مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

فيلم «الجامع» في كتاب و«دي. في. دي.» داوود أولاد السيد.. البناء من الداخل

فيلم «الجامع» في كتاب و«دي. في. دي.» داوود أولاد السيد.. البناء من الداخل

105469

محمد بنعزيز

يصل خبر سعيد إلى قرية في «وارزازات» جنوب شرق المغرب، مفاده أن مخرجاً غربياً سيأتي ليصور فيلماً هنا. من هو المخرج؟ تطوّع شخص وقال إنه باولو بازوليني. تحمّس سكّان

القرية جداً. سبق لبازوليني أن صوَّر في المنطقة. كان كريماً، حسّن حياة الكومبارس الذين عملوا معه، وعاملهم باحترام. هذه فرصة أخرى لهم. يعدهم التهامي (محمد مجد) بأن صديقه بازوليني سيساعدهم. كانت نيّة التهامي حسنة. التهامي معجب ببازوليني، المخرج المناضل عدو البورجوازية. كان مخرجاً مثقفاً يدافع عن قضية.

هكذا يبدأ فيلم «في انتظار بازوليني» (2007) للمخرج المغربي داوود أولاد السيد. نرى مئات الكومبارس يشاركون في تصوير فيلم تاريخي عن الرومان. يجري الحوار بين الملك ووزيره أمام الشعب في الـ«أغورا» بينما تحيط بهم التماثيل الحجرية. فجأة، يقتحم المقدَّم (أصغر موظّف في وزارة الداخلية ومبعوث السلطة) البلاتوه ويتلصّص على مجريات التصوير. يستمع إلى حوار يشتكي فيه الملك من «عام الجوع»، ومن نقص الإمكانات المادية لدى جلالته. يغضب المقدّم. يتوهّم أن الحوار يتناول «صاحب الجلالة الملك»، الحاكم حالياً في المغرب، بينما يجري تصوير فيلم عن الملوك القدامى. كتب يوسف فاضل سيناريو الفيلم في فصول ينتج بعضها بعضاً. بعد دفع أجور الكومبارس مثلاً، نرى النتائج: علال يبني، والفقيه يؤثّث، والتهامي يسْكر. يوجد تركيب سببي باطني في الفيلم أعمق من ذاك الذي نراه. لقطات متّصلة بقوّة تجعل الفيلم قطعة واحدة.

في لقطة ممتعة نابعة من السياق، يؤدّي الكومبارس دور مقاتلين رومانيين. في لحظة استراحة، تمرّ جنازة لا يتبعها أحد. شارك الكومبارس بملابس الرومان فيها، وصرخوا «الله أكبر»، وأسرعوا إلى «تعشير الخطوات». نرى الجنود الرومان خاشعين خلف جنازة مسلم. يخرج الفقيه من دوره في الفيلم، ويعود إلى دوره في الحياة. يؤبّن الميت. يدعو له، بينما باقي الكومبارس يردّدون آمين وهم مسلّحون بالرماح. ينادي المخرج الكومبارس، فيعودون إلى العمل. يغادرون الواقع إلى المتخيّل. بعد أيام، يتوقّف التصوير لسبب ما. ارتطم الكومبارس بواقعهم مجدّداً. الجلسة السرّية للتهامي والفقيه في «الجامع» فكّت العقدة. جرت مكاشفة علنية غير مقصودة حول واقع القرية وأحلام الكومبارس. بقي ميكروفون مؤذّن الجامع مفتوحاً، فسمع الناس الحقيقة: بازوليني قتل منذ سنوات، وليس هو مخرج الفيلم الذي توقّف تصويره.

في «الجامع» (2010)، رجع أولاد السيد إلى المكان نفسه: المسجد الذي بُني كديكور لتصوير «في انتظار بازوليني» صار مكاناً لصلاة القرويين. عبر من المتخيّل إلى الواقع. النتيجة أن موحى الفلاح يريد هدم المسجد ليحرث أرضه. تعتقد زوجته أن على المخرج الذي أقام الديكور دفع الثمن، وحلّ المشكلة. لكن المخرج بخيل. ظهور داوود أولاد السيد في الفيلم مبرَّر تماماً. موحى مواطن نحيف فقير في المغرب العميق يريد أرضه ليحرثها. أليست الأرض لمن يحرثها؟ فقط لا بُدّ من هدم الجامع. هل يجوز هدم مسجد، بينما من بنى مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنّة؟ تتوالد تعقيدات القصّة من نقطة واحدة. تتوالد المشاهد متناسقة، باستثناء إقحام مشهدي الإحصاء والحديث مع حفار البئر. فيلم «الجامع» عميق، بلا ضجيج، لكنه يعاني بخلين: في الكتابة والـ«كاستينغ».

محمد بنعزيز

(المغرب)

صدر سيناريو «الجامع» مؤخّراً في كتاب باللغة الفرنسية، ضمن «مجموعة سيناريوهات من المغرب»، متضمّناً نسخة «دي. في. دي.» من الفيلم.

عن السفيراللبنانية

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف