مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

غدا مظاهرة!

غدا مظاهرة!

 Sans titre

السيد نجم

خاص بالموقع

لم تكن المرة الأولى التي لم أنم فيها قبل حضور أبى، لأنها ليلة الجمعة التي عادة ما ألاحظ فيها أبى مبتسما، وغالبا أشوفه صامتا. فى ليلة الجمعة من كل أسبوع يدخل علينا وفى يده لفافة برائحة أعرفها..

وتعلمت أنا وأخي لا ننام قبل عودته مع روائحه التي نحبها!

ولا ينتظر أبى طويلا، يسرع ويسحب قطعة من أصابع “الكفتة” المشوية، ويقدمها إلى والى شقيقي الأصغر “سلامة”. ولا ينسى أبدا أن يبتسم وهو يطبطب على ظهري، يقول لي ولأخي:

“كل منك له، وعلى السرير حالا، قبل ما تحضر “الشمامة” وتأكل الكفتة كلها!”

أبتلع قطعة الكفتة، وأنا أتحفز لصباح جديد، فأتلصص في كل ركن من أركان الشقة الضيقة، أبحث عن بقية اللفافة.. وفى كل مرة اكتشف أن أمي وأبى والشمامة التهموا الكفتة كلها.

فى الأسبوع الماضي، همست فى أذن “سلامة”:

“لا تنم، الليلة سوف ننتظر حتى ينتهي أبى وأمي من أكل اصبعى الكوفتة، والباقي نأكله قبل الشمامة ما تأكله”

وافقني أخي، وليس من عادته موافقتي إلا فى مغامراتنا مع الأكل المخصوص.. مثلما يحدث لكل ما تجهزه أمي فى الأعياد.. فنبيت تحت السرير لنلتهم الكعك الدافئ ليلة عيد الفطر، أو هبر اللحم فى العيد الكبير!

وصحينا وكأننا لم ننم، لم نجد غير كيس بلاستيك فارغ، وان شممت فيه رائحة الكفتة، ومن جديد ضحكت علينا “الشمامة”!

ما حدث، غريب جدا وعجيب.. لم يدخل أبى علينا باللفافة، ولم تسبقه رائحة الكفتة المشوية، التي خططنا لها بحيلة جديدة، أن نبيت تحت سرير أبى ونلتهم ما يتبقى بعد أن ينام هو وأمي..

وكانت المفاجأة..

لم يدخل أبى ضاحكا ولا بين يديه رائحة اللفافة!

كتمنا النفس، لم نعطس ولم نكح، ولا حتى تقلبنا على الأرض، حتى لا نصدر صوتا.. بالرغم من هيصة الحارة التي لا تنم، سمعنا كل ما قاله أبويا لأمي. قد تكون المرة الأولى التي أسمع فيها صوت ضحكة لأبى، والغريب العجيب أنني فقدت صوت أمي، فكانت المرة الأولى التي أعرف أن لأمي رغبة فى أن تتكلم بصوت منخفض، ولا أسمعه بوضوح.

كل ما سمعته وهللت له فى صمت، لحظة أن قال أبى لأمي:

“جهزي نفسك، من أول النهار عندنا رحلة”

“رحلة.. على فين؟”

“مصر.. سننزل القاهرة فى سيارة أتوبيس كبيرة”

“فهمني.. إيه الحكاية؟”

“لا هي حكاية ولا رواية.. غدا مظاهرة”

فسألته أمي عن الكفتة المشوية، واتهمته بالبخل، خصوصا أنهما لا يأكلونها إلا فى ليلة الجمعة، بسرعة رد أبى وقال لها:

“أنا قلت لك السبب.. غدا مظاهرة”

لم أفهم، لكن أمي فهمت، وما كان منها إلا أن ضحكت.. وضحكت لفترة طويلة من بعد، ومع ذلك لم أفهم! ولا لماذا لم أسمع بوضوح صوتها الهامس الضاحك، ولا حتى لماذا لم تكف الضحك؟ الظاهر إن أبويا يزغزغها!

وهمست ل “سلامة” أن يبقى منتبها حتى الصباح، وإلا سافر أبى وأمي إلى القاهرة وحدهما، كما يأكلان الكفتة وحدهما.. لم يرد، نام قبل أن يعرف سبب عودة أبى من غير الرائحة التي نتمناها!

*****

كانت المرة الأولى التي أجلس فيها داخل تلك السيارة الكبيرة.. الهواء فيها غير الهواء خارجها.. بارد ولطيف، الناس أمامي ومن حولي أعرف بعضهم من الجيران، حتى الولد “جاد الله” زميلي فى فصل الصف الرابع فى المدرسة، أراه مع أبيه.. لمحته ينظر إلى من غير كلمة واحدة ولا ابتسام، وفهمت ما يقصده ويعنيه.. أنه يخبرني، كم هو أفضل منى لأنه يجلس إلى جوار النافذة، وأبى رفض أن يتركني على المقعد بجوار النافذة، وان قال كلاما لم أسمع منه إلا جملة واحدة:

“لو واحد رمى طوبة على الزجاج، ح يعورك”

لم أفهم لماذا يرموننا بالطوب ونحن ذاهبون فى رحلة؟!

حظي أوقعني الجلوس إلى جوار أبى، و”سلامة” يرمى نصف لسانه نحوى، لأنه صحيح جلس مثلى بعيدا عن النافذة.. لكنه جلس إلى جوار أمي، ولمحته يركن رأسه على صدرها، وحوطته بذراعها الأيمن، فنظرت إلى أبى المشغول بكيس من البلاستيك يعبث في داخله، ثم أدار رأسه إلى الخلف، من الفتحة بين المقعدين، وقال لأمي:

“أربع وجبات كفته يا أم “أبوالعينين”..”

“بس؟”

“وعبوة مياه معدنية.. كبيرة، وأربع علب بيبسي”

“أنا شفتها علب سبريت”

“بيبسي أو سبريت، كله خير!”

الظاهر ودون أن أدرى رميت مناخيرى ناحية الكيس، وهى فرصة كي أنام على صدر أبى، الذي لم أره مكشر كعادته.. لكنه خيب ظني ولم يفلح خبثي، سمعته يقول وهو يرمى رأسي بعيدا:

“حاسب يا ولد، الأكل تدهسه بدماغك!”

لا أدرى لماذا تعمدت النظر إلى جواري، إلى زميل الفصل، فوجئت به لا ينظر نحوى، كما كان يفعل، انشغل أكثر بالتهام رغيفه المحشو بالكفتة، فسال لعابي.. لم يكن وحده يلتهم الكفتة، أكثر من نصف الركاب التهموها، فنظرت إليهم ووقفت أبحلق حتى آخر السيارة الكبيرة، ثم نظرت إلى أبى، الذي لم يفهم معنى نظراتي!

لكنه فهم، والمصحف الشريف فهم، وإلا لماذا قبض على الكيس البلاستيك، وضمه إلى صدره أكثر، ثم عاد ونظر إلى أمي فى المقعد الخلفي وقال:

“النهار طويل، لو أكلنا وخلصنا الكيس.. لن تكفينا العشرين جنية، وهبة سفر لكل واحد فينا، للحضور والمشاركة فى المظاهرة.. أكيد الباعة فى مكان المظاهرة سيرفعون الأسعار”

لم تتركه أمي كي يزيد، لأنها قالت بحسم وهى تضم رأس أخي بين كفيها:

“الثمانين جنيه ينفعونا فى عيشتنا”

*******

وما أن بدأت الرحلة، وتحركت السيارة، كان أغلب الركاب انتهوا من الأكل، وانقلبت الدنيا.. من الصوت الهامس إلى الأصوات الزاعقة التي أعرفها عنهم. وضح لي أن السائق هو الوحيد الصامت، والذي لم أره فى بلدتنا من قبل، وحتى عندما اقترب منه عم “عامر”، وهمس فى إذنه بكلمات لم أسمعها، لم يرد عليه.. أخذ منه شريط كاسيت، ودسه فى شيء أمامه، وسمعت ترتيل بأسماء الله الحسنى، ثم الفاتحة، بعدها أناشيد وموسيقى فكرتني بالمدرسة، حتى وأنا فى الرحلة طابور المدرسة؟!

كان ممكن أصبر على الجوع، وعلى الروائح، لو كانت المسافة هينة، لكن المسافة طالت، وتأكدت أن القاهرة بعيدة، مرت ساعة وزيادة ولم نصل لمكان الرحلة!

نظرت إلى أمي كما فعل أبى، كانت مشغولة أكثر بتغيير مكانها، رأيتها تحمل “سلامة” على حجرها، وجلست مكانه، بعيدا عن زجاج النافذة!

فجأة، قفزت قفزا من فوق المقعد وارتميت على فخذي أخي النائم فوق فخذي أمي، فهمت ما لم أنطق به، حوطتنى وأخي بذراعيها، مالت نحو الفتحة بين المقعدين أمامها، وهمست:

“العيال جعانة يا سى “شديد””

فلما أعادت ظهرها ثانية، وهونت من قبضتها، كانت قبضة أبى تسحبني من قفاي، يعيدني إلى مقعدي، وهو يقول لي:

 “اعمل حسابك انك ستأكل ما يخصك طول النهار، وحتى نعود.. فهمت”

لم أتردد فى أن أهزهز رأسي موافقا.

وقبل أن انتهى من الرغيف المحشو بأصابع الكفتة اللذيذة، فهمت من أبويا إن الرحلة تبدأ وتنتهي من هنا، وافقته ولو أنني لم المح من زجاج النافذة إلا رؤوس كثيرة، كثيرة جدا، لم تراها عيني من قبل، فشعرت بشيء من الخوف؟!

كان من الضروري أفرح لأنني لست فى حواري مدينتي الضيقة، خاصة بعد أن بانت لي الشوارع المزدحمة للقاهرة التي أسمع عنها، سألت أبويا: “وصلنا القاهرة؟”.. كان منهمكا أكثر بإحكام عمامة فوق رأسه، ولم يجب على سؤالي..

سألت أمي: “وصلنا القاهرة؟”، لم تجب هي الأخرى، نظرت نحوى فقط!.. لمحتها تتابع أبى وتقول:

“العمامة تحمى دماغك لو ضربوك عليها!”

لم أفهم، كيف نخرج فى رحلة، وأبى يعلم أننا معرضون للضرب؟!

عاد عم “عامر” وسحب شريط الكاسيت، وقبل أن يفتح السائق باب السيارة، سمعته يأمرنا بأشياء كثيرة، لم أفهمها، والحقيقة لم أكن أرغب فى الاستماع إليه، لكن شعرت أن أبى وبقية الرجال فهموه، وصفقوا له طويلا، وبدأ بعضهم يهتف بصوت زاعق وكأنه يصرخ، الغريب أن الركاب فهموا ما يصرخ به، إلا أنا.. اكتفيت بالبحلقة.

تابعوا الهتاف وأنا أتابعهم فى صمت، وإذ فجأة يلكزني أبى قائلا:

“اهتف يا بن الكلب، اعمل بأكلك”

فهتفت، الحقيقة صرخت، لأنني لم أفهم ما يرددونه، لكن فعلت مثلهم حتى شعرت أنني مثل أبى كبيرا، ومثل أولاد الصف السادس فى المدرسة الكبار!

لم أكن أعرف أن أهل مدينتي محبوبين، عرفت الآن.. فور أن وقفت السيارة وسط الزحام، وفتح السائق باب السيارة، صعد أحدهم والقي خطبة كما التي أراها وأسمعها فى تليفزيون المقهى. لم أفهمها أيضا، لكن وبحق لا أدرى لماذا فرحت عندما قال:

“.. ميعاد العودة، بعد صلاة العشاء والدعاء بالنصر والثبات”

وأيضا لم أفهم.. النصر على من؟ وما معنى الثبات هذا؟

لا يهم.. المهم أنني الآن فى بداية الرحلة.. فى القاهرة، كم هي كبيرة، أكبر من بلدتنا حقيقي!

وما أن عاد الشاب القوى إلى خارج السيارة، صعد ثلاثة من الشباب، شفتهم أقوى من الأول، كانوا يبحلقون فى كل الركاب، وكأنهم يبحثون عن شيء، لكنى لا أعرفه؟

لا أدرى لماذا شعرت أنهم يبحثون عنى لأنني أكلت رغيف الكفتة كله.. وعلى غير رغبة أبى؟!

********

 كنت مع أبى وأمي وأخي، أخر من هبط من السيارة، وأقول الحق، شعرت وكأن أبى لا يريد أن يترك مقعده، لم يأمرنا بالتحرك إلا بعد أن صرخ فيه السائق، وكانت أول مرة أعرف أن للرجل صوتا، يقول:

“قاعد عندك ليه يا جدع أنت؟!”

فكانت المرة الأولى التي أرى فيها واحد من الناس، يصرخ فى وجه أبويا، فيطيع أبى، كما يفعل هو معنا، وتماما كما نرد نحن.. أنا وأخي وأمي، أو ننفذ فى صمت!

حتى أنه رد عليه بصوت منخفض، مثلنا يقول:

“طيب.. نازل حالا!”

كم كان أبى غريبا، وكأنه ليس أبى الذي أعرفه. لم أكن يوما أراه حريصا على أن يمسك كفى، وبين الحين والحين يشد عليها فى صمت.. وكأنه يتأكد أنني ما زلت فى حراسته!

أول مرة وأنا أهبط معه درجات سلم السيارة الكبيرة، ودرجات سلمها المرتفعة، حتى كدت انكفئ على وجهي إلى الأرض، فإذا بقبضته القوية ترفعني إلى أعلى حتى بلغت وجهه، ولمحت سحنته القلقة على!

ولأول مرة المح فى أبى عادة لم أكن أراها فيه، أحلف بالمصحف الشريف أنه ما يفعلها أبدا أمامي.. رأيته ما بين خطوة وخطوة نخطوها وسط الزحام، يدير وجهه إلى الخلف.. فلما كررها كثيرا فعلت مثله، ربما أفهم، لم أفهم، وان لمحت أمي فى كل مرة تهزهز رأسها مبتسمة، وهى تقول له:

“أنا وسلامة من خلفك.. اطمئن!”

وبعد أن تابعنا السير وسط الزحام، لم يتركني أبى كي ألهو والعب، ولا كنت أظن أنه يفعل، ما يفعله الآن.. رأيته يقبض على كفى بكفه اليمنى، وبكفه اليسرى، يزيح الناس من أمامي!

والآن تأكدت أنني فى مكان يكفيني، وزيادة.. شفت كل المراجيح هنا وهناك، وعربات الترمس، وغزل البنات، حتى ثلاجات ممتلئة بزجاجات البيبسي أو الاسبريت كما تقول أمي، وبعضهم يبيع الشاي الساخن.. ماذا يريد أبى أكثر من ذلك؟ لماذا يتابع السير أو حتى الجري، أراه يسرع من خطواته حتى بدأت الهث!

وسمعت صوت أمي غاضبة، وللمرة الأولى تأمره وتقول:

“كفاية كده يا شديد.. الولاد تعبت!”

لم يرد..

تابع خطواته وهو يجرنا خلفه جرا..

أخيرا شعرت بخروجنا من وسط الزحام..

التقط ظل شجرة كبيرة، وقف ووقفنا معه تحتها..

فى تلك اللحظة، لم نكن نلهث وحدنا، كان يلهث معنا، ينظر نحونا نظرة لم المحها عليه من قبل، بدا لي وكأنه يخاف مثلى ومثل أخي سلامة، وشعرت لحظتها بشيء غريب، لم أتوقعه..  لا أعرف لماذا شعرت أنه يحبني، يحبنا كلنا!

هل لأنني رأيته قلقا على؟! وعلى أمي وسلامة؟!

أم لأنه كان يزيح الناس من أمامي ومن أمامهما؟!

أم لأنه فعل بنا ما فعل، حتى وصلنا إلى هنا، تحت الشجرة.. بعيدا عن المظاهرة!

********

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف