مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

التجربة الروائية المغاربية دراسة في الفاعليات النصية وآليات القراءة

التجربة الروائية المغاربية دراسة في الفاعليات النصية وآليات القراءة

 Sans titre

عمر كوش

عادة ما يطرح السؤال حول وجود رواية مغربية لها خصوصية تميزها عن الرواية في المشرق العربي. وهو وجود لا متعين له إلا في الإطار الإجرائي، وبدافع البحث عن الخصوصية

في التقسيم الجغرافي الاقليمي، الذي لا يصمد أمام منطق الفحص والتحليل العلمي، خاصة وأن الرواية بشكل عام عرفت انتقالاً من أوروبا الى بلدان المشرق العربي ثم الى مغربه، وذلك من خلال عمليات وحيثيات المثاقفة والتفاعل والتلقي والأقلمة، التي لا تخص اقليماً جغرافياً أو حضارياً بعينه، وتتيح امكانيات التمازج الثقافي واكتساب المعارف وطرق التعبير الفني والجمالي، الى جانب الأساليب الفنية والتقنية للتعبير والتواصل الثقافي. وفي هذا السياق يبحث فتحي بوخالفة في كتابه “التجربة الروائية المغاربية” (عالم الكتب الحديث، عمان، 2011) عن مقاربات علمية في التجربة الروائية المغاربية، من خلال دراسة البنى والفاعليات النصية، وآليات القراءة وسوى ذلك.

ولا شك في أن التجربة الروائية المغاربية، مثل غيرها من الرواية العربية والعالمية، تمكنت من تفتح آفاقها لاستيعاب مجمل قضايا الواقع في بلدان المغرب العربي، وتجسيد الملابسات الاجتماعية بكافة حيثياتها، والتعبير عما يختلج في الذات الانسانية من آمال وآلام وطموحات، وسعت الى تجسيد الواقع المغاربي بمختلف حيثياته، وخلال مختلف المراحل التاريخية، التي مرّ بها الانسان في البلاد المغاربية، بدءاً من الحقبة الاستعمارية، مروراً بمرحلة الاستقلال الوطني، وصولاً الى التغيرات والاهتزازات التي عرفتها دوله مؤخراً.

ويمكن القول ان التجارب الروائية المغاربية حققت ما يسمى بتجاوز مرحلة التجريب، وانطلقت الى آفاق الاحترافية والعالمية، وبشكل مكنها الخروج من الحلقة الضيقة في المعالجة، الى استحداث أساليب فنية جديدة في تجسيد قضايا الراهن، على مستوى الطرح، وتقنيات المعالجة. كما عرفت التجربة الروائية في بلدان المغربي تعددية لغوية، حيث كتبت روايات باللغتين العربية والفرنسية، الى جانب المزاوجة بين اللغتين، الأمر الذي أكسبها خصوصيات متفردة عن سائر الروايات المنتمية لأقطار متعددة؛ على أن الرواية المغاربية المكتوبة باللغة الفرنسية، بقيت محتفظة بالأسبقية في ولوج العالمية، حيث يعود ذلك الى عوامل تاريخية وثقافية.

التطبيق

وفي الجانب التطبيقي، يختار فتحي بو خالفة معالجة نصوص روائية مغاربية من الجزائر، وتونس، والمملكة المغربية، بناء على تميزها من تعددية الشكل واللغة وتقنيات المعالجة، وتنوع طبيعة المواضيع المطروحة، وعلى اشتراكها في معالجة الواقع المغاربي بشكل عام، تبعاً للقواسم الحضارية، والتاريخية، والثقافية، والواقعية. فمن الجزائر يختار روايات “فاجعة الليلة السابعة بعد الألف” و”رمل الماية” و”نوار اللوز”، “وسيدة المقام”، و”مصرع أحلام مريم الوديعة” لواسيني الأعرج. ورواية “ذاكرة الجسد” لأحلام مستغانمي. وروايات “التفكك”، “ألف وعام من الحنين”، و”الانكار” لرشيد بوجدرة. وروايات “الشمعة والدهاليز”، و”الولي الطاهر يعود الى مقامه الزكي”، و”تجربة للعشق” للطاهر وطار. ويختار من تونس رواية “عائشة” للبشير بن سلامة، و”المنعرج” لمصطفى الفارسي، ورواية “التوت المر” لمحمد العروسي المطوي، و”حدث أبو هريرة قال..” و”السد” مولد النسيان لمحمود المسعدي، ورواية “النفير والقيامة” لفرج الحوار. أما من المغرب فوقع اختياره على رواية “كازابلانكا” لمحمد صوف، و”العجب العجاب” لأحمد المديني، و”أحلام بقرة” لمحمد الهرادي، و”صلاة الغائب”، و”محا المعتوه محا الحكيم”، و”ليلة القدر” للطاهر بن جلون، ورواية “خيط أريان” لمحمد رضا الكافي.

ويخلص فتحي بوخالفة من دراسة الروايت السابقة الى أنها سعت الى تغليب طابع الروائية على امتداد البنية، والى تجسيد معطيات الحاضر بالرغم من تماهيها مع الماضي، الأمر الذي جعلها تتأسس بين التاريخ والراهن على وظيفة استعمارية، إذ لم تسع الروايات الى خلق مناخ تاريخي صرف، يجعل من البنية تتأسس وفق أنماط جمالية أخرى، إنما سعت الى الاستفادة من سياقات تاريخية بعينها وتوظيفها جمالياً على ضوء معطيات الحاضر، وهذا ما يجعل النصوص الروائية تكتسب صفة الانتاجية، كونها تعيد صياغة عناصر التاريخ وفق الوعي الموضوعي لمعطيات الحاضر، وبشكل جعل اللحظات التاريخية تعرف استمراريتها الدائمة، تبعاً لطبيعة النسق التطوري المتميز بالتناقض بين أجزائه المكونة.

المراحل التاريخية

وارتبطت التجارب الروائية بمواكبة المراحل التاريخية لظهور الحركات والثورات التحررية في بلدان المغرب العربي، الى جانب حركات الاصلاح والتجديد، مما أكد الطابع الاجتماعي للتجربة، وانطلاق اللغة الأدبية، الى آفاق الابداع والتجديد، وتخلص المضامين من بوتقة الرتابة والابتذال، والبحث عن اساليب الحفاظ، على سمات الهوية ومقومات الشخصية المغاربية. وبغض النظر عن الخصوصيات الفنية التي تميزت بها التجربة الروائية المغاربية، فقد عرفت بداياتها، التحديثية الأولى منذ الاستقلال، أهمية قصوى للرسالة الاجتماعية، وبشلك خاص لقضايا الثورة والتغير والالتزام. وقد سعت الرواية المغاربية، الى مواكبة تاريخ فضاء المغرب العربي، ورصد تحولاته بمجمل تنويعاتها، اضافة الى صدورها في المجمل عن قواسم مشتركة، تتعلق بتجسيد الروائيين للسياقات السياسية والسوسيو ثقافية؛ إذ تجسدت هذه السياقات، من خلال الموروث اللغوي المشترك بسماته الحضارية والتاريخية.

الفكر

وفي الجانب الفكري، استندت السياقات الفكرية، في تشكيلها لسياقات الرواية المغاربية، الى مسائل ايديولوجية، وعقيدية، ومسائل فكرية أخرى كالصوفية والوجودية، حيث تميّزت الايديولوجيات، بكونها بنى فكرية مجردة، ارتبطت بتجسيد المواقف وتحديد التصورات الذهنية، إزاء الظواهر والأشياء، وخاضت في التطورات الاجتماعية والاقتصادية عاشتها دول ومجتمعات المغرب العربي، وفي سائر القضايا ذات الصلة المباشرة بالواقع.ونظراً لخصوصية الخطاب الروائي المغاربي بشكل عام، والمتسم بطابعه النسبي، شأنه بذلك الخطاب الروائي عامة، فإن هذه السمة جعلته يضم في ثناياه مواقف ايديولوجية على درجة من الاختلاف. وتأسست المنظومات الفكرية، ذات الصلة بالواقع، نتيجة عوامل تاريخية، حيث كانت هذه العوامل، مثل الاستعمار وغيره، ذات الأهمية الأساسية، في إقرار وقائع معاشة، وبالتالي لم تنفصل المواقف الايديولوجية عن الواقع والمواقف التاريخية، بالنظر الى أن أنماط التفكير هي في حد ذاتها، ذات أبعاد واقعية. وعليه، انبت العديد من الجوانب المضمونة للرواية المغاربية على نماذج للتصورات العقيدية التي صاغت سياقاً فنياً، وكانت بمثابة البديل للظروف الواقعية السائدة، وكان تأسيس الشخصية الروائية لتلك التصورات بوصفها بديلاً، كافياً لعدم تكيفها مع طبيعة الواقع.

عن المستقبل اللبنانية

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف