مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

موسم الهجرة إلى الشمال : اقتفاء وفتوحات قلم: الطاهر بن جلون

موسم الهجرة إلى الشمال : اقتفاء وفتوحات قلم: الطاهر بن جلون

 sans-titre2

ترجمة :سعيـد بوخليـط

خاص بالموقع

تقديم: الطيب صالح (1929-2009) ، كاتب سوداني، ينحدر من وسط متواضع.بعد دراساته العليا،في الخرطوم ثم لندن،اشتغل بالقسم العربي ل(BBC  ) ،قبل التحول إلى ممثل لليونسكو في مختلف بلدان الخليج.روايته “موسم الهجرة إلى الشمال”،صدرت سنة1966 ،وعرفت للتو نجاحا في مختلف بقاع العالم.لكنها ستحضر في السودان سنوات التسعينات،بسبب تلميحاتها الواضحة إلى الجنس.

هذه الرواية،التي تشير إلى المجابهة بين الثقافة العربية والغربية،اختيرت سنة 2001،باعتبارها “الرواية العربية الأكثر أهمية خلال القرن العشرين”،وترجمت إلى ما يزيد عن ثلاثين لغة.

اتسم سرد الطيب صالح، بأناقة طبيعية، تصاحبه فكاهة مميزة للذين عاشوا عذابات المنفى. أيضا،هو تحليل ثاقب ودقيق للاستعمار.

لأنه، لم يتم الاعتراف بالفرد ككيان متميز ومتفرد، داخل المجتمع العربي،فقد انعدم تقليد روائي كبير في الآداب العربية.الرواية الأولى التي صدرت(في شكل حلقات على صفحات يومية في القاهرة) ،جاءت تحت عنوان زينب كتبها هيكل محمد حسين سنة .1914أما القصيدة،فقد ذهبت أبعد،مقارنة مع باقي الأجناس الأدبية.

لذلك،فإننا نتحسس بامتياز مع الطيب صالح، الشاعرمثل الروائي.لكن لايهم ،فقد اتسم سرده بأناقة طبيعية،تلازمه سخرية تصاحب من عاشوا عذابات أهوال المنفى.

صار هذا السوداني،كاتبا بقوة الأشياء،كان بوسعه الاكتفاء بحياة هادئة تحت سقف قريته الأصلية،دون الانشغال بطرح أسئلة،غير أن الطيب صالح لايؤمن باليقين،بل هو رجل يشك ،وتبين له بأن الوضع الإنساني رديء.لذلك سيرحل،ويدرس ثم يقرأ بنهم،ويعيش مجموعة تجارب، في بلد المستعمر السابق.

إنه ليس مجرد متمرد،بل شاعر قرر الحكي عن تاريخ عاشه ربما،لكنه تاريخ جيل بأكمله من المثقفين العرب الشباب الغاضبين.روايته “موسم الهجرة إلى الشمال”،الصادرة بالعربية سنة1969،وترجمت إلى الفرنسية سنة1983 (منشورات سندباد) ،شكلت حدثا على مستوى الموضوع والأسلوب وكذا هندسة السرد.

وجدت اللغة العربية،في هذا العمل شاعرا منشدا رائعا.وصف ليس تحقيريا، فالتمكن من هذه اللغة الغنية والمعقدة،لايعتبر أمر سهلا. الطيب صالح، استطاع ذلك، بإثارتها وجعلها تتكلم حقائق،لم يكن القارئ العربي خلال تلك الحقبة،معتادا على قراءتها،وإن تحقق نفس المنحى سابقا مع جرأة بعض الشعراء.

لكننا،نتكلم في هذا الصدد،عن فترة مابعد الاستعمار،التي تميزت بتصادم رؤيتين للعالم،و تعارض بين أفريقيا سلفية،وغرب متعجرف :((سكك الحديد،والبواخر،والمستشفيات،والمصانع،والمدارس،ستكون لنا،وسنتحدث لغتهم،دون إحساس بالذنب و لا إحساس بالجميل)) يلاحظ السارد،الذي عاش في لندن مثل شخصية الرواية، واحتوت حقيبته على قسم من قريته الأصلية.

إنه تاريخ مصطفى سعيد،يتيم، يحس باختلافه عن باقي الأطفال :((طفل انجلترا المدلل،كان أول سوداني يرسل في بعثة إلى الخارج)) ،سيعود إلى بلده،بعد قضائه سبع سنوات في انجلترا،حيث توزع وقته بين دراسات لامعة وكذا إغواء النساء.هذا الشخص،سيقدم نفسه قائلا :((أنا صحراء الظمأ،متاهة الرغائب الجنونية))ثم يعترف :((لايعنيني منه إلا مايملأ فراشي كل ليلة)).فبعد أن أسر قلب إيزابيلا “أندلسي”،يحكي :((وسمعتها تقول لي بصوت متضرع مستسلم :”أحبك”.فجاوب صوتها هتاف ضعيف في أعماق وعيي يدعوني أن أقف)).

الراوي،مقارنا نفسه بعطيل”عربي إفريقي”،سيمنح الجنس سلطة مطلقة.هذا المقطع المأخوذ من السرد،اعتبر لدى القارئين العرب،بمثابة استفزاز.لكن الطيب صالح،ليس من هؤلاء الكتاب المجاملين.بالنسبة إليه،أن تكتب يعني أن تجازف،محيلا على قرن الثور،الذي استحضره “ميشيل ليريس”،في الصفحات الأولى من كتابه:”l âge d homme “.إنها ليست بجنسية عاشقة،فلا مشاعر ولا عاطفة.غزو،واستهلاك قسري للنساء،دفع اثنتان منهم إلى الانتحار،بينما أدركت أخريات أن حياتهن قد ضاعت إلى الأبد.

لايروي،الطيب صالح تاريخا خطيا.بين طيات السرد،سيعمل على قتل الشخصية الأساسية،الشهير مصطفى،نسخته الثانية وجانبه اللعين.فرغم كونه سباحا ماهرا،سيموت غرقا في مياه النيل.مات ،بسبب فيضانات استثنائية لهذا النهر،أو دفعته نحو الموت،يد خفية؟. سيواصل الراوي تاريخه،محاولا فهم تعليلات شخصية، وصفت بأنها أكذوبة.

انطلاقا،من الصفحة60 ،هيمن شبح مصطفى سعيد على القرية.مات فيزيائيا، لكنه حاضر لدى العقول،لازال بعد هاجسا لأهل قريته، يقول الراوي :(( إنني أبتدئ من حيث انتهى مصطفى سعيد،لكنه على الأقل قد اختار وأنا لم أختر شيئا)).استقصاء  جماعي،حيث تندفع استيهامات هذا البعض أو البعض الآخر،كي تشكل مضمون ماتبقى من الرواية.هذا، يقدم إطارا تحليليا،نافذا وثاقبا للاستعمار :((الرجل الأبيض،لمجرد أنه حكمنا في حقبة من تاريخنا،سيظل أمدا طويلا يحس نحونا بإحساس الاحتقار،الذي يحسه القوي تجاه الضعيف.مصطفى سعيد قال لهم : إنني جئتكم غازيا)).

فيما يتعلق،بالغزو الجنسي،تقول إحدى الشخصيات :((حريم النصارى لايعرفن لهذا الشيء كما تعرف له بنات البلد.. ،الحكاية عندهن كشرب الماء. بنت البلد تعمل الدلكة والدخان والريحة وتلبس الفركة القرمصيص.وحين ترقد على البرش الأحمر بعد صلاة العشاء وتفتح فخذيها،يشعر الرجل كأنه أبوزيد الهلالي.الرجل الماعنده همة يصبح له همة)).

يمكننا قراءة التاريخ،عبر منشور الإيروسية،وهذا الهاجس بالمرأة قياسا إلى بلد أراد لها التقليد أن تتعرض للختن. الطيب صالح،كروائي جيد،سعى إلى النبش في مجتمعه :((انطلاقا من كون الرواية،بمثابة التاريخ الخاص للأوطان))(بلزاك).ماعثر عليه صالح،كشف عنه بكل صراحة،مختلف الأشياء التي وقف عليها،ثم خاصة مجابهته لكل المجازفات.

يرفض المجتمع العربي،أن تعرض أمامه صورته،بل يتوق إلى “مثالية” بالتطابق مع القيم الدينية، منتشيا بأساطيره و أبطاله وأكاذيبه.لذلك، يتجه دور الكاتب نحو إزالة الحجاب عن كفن الخجل والنفاق.من حين إلى آخر،يتنبه الراوي كي يقول لنا :((على الأقل،ألا أذكر خرافات)).

نبي أم كذاب،قديس أم داعر،ستتعالى شخصية مصطفى سعيد، عن كل التصنيفات.هو بلا شك،ما أفرزه الكولونيالي في تجاوزاته السلطوية وعنصريته الطبيعية ثم في مجابهته مع قارة إفريقية غير مفهومة،يتعذر سبرها،وتتجاوز كل وصف.

الطيب صالح،لايأبه بأي طرف .قد يبدو أحيانا، انتقاده لانجلترا باهتا بما يكفي،قياسا للقسوة التي يبديها تجاه بلده وكذلك مجموع  أفريقيا.هكذا،يقول على لسان إحدى شخصياته :((كل من يتعلم اليوم يريد أن يجلس على مكتب وثير تحت مروحة ويسكن في بيت محاط بحديقة مكيف بالهواء يروح ويجيء في سيارة أمريكية بعرض الشارع.إننا إذا لم نجتث هذا الداء من جذوره تكونت عندنا طبقة بورجوازية لاتمت إلى واقع حياتنا بصلة،وهي أشد خطر على مستقبل أفريقيا من الاستعمار نفسه)).

حكم، يبدو أكثر راهنية من أي وقت مضى.فعبر تاريخ منفى وعودة مضطربة،شكل نص موسم الهجرة إلى الشمال، رواية الحداثة في الأدب العربي.لقد ترك مصطفى سعيد مجموعة مقالات كتبها،ويوميات عنونها ب “تاريخ حياتي” يتصدرها الإهداء التالي :((إلى الذين يرون بعين واحدة  ويتكلمون بلسان واحد ويرون الأشياء إما سوداء أو بيضاء،إما شرقية أو غربية)).

رواية الطيب صالح،قصيدة نثرية رائعة،بصياغة ذات أصالة لافتة،يمكنها أن تضطلع كليا،بإهداء كهذا،في صفحتها الأولى.

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: