مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

الأمازيغية ما بين خطاب أجدير 2001 ودستور 2011

الأمازيغية ما بين خطاب أجدير 2001 ودستور 2011

Khalafi2 (1) 

عبد السلام خلفي

خاص بالموقع

إن مقارنة بسيطة بين الدينامية التي أطلقها خطاب أجدير سنة 2001 في مجال مأسسة اللغة الأمازيغية وثقافتها على شتى المستويات والجمود القاتل الذي أصبحت تعيشه هذه اللغة وهذه

الثقافة بعد التصويت على دستور 2011 وترسيمهما ليجعلنا نضع أيدينا على قلوبنا نظراً للاستخفاف الواضح الذي أصبحت تتعامل به حكومة بنكيران مع هذه القضية المصيرية ولما تُحضره في الخفاء من مفاجآت قد تردنا إلى الوراء بشكل قد يهدد لحمة المجتمع المغربي ويؤدي إلى انقسامه؛ لقد كانت لحظة أجدير لحظة انبعاث آمال كبيرة ولحظة تصالح عميق مع ذاتنا الجماعية التي كرستها تلك المقولة التي ظللنا نرددها منذ ذلك الحين، والتي مفادها أن “الأمازيغية ملك لكل المغاربة بدون استثناء”، كما أن هذه اللحظة عززتها العديد من القرارات السياسية الملموسة التي اتُّخذت لصالح الهوية الأصلية للمغاربة؛ إذ مباشرة بعد الخطاب والاعتراف الرسمي بهذه الهوية لأول مرة في تاريخها الطويل ستنطلق أوراش العمل، والتي منها الإعلان عن إنشاء المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، وإصدار الظهير المحدث والمنظم له، وتعيين الأستاذ محمد شفيق عميداً له (14 يناير 2002)، وتعيين أعضاء مجلسه الإداري (27 يونيو 2002) ووضع الهياكل الإدارية والعلمية في نفس السنة، والبدء في عقد دورات المجلس التي تمخض عنها اختيار حرف تيفيناغ حرفاً رسمياً للغة الأمازيغية ومصادقة الملك عليه (10 فبراير 2003)؛ ثم توقيع اتفاقية الشراكة والتعاون بين مؤسسة المعهد (التي أصبحت واقعاً ملموساً) ووزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي؛ والشروع في وضع استراتيجية إدراج الأمازيغية في المنظومة التربوية ثم الانطلاق في عملية تكوين الآلاف من الأساتذة بتنسيق مع العديد من الأكاديميات، مع ما وازاه من عمل دؤوب لتأليف الكتب المدرسية وإيجاد الأدوات الديداكتيكية والبيداغوجية الملائمة إلخ وبعدها الاعتماد الدولي لحرف تيفيناغ من قبل المنظمة الدولية ISI-unicode (25 يونيو 2004)؛ لقد كانت هذه الإجراءات وإجراءات أخرى على مستويات ثانية مقدمة لخلق دينامية مهمة داخل المجتمع المغربي والتي جعلت الكثير من المنظمات المدنية والسياسية والحقوقية والثقافية تعيد النظر في الكثير من اختياراتها الإيديولوجية بفعل الأثر الكبير الذي تركته فيهم أيضاً الحركة الثقافية الأمازيغية؛ صحيح أن كل هذه الأوراش التي انفتحت في السنتين الأولين بعد خطاب أجدير لم تكن في مستوى الآمال الكبيرة التي كان يضعها فيها الأمازيغ، وصحيح أيضاً أن جيوب المقاومة كانت قوية، ولكن مع ذلك كان هناك إحساس عام بأن شيئاً ما يقع، وأن الاعتراف بالأمازيغية له ما يوازيه على مستوى الواقع الملموس.

لقد كانت هذه هي بعض الآثار التي خلقها خطاب أجدير. فما هي الآثار التي خلقها دستور 2011 الذي اعترف بدستورية اللغة الأمازيغية بوصفها لغة رسمية أيضاً؛ دون العودة إلى الصراعات التي خاضتها الاتجاهات المحافظة كي لا تترسم الأمازيغية، والتي نجحت في أن “تُقيد” الأمازيغية بقانونها التنظيمي، نود أن نشير إلى بعض الإنجازات “الباهرة” التي يمكن إيجازها فيما يلي:

1-            انفتاح شهية المحافظين على تقديم تأويلات نكوصية للدستور كي تتراجع عن كل ما تم تحقيقه إلى حدود اليوم على مستوى المكتسبات سواء المرجعية منها أو الأكاديمية؛ وقد عملت وتعمل هذه الاتجاهات من داخل الحكومة وخارجها لتقنع الجميع على عدم إمكانية جعل اللغة الأمازيغية في نفس الوضعية الدستورية والقانونية للغة العربية، وذلك على اعتبار أن هذه الأخيرة هي اللغة الرسمية الحقيقية وأما الأمازيغية فلا يمكن أن يتحدد وضعها إلا بعد مباشرة مشاورات وحوارات ولقاءات على الصعيد الوطني تشارك فيه كل الأطياف المناوئة (إغراق السمكة كما يقول الفرنسيون)؛ لأن القضية في نظرهم ليست قضية أمازيغ وحدهم ولكنها قضية كل المغاربة بدون استثناء؛ وهكذا فباسم مقولة أن الأمازيغية إرث لكل المغاربة بدون استثناء التي آمنا بها ودافعنا عنها تصبح هذه المقولة –للأسف- عنواناً كبيراً لتحقيق غرضين اثنين: أولهما إضاعة الوقت وتأجيل الشروع في إعادة فتح أوراش اللغة الأمازيغية وثقافتها إلى تاريخ مفتوح على المجهول؛ وأما الغرض الثاني فهو تمييع المطلب الحقيقي الذي أصبح واقعاً دستورياً يفقأ الأعين، باستثارة نقاشات مناوئة ستعود بنا بدون شك إلى سنوات السبعينات، حيث كان الحديث عن الأمازيغية تهمة، والعمل من خلال ذلك على تقليص وتحجيم الوضع القانوني للأمازيغية إلى الدرجة الصفر؛

2-            توقيف أعضاء المجلس الإداري للمعهد من مواصلة العمل الذي كانوا يقومون به نتيجة للوضعية الدستورية الجديدة التي أصبحنا نعيشها، ونتيجة للتحضير للانتقال من مرحلة أن “مَنْ يُعين هو الملك” إلى مرحلة أن “من يُعين هو رئيس الحكومة”؛ وإذا علمنا أن مؤسسة المعهد هي المؤسسة الوحيدة المخوّل لها –كما يتم الإعلان عن ذلك- لكي تكون الشريك الرسمي الأساسي في أية عملية لتحيين الترسيم فإن غياب مجلسه الإداري الذي يقوم بمهام استشارية ويقدم آراء سياسية في المجال سيجعلنا نتساءل عن الكيفية التي سوف يكون فيه هذا المعهد شريكاً؛ هل سيكون شريكاً عندما سيُعين رئيس الحكومة (أو من يفوّضه) مجلساً إدارياً آخراً ( هذا إن كان سيكون له مجلس أصلاً؟؟؟؟؟) والذي سيكون –بالمناسبة- خاضعاً للمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية؟ أم سيكون شريكاً عندما سيُقرر رئيس الحكومة تعيين مجلس إداري أعلى للمجلس الوطني للغات والذي سيشكل فيه المدافعون عن الأمازيغية –بدون شك- أقلية الأقلية؟ أليست هذه مقدمة واضحة إلى إضعاف هذه المؤسسة لتحجيمها في المراحل المقبلة، بل ولإفراغها من المضمون الأكاديمي الذي تقدمه حالياً؟ وإذا علمنا أن أول قانون سيخرج هو قانون المجلس الوطني للغات والثقافة الأمازيغية (وكما يطالب بذلك الكثير من المناوئين) وليس القانون التنظيمي للغة الأمازيغية، فمعنى هذا أن مؤسسة المعهد الخاضعة لن يمكن لها أن تكون شريكاً بل أداة في يد من يملكون السلطة عليها لإنتاج القانون الذي يريدون؛ فهذه المؤسسة الدستورية الجديدة هي التي يُخول لها الدستور أن تقدم آليات “لحماية العربية والأمازيغية”؛ وهي التي سيخول لها وضعها أن تقرر في مسألة الأمازيغية سلباً أو إيجاباً؛

3-            إعادة النظر في الوضعية القانونية للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية بالشكل الذي يجعله تحت سلطة المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية، بل ويسمح بإعادة النظر في اختصاصاته كما عبر عن ذلك رئيس الحكومة أكثر من مرة، وكما نجد ذلك مبثوثاً في البرنامج الحكومي وفي المخطط التشريعي؛ وهو ما يعني أن المؤسسة لن تظل على ما هي عليه فيما يتعلق بمراكزها العلمية؛ فقد يتم استغلال هذه الفرصة، مثلاً، من أجل إغلاق بعض المراكز التي تشتغل في قضايا أكاديمية محددة تزعج أصحاب السيادة الجدد وتابعيهم من الذين يطالبون بتعريب المغرب، وقد يُفرض عليهم الاشتغال على مخططات عمل محددة، لأن من سيصادق على هذه المخططات ليس هو المجلس الإداري للمعهد بالشكل الذي كان عليه بل هو  المجلس الوطني صاحب السيادة كما سيتشكل؛

4-            تراجع كبير على مستوى التعليم وتوقف على مستوى التكوين وعدم مواصلة التعميمين الأفقي والعمودي وعدم مواصلة الإدراج ليشمل الإعدادي، وغياب أي محاولة لمواصلة الأوراش التي تم فتحها لحد الآن؛ وعدم اتخاذ أي مبادرة على مستوى الترجمة في مجال القضاء، وغياب المبادرات السياسية والإدارية المخطط لها لتحيين الترسيم على مستوى تسمية مؤسسات الدولة وقطاعاتها بالأمازيغية، وتواصل منع الأسماء الأمازيغية، ومنع الحديث بالأمازيغية في البرلمان، وعدم اتخاذ أي سياسة إعلامية أمازيغية تترجم واقعة الترسيم إلخ. باختصار شديد ليس هناك أي مخطط حكومي في مجال الأمازيغية، لا على مستوى تفعيل المكتسبات السابقة وترصيدها ولا على مستوى التفكير في آليات الانتقال إلى المرحلة الجديدة التي تستلزم عملاً جباراً يتجاوز بالكثير كل ما تم القيام به لحدود الآن.

هكذا، إذن، يتبين لنا أن دينامية ما بعد 2001 كانت أكبر بكثير مما تمخض عنه دستور 2011؛ ففي غضون السنتين الأوليين بعد الخطاب سيتم تحقيق أشياء مهمة على أكثر من صعيد، وأما في غضون السنتين ما بعد الدسترة فإن هناك تراجعات كبيرة شكلت امتداداً لتراجعات ما بعد سنة 2007 التي كانت فيها حكومة عباس الفاسي هي الحاكمة؛ وهكذا يتبدى لنا أن انتقال ملف الأمازيغية من يد السيادة إلى يد الحكومة قد جعل الأمازيغية في آخر قائمة الاهتمامات الرسمية الحالية؛ بل وأصبحنا نخاف حتى على ما تم ترصيده لحد الآن؛ فالعديد من الذين ينتمون إلى الحزب الحاكم أو تربطهم به علاقة مباشرة أو غير مباشرة لا يستنكفون من التأكيد، في كل مرة، على ضرورة مراجعة كل شيء، والبدء من الصفر؛ وإن المبادرات الضعيفة التي نجدها هنا وهناك والتي لا ترقى –للأسف- إلى قرارات سياسية تترجم منصوص الدستور لا تأتي في الغالب الأعم إلا من بعض موظفي الدولة القلائل الذين يحاولون مشكورين كي لا تنطفئ الشمعة نهائياً؛ وأما قرارات الحكومة أو بعض وزاراتها فقد ذرتها الرياح بعيداً في براري إيديولوجية فريق العدالة والتنمية الذي حمل هذه السنة إلى البرلمان ملفاً جاهزاً من أجل استخراج قانون جديد للغة العربية دون اللغة الأمازيغية؛ وإلى حد الآن فإن كل ما قدمته الحكومة في هذا الشأن هو دفتر تحملات لوزارة الاتصال اعتبرت فيه الأمازيغية كما لو أنها لغة وثقافة شعب أجنبي أو جالية أجنبية؛ إذ بدلاً من أن تُعطي للأمازيغية وضعها الدستوري والقانوني الطبيعي تم التعامل معها تعاملاً هامشياً لا في نسبة البث ولا في نوعية البرامج؛ وأما بالنسبة للوعود التي أطلقت في اتجاه تعميم تدريس اللغة الأمازيغية لتشمل مليون تلميذة وتلميذ فقد ذهبت بدورها أدراج الرياح.

ولله الأمر من قبل ومن بعد.

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف