مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

مدائن الحب و التيه – فصل من رواية –

مدائن الحب و التيه  – فصل من رواية –

 ramoti302

حسن الرموتي

خاص بالموقع

مدائن التيه  1

الرؤية الأولى

أركض خلف الوطن المسجون

في غابة الأعراس ، في طفولة الأجراس

أدونيس

غرباء نحن ، غرباء في هذا الوطن ، هذا الوطن الذي أعطانا قفاه و انصرف ، غرباء عن هذه المدينة التي سرقت أحلامنا كما تسرق النجوم . و أنت حين تقف على مشارفها ، ينتابك سحر خاص ، يخلخل جوانحك ، فتقف سادرا ، مندهشا ، تبدو لك المدينة من بعيد هادئة ، لكنها تخفي بين أسوارها ، و بين جدران بيوتها أسرارا كثيرة ، أحيانا غامضة ، بعضها يضل خفيا ، بعضها الآخر تلوكه الألسن فتزيد عليه إنها طبيعة البشر . من الأعلى يبد و البحر كسوار من فيروز الشطآن ، يطوق معصم غادة حسناء حزينة ، و أنت لا تدرك هذا الحزن ، إلا حين تكشف أسرارها ، و مفاصلها ، فيبد و لك البحر يركض نحوها خصوصا عندما يغضب ، و المنازل كأنها تفر و تتراجع .

أشياء كثيرة تغيرت في هذه المدينة ، بل أشياء كثيرة تكسرت مثلما يتكسر زجاج السيارات إلى رذاذ يشبه حبات البرد . الأيام تواصل رحلتها في هذه المدينة التي فقدت كل شيء من ماضيها ، بعد أن غزاها البرابرة الجدد ، و سوف تمضي سنوات عديدة قبل أن يكتشف الناس ذلك ، سنة تمر ثم سنة أخرى ، فتتحول المنازل القديمة و التاريخية إلى فنادق ، أما المنازل البسيطة فتأكل الرطوبة جدرانها ، و يعلو الصدأ شبابيكها ، كل شيء تغير ، الأشجار ، البحر ، البشر حتى النوارس تغيرت ، أصبحت تحط وسط الساحات العمومية و عندما تقترب منها تنظر إليك في تحد ، في عدوانية ، أي إحساس يعتريها اليوم ، لم يعد البحر هو البحر ، أصبح شحيحا ، و لم تعد النوارس تحلق فوق الميناء كما تعودت أن تفعل ، فقد أدركت أن البحر فقد إحساسة بها ، فأصبحت تطير فوق السطوح تقتات على بقايا خبز يابس ، و تسترق النظر إلى سراق العشق من أبناء و بنات الجيران .

مدينة تسير نحو حتفها ، بلا ضجيج و لا طبول ، مستسلمة إلى الغزاة الجدد ، تحاول أن تصرخ ، فيخرج صوتها مكتوما ، مختنقا ، أناسها الأصليون يتيهون في دروبها الضيقة ، يسيرون بتثاقل و بحزن دفين يشعرون بالقرف ، يطاردون أحلاما ، يطاردون الريح ، و الذي يطاردهم أياما طويلة من السنة ، ما أقسى هذه المدينة و هي تأكل أبناءها كل ليلة ، ما أقسى هذا الكابوس الذي تعيشه ، هذا الكابوس الذي يفتض بكارتها بعنف ، يستبيحها ، ثم يكتب تاريخا جديد لها ، تاريخ يكتبه القادمون من وراء البحر،هنا أو هناك ، لا فرق ، مادام هذا التاريخ يتسلل كل فجر إلى عقول البسطاء من أبناء هذه المدينة و يعشش فيها.

ولي من أولياء هذه المدينة الصالحين ، رفع كفيه ذات يوم ، و دعا على هذه المدينة بالثبور ، لأنها سرقت أحلامه و أبناءه ، و هاهي اليوم تموت بالتقسيط يأكلها اليأس ، و يسقط أبناؤها مثل الورق اليابس في حين تكبر أحلام الغزاة الجدد ، يبيعون ذاكرة هذه المدينة ، ثم يستعيرون من ألاشيء ذاكرة أخرى على مقاس الزمن الجديد ، مدينة لم تعد أبوابها الكبيرة تغلق ، فقد أصبحت مفتوحة على الهذيان على التيه ، على القبح ، الهواء القادم من البحر لم يعد ينفد إلى الرئتين ، أصبح مرا ، فقد عنفوانه ، الموت وحده سيوقف هذا الهذيان ، هذا القبح . موت هذه المدينة ، لتنبعث من جديد ، من رمادها كطائر الفينيق .

مدينة تخلت في لحظة عن بدايتها و نهايتها ، و منحت نفسها بالمجان للبرابرة الجدد ، مدينة سنحتاج ذات يوم إلى جواز السفر للدخول إليها ، إثبات هوية ، هوية فقدتها قبل أن نفقدها نحن ، مدينة مفتونة بعشق الآخرين لكنه عشق كاذب ، حين تخلو إلى نفسها تخنقها العبرات ، حارة كالجمر ، فتغرق في حالة من اليأس و الحزن تنقلب الصورة رأسا على عقب ، فتشعر كأن شرخا كبيرا قام بينها و بين ماضيها ، بينها وبين أ بنائها ، غير قابل للرميم . أشياء عديدة تغيرت، سنوات قليلة تفعل في الإنسان و الحجر الشيء الكثير، مدينة تحتاج لقليل من الفرح ، قبل سنوات كنا نركض نحو البحر ، نغسل براءتنا في موجه ، نقاسه غضبه حين يحمر ، اليوم لم يعد البحر بحرنا ، أمواجه أصبحت رتيبة ، تسكنها الخيبة و الفراغ ، تتقدم في حزن و انكسار ، وهي تئن ، من بعيد ، تبدو لك رائعة ، وحين تقترب منها تحس بمعاناتها ، بآلامها ، فتنتابك الرغبة في البكاء ، الرغبة في الرحيل ، تحاول أن تبحث عن قبر يسع جسدك النحيل ، أن تكتب على الرمل وصيتك الأخيرة . أن تجالس أصدقاءك القدامى، أن تحكي لهم ذكرياتك مع البحر ، مغامراتك البريئة ، رسائل الحب التي كتبتها . تتوقف فجأة عن مناجاة نفسك ، تقرأ على وجه البحر همومك ، تتراجع مفزوعا ، تخالجك تساؤلات كثيرة ، تتذكر حكايات السندباد ، رحلاته السبع ، تتمنى لو كنت السندباد ، تتمنى لو أسرتك آلهة البحار ، تتمدد على الرمل ، تحس به ناعما ، طريا ، يخفق قلبك كطائر جريح ، سقط من عشه فجأة تحاول أن تحلم ، تنظر وراءك ، لا شيء سوى الفراغ .

تنظر حواليك ، تتحسس أطرافك ، لتتأكد أنك لازلت حيا ، تمد بصرك بعيدا تصدمك البنايات ، كتل من الاسمنت، محطة البنزين ، مبنى البريد ، بعض المقاهي … تصاب بالدوار تأتيك الرغبة في الغثيان تستعرض أمامك وجوه الرفاق ، رفاق الدراسة ، الذين رحلوا مبكرا ، الذين غادروا هذه المدينة ، تنكروا لها ، كما تنكرت لهم ، لم يعودوا يفصحون عن انتمائهم لها ، الذين يتسكعون الآن بين دروبها ، يستجدون رفاق الأمس ، الذين أصابهم مس من الجنون … يوقظك البحر من جديد ، تنظر أمامك ، البحر هو البحر لازال في مكانه ، صورته فقط تغيرت في عينيك ، ترنو بعيدا .. بعيدا . أسراب النوارس تحلق عاليا و أنت وحدك، تريد أن تستلقي عاريا ، أن تترك حرارة الرمل تلفح جسدك ، توقظ فيه شهوة التحدي ، و البحر أمامك لتطفئ نار الغواية .

تسير وحيدا ، يأتيك صوت المؤذن من كل الجهات ، تنظر إلى البحر نظرة أخيرة ، بقايا شفق أحمر في الأفق تشتعل الأضواء ، الأعمدة الكهربائية المتباعدة لا تكاد تضيء حتى على نفسها ، بعضها معطل ، و أنت تسير وحيدا ، بين الفينة و الأخرى تلتفت وراءك ، كأن أحدا يتعقبك ، تترك الحرية لقدميك لتقودك ، ترفع عينيك للسماء ، بقايا سحب شاردة . و نجوم فقدت بريقها .

حسن الرموتي – المغرب –

عضو إتحاد الانترنيت المغاربة

من اصداراتي : مملكة القطار مجموعة قصصية الرباط التنوخي

         رواية نيران شقيقة   دار الوطن الرباط

        الامتداد الأزرق   منشورات الصفريوي .

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف