامج متخصصة بالكتابة الإبداعية للكتاب الرقميين.

ويرفض اتهام البعض له بإنتاج أدب بلا مشاعر إنسانية، مشيرا إلى أن رواية “ظلال الواحد” هي “رواية حب مكسور، ورواية “شات” هي رواية البحث المستحيل عن الحب، بل إن الرواية كلها تدور تحت سماء غرفة افتراضية اسمها “مملكة العشاق: وطن الحب والحرية”، وكذلك الحال مع “صقيع”، أنا لم اكتب إلا عن الحب وللحب فكيف تغدو كتابتي بلا مشاعر أو أحاسيس؟”.

فيما تؤكد الناقدة د. زهور كرام أن “الإنخراط في الأدب الرقمي هو مطلب حضاري بامتياز، وليس نزوة أو موضة أو شئ من هذا القبيل. والمسألة محسومة معرفيا وثقافيا وأنتروبولوجيا. فبالعودة إلى مختلف الأشكال التعبيرية القديمة والحديثة أيضا، سنلاحظ أنها وحدها التي عبرت عن قدرتها على احتضان معنى وجود الإنسان في كل مرحلة تاريخية”.

وتضيف: “الشعوب تترك معنى وجودها وكينونتها من حكيها. وكلما اختلفت وسائل التعبير، كلما وجد الإنسان أشكالا كثيرة لترميز حياته وتصوراته وإدراكاته. ويكفي أن نشير في عجالة إلى بعض مظاهر الإستعمار الذي يركز على ضرب الوجدان من خلال ضرب متخيل الشعوب. كل مرحة تاريخية يحق لأفرادها أن يعبروا بواسطة الإمكانيات والأدوات المتاحة. لأن تلك الإمكانيات ليست مجرد وسائط، وإنما تعبر عن شكل تفكير المرحلة”.

وتشير كرام إلى أن أهمية محمد سناجلة تكمن في كونه أنتج نصوصا رقمية خلقت مناخا من النقاش والجدال حولها، وحول حدود الإبداعي فيها، وحاجة الإبداعية العربية إلى مثل هذه التجربة، إضافة إلى كونه بدأ يراكم النصوص، مما يعني أن التجربة عنده لحظة إبداعية حقيقية، وليست مسألة حتمتها دهشة التكنولوجيا الحديثة.

وتضيف: “سيحتفظ تاريخ الإنتاج الإبداعي الرقمي في الثقافة العربية للكاتب الأردني محمد سناجلة بجرأة الإنخراط في ثقافة ماتزال تحتاج إلى التحسيس، باعتباره صوتا شرخ الصمت على هذه الإبداعية الجديدة، وملأ البياض في هذه التجربة بنصوصه الإبداعية التي أمست مرجعية في التعرف على تجربة النص الرقمي الإبداعي في المشهد العربي”.

غير أن كرام تؤكد وجود إشكالية في تجربة النص الرقمي، تتمثل في عدم وجود نصوص كثيرة تسمح بوجود تفكير نقدي مفتوح على تجارب النصوص، مبدية خشيتها من أن يسبق التنظير الإنتاج الرقمي، وهي “مسألة قد تجعلنا ندخل فيما يمكن أن أسميه بافتعال نص رقمي، أي كتابة نص وفق التنظير، مما قد يبعد عنه لحظته الإبداعية. وهذا يحتم على كل المبدعين العرب الذين لديهم علاقة مع التكنولوجيا الانخراط في هذا الوسيط التكنولوجي والإبداع من خلاله.

سمات الأدب الرقمي

يميّز الناقد د.محمد أسليم بين “الأدب الرقمي” و”الواقعية الواقعية”، مشيرا إلى أن الأول هو “نوع من الإبداع يوظف الحاسوب في كتابة النصوص وإمداد المؤلف ببرامج تُثمر نصوصا يتوارى فيها الوضع الاعتباري للمؤلف على نحو ما هو متعارف عليه وتختفي فيها الحدود التقليدية بين القراءة والكتابة”، في حين أن المصطلح الثاني هو من إنتاج الروائي محمد سناجلة وهو جزء من مصطلح الأدب الرقمي الأشمل.

ويضيف: “تجربة سناجلة تبقى رائدة في العالم العربي بالنظر إلى أنه أصدر ثلاثة أعمال لحد الآن، وله رابع قيد الإنجاز.. وكلها نصوص يتداخل فيها السردي بالشعري، ما يعني أنه شق طريقه في الأدب الرقمي، بخلاف أسماء عربية أخرى تراوح تعاملها مع هذا النوع من الكتابة بين التجريب الذي أفضى إلى إنتاج عمل واحد لا غير على نحو ما نجد عند د. أحمد خالد توفيق صاحب قصة “ربع مخيفة” ومحمد اشويكة صاحب نص “احتمالات”، والعراقي مشتاق معن صاحب قصيدة “تباريح رقمية لسيرة بعضها أزرق”، ومنعم الأزرق الذي لم تتحرر قصائدة الرقمية من المنتديات بعد”.

فيما يعرف سناجلة نظرية الواقعية الرقمية بأنها “تلك الكتابة التي تستخدم الأشكال الجديدة (اللغة الجديدة) التي أنتجها العصر الرقمي، وبالذات تقنية النص المترابط (الهايبرتكست) ومؤثرات المالتي ميديا المختلفة من صورة وصوت وحركة وفن الجرافيك والأنيميشنز المختلفة، وتدخلها ضمن بنية الفعل الكتابي الابداعي، لتعبر عن العصر الرقمي والمجتمع الذي أنتجه هذا العصر، وإنسان هذا العصر، الإنسان الرقمي الافتراضي الذي يعيش ضمن المجتمع الرقمي الافتراضي وهي أيضا تلك الكتابة التي تعبر عن التحولات التي ترافق الإنسان بانتقاله من كينونته الأولى كإنسان واقعي إلى كينونته الجديد كإنسان رقمي افتراضي”.

من جانبها تعترض الناقدة د.عبير سلامة على مصطلح “رواية الواقعية الرقمية” الذي يطلقه سناجلة على نتاجه الجديد، مشيرة إلى أن مصطلحات مثل “الواقعية” و “الرومانسية”، هي “تصنيفات تقليدية (ما قبل رقمية) لها فلسفتها وتقنياتها المختلفة تماما عن فلسفة “الرقمية” وتقنياتها، والجمع بين الاثنين في سياق واحد خلل واضح قد يفسره جدة الاصطلاح وحيرة الأدباء والنقاد معا في تحديد مفهومه وضبط نشاطه”.

وتضيف: “الرواية اليوم إما أن تكون ورقية وإما أن تكون رقمية، والرواية الرقمية مظلة عريضة تنضوي تحتها أشكال متنوعة، منها: الخطية، التشعبية، متعددة الوسائط، والتفاعلية”.

وتشير سلامة إلى الرواية التفاعلية كأحد أهم فروع الرواية الرقمية، كونها تقيم علاقة حوارية ناضجة ومتكافئة بين كاتب وقاريء، إضافة إلى تقويضها “المنطق السري للتناص وإعادة التشكيل، نتيجة اختراقها سيطرة الكاتب على منظور النص، مغزاه، إيقاعه، والأنماط التي يعتمد عليها للتمثيل، شبكة الوصلات التشعبية واحتمالاتها غير المقررة سلفا من الكاتب تعني اختيارات بلا حصر تسمح للقاريء بأقصى درجة من حرية الحركة في استكشاف الفضاء النصي وترك آثاره عليه، ليصبح كاتبا مشاركا منتجا للنص لا مجرد مستهلك سلبي”.

هل سنشهد ولادة أجناس أدبية جديدة؟

يؤكد الروائي محمد سناجلة أن العصر الرقمي سيؤدي إلى موت الأجناس الأدبية التي كنا نعرفها سابقا، مشيرا إلى أن “هذا العصر سينتج أدبا جديدا (مزيج بين القصة والشعر والمسرح والسينما والبرمجة) قادرا على هضم كل ما سبق ومزجه مع ما توفره الثورة الرقمية من إمكانيات كبيرة لخلق جنس إبداعي جديد قادر حقا على حمل معنى العصر الرقمي بمجتمعه الجديد وإنسانه المختلف. نحن نشهد ولادة إنسان جديد بالضرورة سيخلق أدبه وإبداعه الخاص”.

ويقول الناقد د. محمد أسليم: “إن الأدب بانتقاله من الورق إلى الرقم لم يعد هو الأدب وعسر عليه أن يظل كما كان. في هذا الصدد، لا يمكن للنقد أن يقدم سوى فرضيات لتحديد زاوية للتعامل مع الوضع الجديد. من هذه الفرضيات:

اعتبار الكتابة الرقمية تجيل لقطيعة مع الأدب السابق الذي يُنتظر أن يدخل إلى المتحف. في انتظار ذلك، لا مجال لإقحام قواعد الأدب الورقي ونقده في الشأن الرقمي.

النظر إلى الكتابة الجديدة باعتبارها بداية حلقة جديدة في تاريخ الأدب الطويل متصلة بالماضي، ومن ثمة إمكانية النظر إلى الأدب بوصفه كلا لا يتجزأ متألفا من مراحل ثلاث: شفهية (الأدب الشفهي)، كتابية (أدب عصر الكوديكس)، ثم رقمية (الأدب الرقمي)”.

سمات الكاتب والناقد الرقمي

يشير الروائي محمد سناجلة إلى أن الكلمات في العصر الرقمي لم تعد تشكل لغة الكتابة وحدها بل غدت الكلمة جزء من كل، لذلك فهو يؤكد أن الكاتب في العصر الرقمي عليه أن يكون “ملما بلغات البرمجة المختلفة وتعلم برامج متعددة ليس اقلها الفوتو شوب والفلاش ماكرو ميديا والباور دايركتور وعلم الجرافيكس… الخ، وأقول ملما على الأقل وليس بالضرورة مبرمجا وعالما محترفا، الإلمام في المرحلة الحالية يكفي لكن في المستقبل أرى أن يكون كلي المعرفة بوسائل ولغة العصر ومتابعا لكل جديد في هذا الإطار”.

ويؤكد سناجلة أن الناقد الرقمي يجب ألا يقل أهمية عن الكاتب الرقمي، من حيث إلمامه بأدوات العصر الجديدة، إضافة إلى وجوب إلمامه بالمدارس النقدية التقليدية السابقة، داعيا إلى ضرورة وجود مدرسة نقدية جديدة تأخذ بعين الاعتبار المتغيرات الكبيرة التي أحدثها العصر الرقمي على الفعل الإبداعي والكتابي عموما.

فيما تشير الناقدة عبير سلامة إلى “الموت المجازي للمؤلف، لأسباب كثيرة منها: ضعف الموهبة، نمطية الإبداع والتكاسل عن تطويره، خشية التجريب، ضغط الظروف المادية أو النفسية، الغرور، السعي المبتذل للشهرة أو الثراء”.

ولكنها تؤكد في المقابل إلى أننا سنشهد في السنوات القليلة المقبلة “بعثا لمؤلفين عظماء أثرى إبداعهم ذاكرة القرن الماضي كله، من خلال الاهتمام المتزايد حاليا بدراسة النصوص المحيطة بإبداعهم، كالمسودات الأولى والطبعات المختلفة والرسائل، مشيرا إلى أننا “سنشهد أخيرا مولدا للمؤلف المشارك بكل ما يحمله مفهومه من قيم أتصور أن واقعنا الثقافي الحالي بأمس الحاجة إليها”.

وتضيف: “منتج النص التفاعلي كاتب وقاريء في آن واحد، هويته أنه “كاتب مشارك”: كاتب رحالة يقاوم الصورة النمطية للكاتب المنهمك مع ذاته مسترخيا في “برج عاجي”، كاتب ممارس للنسيان يقاوم الاستعمال التقليدي للذاكرة في دعم الإحساس بهوية ثابتة، الكاتب التفاعلي يعرف أنه لا توجد هوية دائمة ويفهم حاجته لهوية فريدة وظيفتها أن تكون مشهدا للهويات المتعددة الكامنة بأعماقه، وغايتها الوصول إلى حد لا تكون عنده أية قيمة لقول “أنا” أو “نحن” في مقابل العوالم المتنوعة التي نحن عليها حقا”.

من هو القارئ الذي سيعبر عنه الأدب الرقمي؟

يقول محمد سناجلة بأن القارئ الرقمي هو “الإنسان الافتراضي الذي يعيش في المجتمع الرقمي ولديه الإلمام الكافي بأدوات ووسائل العصر وقادر على التعامل معها وهذا هو جمهوري وجمهور أدب الواقعية الرقمية عموما”.

ويؤكد سناجلة أن القارئ الرقمي لم يعد هنا سلبيا كما كان حال القارئ الورقي، لكنه قاريء متفاعل تماما ومندمج مع النص ويستطيع في كثير من الأحيان أن يعيد تشكيل هذا النص والتأثير فيه وأحيانا مشاركة الكاتب في كتابته وأخذه لمسارات أخرى.

ويضيف :”إن القارئ نفسه يستطيع الاختيار من خلال تقنية الهايبرتكست، حيث يستطيع الذهاب مع لينك معين وتجاهل لينك آخر، أوالعودة والمزاوجة بينهما وفي كل قراءة سيخرج بشيء مختلف وربما رواية مختلفة”

ويقول الناقد اللبناني أحمد بزون في مقالة له عن رواية “شات” لمحمد سناجلة ونشرها في صحيفة السفير البيروتية “أنت لا تستطيع أن تقرأ باسترخاء تام، لأنك تبقى مدفوعاً بأمواج متلاحقة من المفاجآت والمؤثرات، تجعلك مشدوداً ومستفَزّاً ومنجذباً إلى تبدل الألوان والتماعات الصور والتقلبات المفاجئة في طقس الرواية”.

وتقول الناقدة عبير سلامة إن الأدب الرقمي “يستطيع التعبير عن أي قاريء، بل عن غير القاريء أيضا، لكنه سيجذب بالتأكيد قارئا جديدا، مختلفا، مغامرا راغبا في المشاركة بالفعل والتأثير”.

وتضيف “أن الأدب الرقمي بأشكاله المتعددة ما زال جديدا، ومع ذلك انتشر عالميا واستطاع جذب أعداد من القراء تفوق ما يجذبه الأدب الورقي، على الرغم من أن أساس بعض الروايات المنشورة على الإنترنت لا يتجاوز كميا حجم قصّة قصيرة أو “نوفيلا”، ومحتوى الكثير منها تقليدي، لكن الأصل في جاذبيتها أنها تمثل رؤية ثورية لتجاوز الحدود بروح تجريبية خالصة، وتمنح قارئها تجربة حرة متكاملة للتعبير عن الذات والإبداع المشترك”.

هل سنشهد موت الأدب الورقي؟

يتوقع الناقد الدكتور محمد أسليم أن الأدب الورقي آيل إلى الزوال، مشيرا إلى أن هذه الفكرة طرحها Dick Brass مسؤول قسم النشر الإلكتروني في شركة ميكروسوفت عام 2000، ويقول فيها: “إن الكتاب الورقي سيختفي نهائيا في غضون الثلاثين سنة المقبلة”، ويبني تأكيده على وجود رهانات اقتصادية واجتماعية وثقافية كبيرة بالنظر لهذه التعبئة الشاملة في أوساط كبار الفاعلين في قطاع النشر والمعلومات في الولايات المتحدة الأميركية.

ويضيف: “هذا التوقع لم ينشأ من فراغ كما أنه لا يقتصر على الأدب وحده. إنه حلقة في سلسلة طويلة من تاريخ التدوين والتوثيق. فقد عرفت الكتابة على امتداد وجودها تقلبا في الأسندة.. مدار هذا التقلب كان على الدوام الحرصُ على تدوين أكبر عدد من المعلومات في حيز مساحة مادية صغيرة، ثم التنظيم الفضائي للكتابة بحيث تتيسر قراءتها واستعادتها. كان ثمرة ذلك، ابتكار الفراغ بين الكلمات، ووسم نهايات الجمل، وإنشاء الصفحات، فالفقرات، فتقسيم النص إلى فصول، ثم تقسيم الكتاب إلى أجزاء أو مجلدات. الآن، القدرة التخزينية للأقراص الصلبة ترتفع بشكل مذهل، بل إن الحديث جار عن قرب تحقق مُنجز يُتيح تخزين خزانة في حجم مكتبة كاليكا الرقمية (حوالي 000 200 كتاب) داخل مساحة باتساع رأس غبرة لا غير”.

من جانبها تشير الناقدة الدكتورة زهور كرام إلى عدم إمكانية الجزم بتراجع الأدب الورقي مقابل الرقمي، مشيرة إلى أن تجربة الأدب الرقمي ماتزال في بدايتها، ولم تأخذ نصيبها من النقد، كما أن هناك عددا كبيرا من الكتاب العرب لم يدخلوا غمار هذه التجربة.

وتتساءل كرام: “لماذا هذه الرغبة بالإقصاء. تجربة الأجناس الأدبية لا تقول بموت الجنس الأدبي، وإنما بمعنى التشرّب في الجنس اللاحق. لأن الأدب هو حياة تنتعش من تاريخها. بالعكس أنا أرى بأن الكتاب الورقي دعامة أساسية للتحسيس بالكتاب الرقمي… سيظل الكتاب الورقي قائما من أجل كتاب يؤمنون بالتعبير في المجال الورقي وإلا ما معنى حق الإنسان في التواصل مع أدواته”.

وتشير إلى بعض “الملابسات التي ترافق الأدب الرقمي هو ارتباطها بالموضوع التكنولوجي. إذا بقي هذا التصور سائدا في كون أن الأدب الرقمي مثقل بهموم التكنولوجيا فإن النص الرقمي سيجف نبعه عند عتبته”.

وتضيف: “بالعكس النص الرقمي عليه أن يخوض في كل المواضيع وهذا موجود في التجارب الغربية،وأيضا في نص “صقيع” لمحمد سناجلة حيث يخوض تجربة يقظة سؤال الذات. الوسائط التكنولوجية ستسمح للمبدع بتناول كل الموضوعات التي قد لا تجد طريقها في الوسيط الورقي. وهذه من حسنات الأدب الرقمي”.

عن صحيفة الشرق الاوسط اللندنية

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: