مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

المثقفون والسلطة في أعمال بولغاكوف

المثقفون والسلطة في أعمال بولغاكوف       

 Ïèñàòåëü Ìèõàèë Áóëãàêîâ

معين حمد العماطوري    

ربما لم يتسنَّ للقراء العرب معرفة أعمال عظماء الغرب وأفكارهم وفلسفاتهم، من خلال الاتصال المباشر، إلا بعد أن دخلت الترجمة إلى العالم العربي، فقد تحقق للمبدعين التبادل الثقافي بأنواعه المختلفة، والشاهد على ذلك أعمال الطبيب والأديب ميخائيل بولغاكوف.

يشير المترجم الدكتور فريد حاتم الشحف في إطلالته السريعة على أعمال ميخائيل بولغاكوف، إلى أنه واحد من أكثر الأدباء الروس شهرة، على الرغم من أن إبداعاته تعود إلى النصف الأول من القرن العشرين. ويرجع سبب الاهتمام العميق بكتاباته، بالدرجة الأولى، إلى أن المشاكل والقضايا التي أقلقت الأديب، لم تفقد حيويتها وقربها من الواقع المعاصر، ومن ضمنها مسألة العلاقة المتبادلة بين المثقفين والسلطة. فقد كان بولغاكوف أديباً في الزمن الصعب، زمن الثورات والحروب الضخمة، الطوفانات النازية والهزات الكبيرة والقاسية، هذه الأحداث انعكست على شخصية المبدع بولغاكوف، مثلما انعكست على غيره من المثقفين الروس الذين لم يتقبلوا الثورة. لكن بولغاكوف لم يستطع فصل مصيره عن مصير روسيا. فقد سار إلى النهاية في الطريق المقدس للفنان، الموسوم بالأفكار المغايرة. كذلك سار أيضاً أبطاله المثقفون.

ويرى الدكتور الشحف أن موضوع (المثقفين والسلطة) عند بولغاكوف، هو موضوع يتعلق بشخصية المبدع، ويعكس الجوانب الهامة من وجهة نظره. ولهذا نجد الموضوع مجسداً في إبداعاته، مثل روايته الأولى (الحرس الأبيض)، التي تناولت العلاقة المتبادلة بين المثقفين والسلطة في فترة مأسوية حادة. يبدأ بولغاكوف الرواية قائلاً (عظيماً كان عام 1918 لميلاد السيد المسيح، منذ بداية الثورة الثانية. إذكان وافراً بالشمس صيفاً، وبالثلج شتاء، وما ميزه بشكل خاص وقوف نجمتين عالياً في السماء الكوكب الراعي – الزهرة المسائية، والمريخ الأحمر المرتعش).

 لامس بولغاكوف مصير الفئة المثقفة في روسيا، في كل أعماله الأدبية، لكن هذه المسألة تنكشف بشكل أشمل في كتابه الرئيسي – رواية (المعلم ومرغريتا). إن المصير المأسوي لغينيا الذي ألف رواية (بوتني وبيلاتي) – هو تركيبة العشرات والمئات من المصائر الإبداعية التي حطمتها الثورة. المعلم هو تقي عظيم، وكاتب عبقري، لا يناقض عصره. إنه بكل بساطة لا يندرج فيه، ولهذا السبب سيتم القضاء عليه. إنه يتنحى عن الواقع، ويحاول أن يترفع عنه، ثم يدخل في سجال في آخر رواية لبولغاكوف، ليس فقط بين المثقف والسلطة – بل يتواجه فيها الأبدي والآني كذلك. واهتم بولغاكوف وهو يتابع مصير الفئة المثقفة الروسية على مدى أعوام منذ عام 1920 حتى عام ،1930 ليس فقط السلطة، التي أهلكت نور الأمة برأيه، ولكن الفئة المثقفة نفسها، لأنها لم تتمكن من الدفاع عن مُثلها. فإذا بدا التوربينيون فرساناً دون خوف وعتب، فإنه لا البروفيسور بريوبراجينسكي ولا البروفيسور بيرسيكوف بطل رواية (بيوض القدر)، كانا كذلك. يعترف المعلم بأسى في الختام، أنه يستحق الراحة، ولا يستحق النور. إن المسائل التي تعرَّض لها بولغاكوف في الأعوام الثورية في روسيا، لم تُحَلَّ حتى يومنا هذا. فالتغيرات التي حصلت في روسيا مؤخراً، طرحت من جديد مسألة دور الفئة المثقفة ومصيره، ولهذا السبب فإن محاكمات بولغاكوف العقلية تساعد الكثيرين في روسيا وفي العالم على إيجاد أجوبة لأسئلة عصرنا الملحة.

وأوضح المترجم الدكتور ثائر زين الدين أن ميخائيل بولغاكوف المولود سنة 1891 في مدينة كييف، دخل كلية الطب فيها، وتخرج فيها بدرجة امتياز. وفي عام 1916 بدأ العمل في المستشفيات العسكرية على جبهة القتال في أوكرانيا، ثم عمل طبيباً في أحد أقضية محافظة سمولنسك، حيث أدى واجبه بأمانة وإخلاص في وسط غاية في البؤس والسذاجة والتخلف، وقد رصد ذلك في عمله (مذكرات طبيب شاب)، الذي قمت بترجمته عام 1994 بالاشتراك مع د. أسامة أبو الحسن ود. نجاة عبد الصمد. وأشار د. ثائر زين الدين أن الكاتب بدأ كاتباً مسرحياً قبل أن يكتب مذكرات طبيب شاب والمغامرات العجيبة لدكتور، فأنتج أعمالاً تركت أثراً طيباً في نفوس المشاهدين، منها الأخوان توربين سنة ،1920 وفي وقت لاحق أيام آل توربين، التي حققت له شهرة واسعة. وشاهدها ستالين على مسرح موسكو الفني مرات عدة. لكن معظم ما كتبه في المسرح فيما بعد، ولاسيما (الهروب) التي حُظر تقديمها حتى على ستانيسلافسكي نفسه، لقي عداءً منقطع النظير من نقاد سطحيين. وفي عام 1921 انتقل إلى موسكو وتفرغ للعمل الأدبي تاركاً مهنة الطب، فكتب بين عامي 1922 و1924 رواية الحرس الأبيض، وهي أول عمل روائي كبير له، ثم كتب (بيوض القدر) أو (البيوض القاتلة) التي قمت بترجمتها مع د. فريد الشحف عام 2007. ومن المواضيع المحببة لدى كاتبنا (الشيطان) التي قمت بترجمتها أيضاً مع د. فريد. أخيراً ثمة سؤال يطرح لو توفرت الظروف المناسبة للمترجمين الأكفاء في بلدنا لأغنوا المكتبة العربية بأثمن الإبداعات العالمية والإنسانية.

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف