مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

كتاب جديد بالإنكليزية للمفكر اليساري الكبير نعوم تشومسكي التعايش المستحيل بين “الفوضوية” والرأسمالية المتوحشة

كتاب جديد بالإنكليزية للمفكر اليساري الكبير نعوم تشومسكي 

images               

جهاد الترك

خمسة عقود واكثر سلخها تشومسكي من عمره وهو يعمل تفكيكاً في بنية الرأسمالية بنموذجها الاميركي، من دون ان يعيد بناءها. كلما امعن فيها انتقاداً وشرذمة وهدماً، بدت هذه الاخيرة اقدر على الصمود والتجدد والاستقواء بذاتها. لعلها افادت من رغبته في انهاكها لاسقاطها بالضربة القاضية. لم يقو تشومسكي عليها. لم تقو الرأسمالية الاميركية عليه. ولا تزال المعركة بينهما محتدمة بشروط غير متكافئة. يستخدم ضدها سلاحاً فتاكاً من “ترسانته” الفلسفية صعبة المراس. تستخدم ضده اصنافاً لا حصر لها من عتادها المتوحش المغلف بطبقة من الحريات الفردية والرفاهية الاجتماعية ووعود براقة بمستقبل “اميركي” افضل واشرق. كلما سجل تشومسكي نقطة في هذه المواجهة، سارعت السلطة السياسية في الولايات المتحدة الى تسجيل نقطة مماثلة. ومع ذلك، ما فتئ النزال بينهما مكشوفاً على عراء من الفرص يتحينها كل من الطرفين لالحاق الاذى بالآخر. في خضم هذه العداوة المتنامية، ادخل تشومسكي الى ساحة الصراع في فترات سابقة بعيدة، سلاحاً نوعياً يتمثل في مفهومه الذاتي لفلسفة “الفوضوية” التي سادت الفضاء الثقافي السياسي في اوروبا قبل ذلك بكثير. ايقظ هذا السلاح اجيالاً متعاقبة في المجتمع الاميركي. ألهب خيالهم المتبلد وحضهم على نمط من التعبئة الاجتماعية السياسية الاقتصادية لا تزال فاعلة بقوة حتى اليوم.

يعود نعوم تشومسكي في كتابه الاحدث الى حيث بدأ نضاله السياسي الفلسفي ضد النخبة السياسية في اميركا. معلناً جولة جديدة من القتال الضاري ضد الرأسمالية في اشكالها الاوحش. الاصدار بعنوان “تشومسكي حول الفوضوية”الصادر عن دار “ريد هاويو وانت”، 2013. ويشتمل على محاضرت اكاديمية ودراسات ومقالات وقراءات عميقة في هذه الفلسفة لم تبصر النور من قبل. اضافة الى مواد اخرى منشورة ولكن منقحة وموثقة انسجاماً مع تطورات الرأسمالية في العقد الثاني من الالفية الثالثة. الكتاب، في مناخه الفكري ومناقشاته الفلسفية موجه، اولاً واخيراً الى النزاع المزمن مع السلطة السياسية في الولايات المتحدة وبارونات المال والاعمال والكارتلات العملاقة والشركات الاميركية ذات التنظيم المافياوي في الهيمنة على مقدرات البلاد.

يلقي تشومسكي، في فضاء الكتاب، بجعبته الفلسفية جاعلاً من الفوضوية الانسانية بديلاً للرأسمالية المتوحشة. الفوضوية التي تنطوي، في حركتها الداخلية، على توق غريزي للفرد الاميركي والفرد في أي مكان آخر في العالم، الى الحرية الكامنة في الفطرة الانسانية.

يقارب تشومسكي هذه الفلسفة “الغامضة” من زاوية انها تشكل في حد ذاتها منفذاً محتملاً يقود الافراد الى خارج المتاهة المخيفة التي ابتكرتها الرأسمالية المتوحشة سجناً مقفلاً يعيش الفرد فيه ويموت.

يحل تشومسكي الفوضوية الإنسانية بديلاً من الرأسمالية المتوحشة

الكهولة الفتية ترقى على الفتوة الكهلة

في العقد التاسع من عمره، يستسلم تشومسكي، في اصفى لحظات حياته المديدة لنزعته الفوضوية. والارجح لغرائزه الفلسفية التي استحوذت على مفاهيمه واحالته واحداً من اشهر اليساريين في الولايات المتحدة والعالم واكثرهم مدعاة للاحترام والتقدير. لعله يحن في هذا الكتاب، الى كثير من احلام الشباب لكي يزعم، بحق، ان الكهولة الفتية ترقى على الفتوة الكهلة. كان فوضوياً وهو في ريعان الشباب. يسترجع هذا الارث وهو طاعن في السن. وبين مقتبل العمر والشيخوخة، دأب على حمل هذه النظرية المثيرة للجدل، استياء وتأييداً، على كاهله وفي ظنه انه سيتمكن يوماً ما من ادراجها في خانة الفلسفة الثابتة. وان يصل، في نهاية المطاف، الى اجراء تسوية عادلة مع هذا التصور. بحيث لا يعود مقصوراً على المتمردين، الهامشيين، المحبطين، البوهيميين، العدميين، ومن اقفلت في وجوههم منافذ المشاركة السياسية. وهؤلاء فئات قليلة من منظومة واسعة ممن يشكلون طليعة الفوضويين في العقد الثاني من الالفية الثالثة. وكانت هذه الفئات قد تكشفت ميولها اثناء التظاهرات العارمة التي عمت منطقة وول ستريت في نيويورك احتجاجاً عميقاً على المنحى المتوحش للرأسمالية الاميركية بالتحديد.

صعيدان اثنان

تكمن اهمية هذا الاصدار الجديد في اشتماله على مادة فكرية لم يسبق لتشومسكي ان نشرها من قبل. والارجح انه كان يدخرها لاوقات الشدة، على صعيدين اثنين: اولهما احتدام ازمة الرأسمالية العالمية وتعثرها بعد ان اصيبت باختناق مروع سد عليها منافذ المرونة والقدرة على ابتداع اشكال تقيها شر المراوحة في الدائرة المفرغة. الثاني والاخطر، على الاغلب، انه اراد ان يستل هذه المادة الدسمة من ادراجه الخاصة ليقارع بها من راح يأخذ عليه انه فوضوي في المناسبات فقط. فإذا به يؤكد، في كتابه الجديد، انه فوضوي في كل المناسبات والفصول والمواسم. واكثر من ذلك، انه ابو الفوضوية في الالفية الثالثة كما كان نبضها الاقوى ومحركها ومرشدها “الروحي” من قبل. لا يعود تشومسكي، في هذا السياق المتجدد، الى اوراقه القديمة ليجتر مواقف ونظريات ومفاهيم كان اطلقها وهو في عز انتفاضاته الفكرية. لا يفعل شيئاً من هذا القبيل ولم يعتد على ذلك يوماً. بدا نافذ البصيرة، ممسكاً بالمفاصل الرئيسية لتحليلاته الفلسفية على نحو يتلاءم مع بنية المسائل الفكرية للعصر وطبيعة تطوراتها وتجلياتها في الادبيات السياسية والاجتماعية. ومع ذلك، لا تغيب صيغة الأنا عن الكيفية التي استخدمها في التعبير عن فضاء المضمون. غير انه لا يقدم على تغليب هذا المنحى بذريعة انه الاقدر على احتكار هذه النظرية، او بحجّة ان ما توصل اليه من استنتاجات واشراقات على هذا الصعيد يتجاوز اشواطاً بعيدة لدراسات اخرى وضعها آخرون. الأنا، وان بدت طاغية على مناخات الكتاب، فهي توظف، بالدرجة الاولى، في سياق تحديات فلسفية تخصه هو وحده. يتحدى نفسه بنفسه على قاعدة التجرؤ على استشراف مفاهيمه وكأنه يضعها للمرة الاولى. تشومسكي يواجه تشومسكي في مرآة ذاته. يوغل في النظر الى هذه المرآة ليحدث فيها تحولاً في داخلها غير المرئي. ولا يكترث بما قد يخلف على سطحها الخارجي من تصدعات او كسور او حتى تشققات. لا يضطر، البتة، الى الانزلاق الى مواقف اعتذارية من شأنها أن تحمله على مخاطبة قرائه بحجج دلالة على ما يمكن ان يعتبر عودة مفاجئة او اعتباطية له الى نزعته الفوضوية. وبالمثل، لا يظهر في الكتاب، بأي شكل من الاشكال، انه يحتاج الى ان يقدم الى قرائه، وهم بالملايين حول العالم، براءة ذمة او شهادة حسن سلوك فكرية ليستقبلوا هذه العودة بالترحاب. لا يبدو انه يلبس لبوساً انتهازياً في هذا السياق، بمعنى ان استدعاءه هذا المفهوم المعقد الذي منحه المجد ايام الشباب، سيمنحه المجد ثانية وهو في خريف العمر. لا يستجدي تشومسكي شهرة رخيصة لم تعد تهمه في شيء.

الفطرة الانسانية

والنتيجة انه لا يستخدم هذ الكتاب ليقوم بزيارة عارضة او موسمية الى كنف الفوضوية التي تحولت اليوم جزءاً صلباً من الانتفاضات الشعبية التي يشهدها العالم. على النقيض من ذلك، يستدعي هذا الارث الفلسفي الاجتماعي باعتباره تجلياً حيوياً لرغبة متأججة في الذاكرة الانسانية الشاملة طلباً لاستلهام ما تفترضه الفطرة الفردية والجماعية من مشاركة حقيقية وفاعلة في السلطة السياسية. ولعل “السلطة” في ما علق بها من ارث متشبث في الاستبداد والاستئثار والمصادرة لا مكانة هامة لها في الادبيات الفلسفية للفوضوية. لماذا؟ اولاً، لانها تتعارض مع طبيعة الفطرة المشار اليها. ثانياً: لانها تمثل الوجه القبيح للحداثة السياسية المعاصرة وامتداداتها البنيوية في الالفية الثالثة. ثالثا، لانها التوأم الروحي للرأسمالية المتوحشة التي يتهمها تشومسكي، من خلال النموذج الاميركي، بأن ما توفره للفرد من حريات مزعومة بيد واحدة، تسترده، في اللحظة عينها باليد الثانية. قد تبدو الرأسمالية وفقاً لتحليلات الفوضوية، مرابياً جشعاً. ومع ذلك، فقد استطاعت بدهاء خرافي ان توهم الناس انها لا تسلفهم المال والسلع والقروض والفرص فحسب، بل الزمن على نحو مماثل. تبيع الزمن للناس ثم تستوفي هذا الدين زمناً ايضا مرهوناً، في نظرها، بما ينطوي عليه من قيمة مالية نقدية او اسمية. الرأسمالية، في هذه المعادلة المنقوصة لانها تفتقر الى التكافؤ، تتحول شريكاً لما يسمى “الاقدار” في تحديد مفهوم الزمن، وايضاً في قسمته وتقاسمه ومن ثم توزيعه بغير عدل ومساواة على من يستحقه ومن لا يستحقه. والاغلب انها توهم الناس وتوهم نفسها في آن بأن هذه المتاجرة “الشريرة” بالزمن، بيعاً وشراء وحرماناً، هي العملية الضرورية التي تصنع التاريخ. على هذا الاساس، تصبح صناعة هذا الاخير مقصورة فقط على اصحاب السلطة والمال والنفوذ العابر

للجنسيات والقارات. ماذا عن الناس؟ لا تتعثر الرأسمالية في ان توهم نفسها ايضا بان الناس هم الوقود الذي يتعذر على هذه العملية المعقدة ان تتم من دونه. والاغلب، ان الناس هم الضرورة القسرية التي لا ينبغي ان تستكمل هذه العملية حلقاتها من دونهم. والا لتوقف التاريخ عن التعاقب او اصيب بالاعاقة. من هنا، قد تذهب الفوضوية بعيداً في هذه القراءة الى الحد الذي ترى فيه ان الناس لا يجدر بهم فقط ان يجبروا على شراء الزمن وبيعه طلباً للنجاة، بل يجدر بهم كلك ان يتحملوا وحدهم مغبة الاخلال بتدفق التاريخ بالسلاسة التي تفترضها الرأسمالية. الناس هم الضحية الجاهزة المعرضة للادانة الدائمة. كبش محرقة لا اكثر ولا اقل تعاقب كلما دعت الحاجة الى ذلك. ومن اسف انهم، في نظر الفوضوية، يشاركون الرأسمالية في اختيار هذا المصير لانفسهم.

مرآة الذات

يقارب تشومسكي هذه المفاهيم، بشكل او بآخر، من منظور فوضوي قريب من اذهان الناس العاديين، وقريب في الوقت عينه، من الذهن المتيقظ للرأسمالية. يفعل ذلك، على الارجح، بوقفة جديدة امام مرآة ذاته. يتسلل اليها بشفافية. يبحث في ارشيفاتها القديمة والحديثة عن مخزونه الفوضوي. يفككه في مواضع. يكوّنه في مواضع. ثم يعيد بناءه في المواضع كلها. عين على الفوضوية في مادتها الفلسفية الاجتماعية الاقتصادية. وعين على العقد الثاني من الالفية الثالثة.. لا يقدم ابداً على الادعاء بأنه يمكن اسقاط احديهما على الاخرى بحيث تتناسبان في الطول والعرض والكثافة. ولو فعل ذلك لاخل بمعادلاته وبدا مصطنعاً، انتهازياً مدعياً بامتياز. يجري قراءته في الفوضوية في ضوء مستجدات الالفية الثالثة. والعكس صحيح ايضاً. ينتقد مفاهيمه حيثما يقتضي الامر ذلك. لا يكتفي بهذا النقد والانتقاد. يتراجع قليلاً. يتقدم قليلاً او كثيراً في تحليلاته. يخلص الى الاستنتاج الهادئ والموثق بأن الفوضوية المستندة الى مرتكزات انسانية شاملة هي المستقبل المحتمل للفرد والمجتمع. لماذا؟ لانها الشعلة التي تلهب المخيلة الانسانية بأن ما يسمى “السلطة السياسية” هي اكذوبة العصر وكل العصور. السلطة هي نهاية التاريخ فعلاً.

فوضوية جماعية

[ يحرص تشومسكي في الكتاب على الدعوة الى ضرب جماعي من الفوضوية. لعله لم يكن على هذا النحو وهو في مقتبل العمر. في تلك الأثناء المبكّرة من حياته الأكاديمية وسيرته النضالية، بدا أميل الى استكشاف الطبيعة الفلسفية لهذا المفهوم في حالاتها المختلفة.

كان تجريبياً، في هذا السياق. بمعنى أن الاقتراب الموضوعي من هذه النظرية “الغامضة”، كان يتطلب، بالدرجة الأولى، معايشة حثيثة مع مناخها وأبعادها وتجلياتها كافة بغض النظر عمّا تنطوي عليه من منحى فردي أو جماعي. والأغلب أنه، في البدايات المشار إليها, كان يغلّب النزعة الفردية على سواها، باعتبار أن عملية الخلاص، في مجتمع يشوبه التنافر والتناقض والخوف، بدت ذات توجه فردي. وهذه من طبائع الصيرورة الاجتماعية في الاجتماع الغربي.

يحقق تشومسكي، في كتابه الفذّ الأحدث في ابداعاته الفكرية، نقلة نوعية إذا صح التعبير. يبدي ميلاً غريزياً الى استشراف المفهوم الفوضوي في نسيجه الجماعي من دون أن يلغي التوجه الفردي إلغاءً تاماً. لماذا يفعل ذلك؟ حفاظاً على ديمومة الفوضوية وجعلها منهجاً معتبراً يتهافت إليه المتمردون والمستاؤون من السلطة السياسية على قاعدة أنه يصلح ليكون ركيزة ثابتة في النضال السياسي. من جهة أخرى، يدرك تشومسكي، على الأرجح، ان النضال الفردي لن يسفر، في حقيقة الأمر، إلا عن نمط من الفوضوية الفردية. وهذه الأخيرة لن يكون بمقدورها أن تصمد وقتاً طويلاً أمام رأسمالية متوحشة تزداد توحشاً وقد باتت تمتلك من القدرات التقنية والوسائل الاعلامية والسياسية والتشريعات القانونية ما يمكّنها من الفوز بمعاركها الضارية بسهولة.

[ من أجل هذه الأسباب وسواها، لا يقدم تشومسكي على تحييد مفاهيمه الفوضوية عن الإرث الفلسفي الاجتماعي للحداثة الكلاسيكية. والمقصود بذلك، أنه يجري عملية انتقائية غير معقّدة وغير ممجوجة، بين الاشتراكية من جهة، والليبرالية من جهة أخرى. غنيّ عن القول إنه الاشتراكي الأشهر والأخطر في السنوات الخمسين الماضية. كما أنه الليبرالي الأشهر الذي انبرى الى الدفاع المستميت عن الحريات الفردية والجماعية في الخطوط الأمامية وفي الخنادق الأولى التي كانت ولا تزال تتعرّض لهجمات عقائدية قاتلة. مع ذلك، وعلى الرغم من تمرّسه المتجذر في صفوف الاشتراكية والليبرالة، لم يكن يوماً ايديولوجياً متزمتاً، متحجراً، “تكفيرياً” على هذا الصعيد. لم يقل يوماً إن الاشتراكية هي السبيل الأوحد الى الارتقاء بالمجتمعات الغربية. لم يقترف هذه الخطيئة التي لا تغتفر بحق الاشتراكية والليبرالية. كان ولا يزال يقارب هاتين الفلسفتين من زاوية منفرجة اذا صح القول. بمعنى أن الاشتراكية التي ينشدها هي تلك المشرعة بالكامل على استكشاف عناصرها الابداعية المتحولة في داخلها. اشتراكيته، في هذا السياق، هي تلك النزعة الانسانية المتغيرة التي تبحث عن ذاتها الافتراضية في ما ينبغي أن تكون. وليس في ما كانت أو انتهت اليه من جمود مطبق في تعريفاتها الأديولوجية. كثر ما زالوا يعتقدون بأن تشومسكي ماركسي كلاسيكي وإن حاول أن يظهر بمظهر مختلف. يخطئ هؤلاء خطأً فادحاً لأنهم يعيدون تشكيل تشومسكي على غرار ما يعتقدون. لطالما سعى هذا المفكر الكبير الى إنقاذ الماركسية من نفسها المتبلدة, وإنقاذ اللبيرالية من بوتقتها الأميركية الساذجة. نجح كثيراً في هذا المسعى, وفشل أحياناً ومراراً من دون أن ينهكه تعب المحاولة. من أجل ذلك, تخشاه السلطة السياسية في الولايات المتحدة خشية كبرى لأنها تتوجس شراً من فوضويته التي تذهب بالاشتراكية والليبرالية الى فضائهما الانساني الأوسع بعيداً عن أطرهما ومحدّداتهما الجامدة. والأغلب أنه لم يراود النخبة الهجينة الحاكمة في الولايات المتحدة قلق فكري يفوق ذعرها من تشومسكي. لماذا؟ لأنه قارعها في الرأسمالية والاشتراكية من دون أن يتشبّث بأي منهما، وأيضاً من دون أن يذعن لشروط هذه النخبة الملتبسة التي كانت ولا تزال ترغب في أن تنحرف بهذه المواجهة الى موقع يبدو فيه تشومسكي مناوئاً شرساً للرأسمالية وحاقداً عليها. لم يستجب لذلك. ولم تصدر منه انتقادات تلعن الرأسمالية وتتهمها بأشنع الأوصاف. بدا تشومسكي في نزاعه مع مفكري النخبة ومثقفيها ماهراً حاذقاً في قدرته على تجيير هذه المقارعة العنيفة لمصلحة التوافق على نوع من الرأسمالية أكثر انفتاحاً على معاناة الفرد المعاصر. نمط من الرأسمالية والاشتراكية تتفوقان على شكليهما التقليديين. وهذا ما لا تريده السلطة ولا مفكروها.

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف