مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

قراءة فلسفية في ظاهرة الربيع العربي

قراءة فلسفية في ظاهرة الربيع العربي

 aaa

د. عصام عبد الفتاح

لم يكن القائمون بالعمل الثوري في 25 يناير عام 2011 يدركون أنهم يشكلون نسبة ضئيلة في جمع هائل من البشر بينهم أنصاف مفكرين و أنصاف مثقفين و أنصاف متعلمين ناهيك عن

عدد أكبر بكثير ممن لم يكن لديهم أي نصيب من التعليم أو الثقافة. كانت تتردد علي ألسنة الجميع عبارات من قبيل : “يسقط حكم العسكر” ، “نريدها دولة مدنية دمقراطية وليست دينية أو علمانية” ،”مجتمع العدالة الاجتماعية” ، “القضاء علي الفساد” ، ” محاكمة القتلة و المفسدين”…الخ

ولما انقسمت القوي السياسية بين فريقين: أحدهما يبغي تأسيس دولة دينية رغم انكاره الصفة الدينية عنها، و أخر يريد تأسيس مجتمع “مدني” قائم علي “المواطنة” والديمقراطية، نشب صراع بين القوتين و توالت المليونيات الاسبوعية، تارة يقودها هؤلاء و تارة يقودها الأخرون. وراح كل فريق يتتبع خطاب الأخر حتى يدلل للكافة علي تهافت حججه ورجعية فكره وعقيدته. بيد أن اختلاف الجمعين في الفكر والاتجاه لم يحل دون اشتراكهما في ذات الداء العضال والغيبوبة الفكرية التي انعكست بشكل واضح علي خطابيهما السياسي والثقافي، الأمر الذي ترتب عليه انشقاق كل منهما إلي فرق وأطياف لا هم لها إلا البحث عن أنصار دون معاودة التفكير في الخطاب المستخدم وفي القيم التي يعج بها.

وتأسيسا علي ذلك نشأت الحاجة إلي إجراء ما يطلق عليه في علوم اللغة “تحليل الخطاب” من أجل تفكيك دلالاته والبحث عما يكمن فيه من آليات فكرية تتسم بها الذهنية العربية منذ عهد بعيدي وهي الذهنية التي لم تمر عليها إلي يومنا هذا رياح التغيير والثورة الفكرية.

سنحاول في هذه الورقة أن نجري قراءة فلسفية لما يطلق عليه المفكرون والمحللون تسميات مختلفة: “الانتفاضات العربية” أو ” الربيع العربي” أو “ثورات الربيع العربي”.

وترتكز هذه القراءة في تحليلها للظاهرة علي عدة مفاهيم هي بمثابة أدوات فلسفية للتحليل تدخل في إطار فلسفة التاريخ وفلسفة المعرفة وأيضا في مجال ما يعرف في علوم اللغة بتحليل الخطاب.

تدور دراستنا حول ثلاثة محاور:

أولا: مفهوم الحدث الثوري في التاريخ

ثانيا: مفهوما التراكم المعرفي والقطيعة الابيستمولوجية

ثالثا: الربيع العربي ثورة أم انتفاضة؟

أولا. الحدث الثوري وانتفاضات الربيع العربي

هنالك في فلسفة التاريخ مدرستان: مدرسة تري أن الأحداث التاريخية لايمكن أن تنضوي في تتابعها وتواليها تحت قانون غائي محدد وإنما تتشابك في إنتاجها عوامل معقدة تجعلها أشبه بالفوضي التي لا يفسرها قانون منضبط. إنها أشبه بقطعة النرد التي يلقي بها المرء ولا يملك أحد القدرة علي التنبؤ بالرقم الذي ستكشف عنه القطعة في وضعها الجديد. وكثيرا ما تختار هذه المدرسة لحظة معينة في الماضي تري فيها ذروة التطور الإنساني بحيث يكون علي المرء إن هو أراد الارتقاء بنفسه العودة والقفز إلي هذه اللحظة الماضية وإعادة إحيائها علها تنفخ من روحها في الحاضر المضطرب المتخلف.

 وهناك مدرسة أخري تري أن الأحداث التاريخية  رغم ما تبدو عليه من تنوع و اضطراب لا تفلت من قبضة القانون لأنها محكومة في سيرورتها وتتابعها بقوانين تحدد نشؤها ومسارها بل وزوالها. وتختلف فلسفات التاريخ في رؤاها للحضارات ودوراتها وما تنطوي عليه من أحداث كبري تكون مؤثرة في تطور الإنسانية وتقدمها عبر التاريخ. غير أن ما سيعنينا هنا  في تحديد مفهوم الحدث الثوري هو ذلك  المنظور الفلسفي الجدلي الذي أسس له فيلسوف التاريخ الكبير هيجل.

اذ يذهب هيجل إلي أن الأحداث التاريخية ولئن بدت للعيان أسيرة للفوضى العارمة ولعبة في أيدي قوي عمياء كما لو كانت ألعوبة في يد الصدفة أو العبث إلا أنها علي تشابكها واضطرابها تنتظم تحت قانون لا سبيل إلي معرفته إلا للفلاسفة والمفكرين، قانون قد لا يفهمه الصحافيون الذين لا يرون في الأحداث إلا فوضويتها. وحدهم الفلاسفة والمفكرون الذين بمقدورهم النفاذ إلي القانون المحايث للأحداث وسيرورتها، وحدهم الذين يستطيعون قراءة الأحداث خلف ضباب الفوضي التي تلفها وتسري فيها. هذا القانون يقوم  في واقع الأمر علي فكرتين أساسيتين: فكرة الصراع وفكرة العقل.

1.    فكرة الصراع:

 ومعناها أن التاريخ ليس في الواقع إلا تاريخ صراع بين قوي متعددة متناقضة: قوي الماضي و الحاضر، قوي القديم والحديث، قوي التخلف والتقدم. إن أي فكرة حينما تتحقق في الواقع تعلن في ذات الوقت الذي تخرج فيه إلي النور عن نهايتها لأنها بتحققها وجب سلبها بفكرة جديدة مغايرة لها، فكرة تدخل معها في صراع قد يطول وقد يقصر حتي يتسني للفكرة الجديدة بعد تحققها في الواقع أن تزيحها ، لكنها لن تلبث هي الأخري أن تكون فيما بعد ضحية لفكرة أخري جديدة تسلبها وجودها وتزيحها عن عرش الحاضر لتلقي بها في بئر الماضي. ذلك هو مفهوم التطور والتقدم. إن الصراع في هذا المنظور صراع مواجهة عنيفة لأن الفكر الماضي لن يستسلم بسهولة لفكر الحاضر فكثيرا ما يعج  تاريخ الثورات بمواجهات دموية عنيفة مع قوي الماضي حتي تتمكن قوى الحاضر من الانتصار والهيمنة عليها. إن هذا الصراع لا يعني القفز علي قوي الماضي أو تجاهلها أو السكوت عنها وإنما لابد للقوي الجديدة من مواجهتها حتي يتسنى لها تقويضها والحلول محلها. والمواجهة تقوم علي فكرة السلب[1] أي أن كل فكرة تحققت تنطوي في داخلها علي فكرة نقيضة لها ستسعى إلى سلبها وإزاحتها . وهكذا دواليك.

حينما اندلعت الثورة الفرنسية عام 1789 كان علي التاريخ أن يتخلص من قوي الماضي ورموز الطغيان فيه بمواجهات عنيفة أدت إلي سقوط أكثر من مائة ألف قتيل. بل أن عشرة أضعاف هذا العدد سقطوا في خضم الثورة البلشفية في روسيا مابين عامي 1917 ـ 1919

وقد مهد لاندلاع الثورة الفرنسية وسبقها صراع أخر عنيف في الأفكار بين الحديث وبين القديم. اذ اصطدمت أفكار فولتير وروسو وديدرو ودولباخ بالأفكار الدينية التي كانت تدافع عنها المؤسسات الدينية، وازدهرت فكرة العقد الاجتماعي لروسو و من قبله جون لوك وهاجم فولتير فكرة التعصب الديني وازدهرت فكرة الحرية والمساواة والعدالة وهي الأفكار التي كانت بمثابة الشرارة الأولي للثورة الفرنسية. إن ظهور هذه الأفكار الجديدة كان نتيجة حتمية لتفكيك أفكار الماضي ودكها بمعاول الفكر الحديث. كان يمكن لمفكري عصر الأنوار القفز علي أفكار الاستبداد والانصراف عن مواجهتها خشية بطش السلطة إلا أنهم آثروا خوض النقاش فيها وإخضاعها للفكر النقدي التمحيصي حتى خرج للنور فكر جديد وفلسفة مبتكرة تتحدث عن حقوق الإنسان والعدالة والمساواة والحرية. وهي أمور ما كان لأحد أن يجرؤ علي الحديث عنها أو إثارتها في عهد الملك لويس الرابع عشر مثلا.

وهكذا يبدو الصراع حتميا بين القديم والحديث وتبدو تكلفته باهظة اذ يدفع ثمنه من أرواحهم عدد كبير من البشر. وتلك هي ضريبة التقدم، فالتطور يقوم علي فكرة السلب وفكرة السلب تتمخض عن الصدام الحتمي مع القديم الذي يراد سلبه وهذا ما يفسر لنا المجازر الهائلة في التاريخ التي راحت ضحيتها أعداد هائلة من البشر علي مر الزمان من أجل دفع مسيرة البشرية نحو التقدم.

2.    فكرة العقل:

ومؤدي هذه الفكرة أن التاريخ يتطور بواسطة  وبآلية الصراع بين القديم والحديث نحو غاية عقلية يسميها هيجل غاية إدراك الروح الكلي أو العقل لذاته أى تحقيق العقل لذاته في السعادة والحرية. وما يعنينا هنا هو أن التاريخ له مسار عقلاني وليس اعتباطيا بمعنى أنه وإن بدا  ساحة ومعتركا للفوضى والاضطراب إلا أنه تحت هذه الفوضى يتطور وفق قانون  مؤداه ضرورة وجود قوي تجر المجتمع للخلف وقوى أخري مناقضة لها تواجهها وتدخل معها في صراع مرير وصدام دموى عنيف يتولد عنه قفزات للأمام ولا سبيل للإنسانية للتقدم إلا بمواجهة الماضي والدخول معه في مواجهات عنيفة لإزالة قوي التخلف منه.

ويكتسي تطور العقل طابعا نقديا بمعنى أن العقل بفعل قوة السلب لديه يقوم بالكشف عن جذور الوهم في القضايا التي يتناولها ثم يقوم باكتشاف الأوهام التي تهيمن على المجتمع وهي الأوهام التي غالبا ما تأخذ شكل المحرمات يمتنع على العقل أن يتناولها بالتحليل والنقد. والملاحظ أنه كلما زادت المحرمات كلما زاد المجتمع تخلفا[2].

وترتيبا علي  ذلك فإن أي تغير  اجتماعي ينطوي علي مغامرة كبيرة لها عواقبها ويعلمنا تاريخ الفكر الفلسفي أن الثورات الاجتماعية في العالم لا تحدث بدون ضحايا ومحنة الثورة دائما تكمن في أن ضحاياها يكونون دائما من أصحاب المصلحة فيها.

ونضرب مثالا على ذلك بحدثين ثوريين هائلين من الناحية الفكرية يحدثنا عنهما أستاذنا الدكتور مراد وهبة في كتابه الفذ “جرثومة التخلف”[3]: الإصلاح الديني في القرن السادس عشر في أوروبا وثورة الأنوار في القرن الثامن عشر. فهاتان اللحظتان تميزتا بسمة جوهرية: التحرر من سلطة الكنيسة الكاثوليكية التي كانت تمارس قهرا علي العقل وتحول دون ممارسته حق النقد والبحث عن جذور مسائل الدين والدنيا. فقد خرج مارتن لوثر يطالب باستخدام هذا الحق فيما أسماه” الفحص الحر للإنجيل” وفي عصر الأنوار أي عصر خروج العقل من الظلمات إلي النور انطلق مفكروه من أمثال روسو وديدرو وفولتير ومونتسكيو يدافعون عن مبدأ جوهري يسم عصر التنوير بجملته وهو مبدأ ” لاسلطان علي العقل إلا للعقل” ويقوضون مبدأ “التفويض الإلهي للحاكم” ويدافعون عن حقوق البشرية في مسألة الحكم السياسي أو العلاقة بين الحاكم والمحكوم استنادا إلي عقد اجتماعي لا يحكمه إلا العقل وحكم الشعب وهذا هو جوهر الديمقراطية. وفي عصر الأنوار هيمن العقل النقدي علي مجالات الفكر المتنوعة وبلغ الفكر النقدي فيه شأوا بعيدا.

ويقودنا هذا التحليل إلي نتيجة هامة يؤكد عليها الدكتور/ مراد وهبة في جل مؤلفاته و مؤداها  أن أي تغير ثوري لا بد وأن يكون من المستقبل وليس بالقفز إلي لحظة معينة في الماضي بل ولا حتى بالارتكان إلي الحاضر فالتطور يبدأ ببزوغ فكرة جديدة تريد إحداث تغير في الواقع وهذه الفكرة من شأنها سلب فكرة سابقة متحققة على أرض الواقع وما أن يتم للفكرة الجديدة إزاحة القديمة حتى يبدأ التغير.

وفي رأينا أن هذا التغير كما يكشف عنه التاريخ لا يتم إلا بعد سداد ضريبة هائلة من الدماء. ولئن كان هذا الثمن فادحا إلا أن ما قد يراه المرء شرا كبيرا في الأحداث يلعب في الواقع دورا إيجابيا في دفع عجلة التاريخ نحو التقدم. ورغم كثرة أحداث العنف والكوارث الاجتماعية الأليمة في العالم إلا أن جسامتها لا تعني بالضرورة اعتبارها أحداثا ثورية. فالأحداث الثورية في التاريخ نادرة ولا بد للحدث الثوري من توافر ظروف وشروط معينة وهذا ما سنتكلم عنه في المحور الثاني.

 المحور الثاني: التراكم والقطيعة الابستمولوجية

في القرن السادس عشر اصطدم عالم الفلك البولندي  نيكولا كوبرنيق (1473ـ1534م) بإشكالية كأداء مرتبطة بالنظرية السائدة في عصره حول دوران الأفلاك و هي النظرية التي وضعها بطليموس (90ـ168م) و التي تقول بمركزية الأرض و دوران الشمس حولها وهي كما نعلم النظرية التي تبنتها الكنيسة لاتفاقها مع التفسير الرسمي للانجيل  الذي يجعل من الإنسان و بالتالي الأرض محورا للكون تدور حوله الأرض و الكواكب الأخرى ولم يكن أمام كوبرنيق إلا طريق واحد يستطيع به حل معادلاته الرياضية ألا وهو تقويض المسلمة المقدسة التي كانت بمثابة الخط الأحمر الذي لا يجوز للمفكرين مجرد الاقتراب منه، كان علي كوبرنيق أن يخضع مسلمة مركزية الأرض للعقل الناقد ثم يخطو خطوة أخري نحو استبدال مسلمة أخري جديدة بها ألا وهي مسلمة مركزية الشمس. هذا الحدث الذي يعتبره الدكتور/ مراد وهبة تدشينا لميلاد  العلمانية بوصفها التفكير في النسبي بما هو نسبي يشكل من الناحية المعرفية حدثا ثوريا بالدرجة الأولى. إذ بظهور كوبرنيق ومن بعده جاليليو حدثت في المعرفة العلمية ما يطلق عليه فلاسفة المعرفة أمثال جاستون باشلار وميشيل فوكو وصف  “القطيعة المعرفية”. ويشير هذا المصطلح إلي لحظة يتحرر فيها العقل من إسار مسلمات وأفكار مسبقة  اتخذت طابع القداسة. ولقد تمت القطيعة بظهور نيوتن وكانط. ولكن ما كان لها أن تتبلور في صورتها النهائية إلا بفضل محاولات سابقين أرادوا الخروج من ربقة الفكر الماضي و لم تكن الظروف مهيئة لهم لإحداث تلك القطيعة ونضرب مثالا لذلك المفكر الفيلسوف ديكارت الذي برغم عبقريته وعظمته ما كان ليتجرأ علي نقد مسلمات الفكر اللاهوتي في عهده وذلك لأن التراكم المعرفي الممهد للقطيعة لم يكن قد وصل إلي الحد المناسب لحدوثها. وحدثت القطيعة المعرفية لمرة أخري في أوائل القرن التاسع عشر وبالتحديد فيما بين عامي 1900 و1905 عندما دشن العالم الألماني ماكس بلانك ميكانيك الكم وتلاه اينشتاين بتدشينه نظرية النسبية الصغري وتغيرت جذريا النظرة إلي العالم وأقول جذريا لأن نظرية النسبية أحدثت في المطلق تصدعا هائلا. اذ لم يعد الزمان والمكان مطلقين كما كان يقول نيوتن وكانط وإنما صارا نسبيين.

وفي حديثه عن القطيعة المعرفية يقول باشلار في كتابه “الروح العلمية الجديدة”[4]:

إننا لا نستطيع أن نتوصل إلي معرفة نهائية حول الكون وظواهره وإنما فقط إلي معرفة تقريبية قابلة للتصحيح والتعديل لاحقا. والدليل علي ذلك أن النظريات العلمية تتوالي بعضها وراء بعض.  فالمعرفة العلمية هي المعرفة التقريبية التي تقبل التصحيح والتعديل بخلاف المعرفة الدوجماطيقية المتحجرة التي تزعم أنها توصلت إلي اليقين المطلق. والحق أن باشلار يفرق بين نوعين من القطيعة: قطيعة بين المعرفة العلمية الدقيقة والمعرفة العمومية الشائعة وقطيعة أخري بين مختلف مراحل تاريخ الفكر مثل القطيعة بين الفكر اليوناني والفكر الروماني والعصور الوسطى، والقطيعة بين العصور الوسطى والعصر الحديث.

 ومصطلح القطيعة يشير عكس ما قد يوحي به ظاهر اللفظ إلي أن هناك استمرارية في تاريخ العلم وهناك أيضا قطيعة تحدث في أيام الثورات والطفرات والأزمات. فنظرية كوبرنيق تشكل قطيعة بالنسبة لنظرية أرسطو في الكون ونظرية اينشتين قطيعة بالنسبة لنظرية نيوتن. وتاريخ المعرفة الفلسفية والإنسانية يشير هو الآخر إلي حدوث قطيعة معرفية عميقة اسمها قطيعة الحداثة مع الفكر القروسطي وهي قطيعة تضطر فيها البشرية إلي القطيعة مع ماضيها وتصوراتها السابقة لكي تتمكن من الاستمرار. وفي كل مرة تحدث قطيعة معرفية لا بد و أن يسبقها تراكم معرفي يؤدي في لحظة معينة إلي إنقلاب معرفي عميق يغير تماما مفهوم الإنسان ورؤيته للكون، وهنا يكون الموت، أي موت القديم، ضروريا لاستمرار الحياة.

لو انتقلنا إلي حضارة المشرق العربي فإن نظرة فاحصة تكشف لنا أن في القرن الثالث عشر كادت أن تحدث ثورة معرفية هائلة لكنها بدلا من ترى النور في بلاد الشرق تسللت إلي الغرب وكانت إيذانا بثورة حضارية كبيرة. ففي القرن الثالث عشر تجاسر الفيلسوف العربي الشهير الوليد ابن رشد ببحث عقلاني من شأنه إحداث ثورة عميقة في الفكر. إذ ذهب في كتابه ” فصل المقال في تقرير ما بين الشريعة من الحكمة من الاتصال أو وجوب النظر العقلي وحدود التأويل” إلي القول: “… فإن أدي النظر البرهاني إلي نحو ما من المعرفة بموجود ما، فلا يخلو ذلك الموجود أن يكون قد سكت عنه في الشرع أو عرف به. فإن كان مما قد سكت عنه فلا تعارض هناك، وهو بمنزلة ما سكت عنه من الاحكام فاستنبطها الفقيه بالقياس الشرعي. وإن كانت الشريعة نطقت به فلا يخلو ظاهر النطق أن يكون موافقا لما أدي إليه البرهان فيه أو مخالفا. فإن كان موافقا فلا قول هنالك. وإن كان مخالفا طلب تأويله. ومعنى التأويل هو إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلي الدلالة المجازية……ونحن نقطع قطعا أن كل ما أدي إليه البرهان، وخالفه ظاهر الشرع، أن ذلك الظاهر يقبل التأويل على قانون التأويل العربي”

ومعنى ذلك أن ابن رشد الذي عده المؤرخون شارحا لأرسطو استثمر فلسفة هذا الأخير في ابتكار وتدعيم مقولة جديدة أتى بها ولم تتضمنها قط فلسفة أرسطو وهي مقولة “التأويل” أي تأويل النص الديني والعلاقة بين النص الديني والعقل البشري. هذه المقولة التي يعرفها جيدا المتخصصون في علوم اللغة والتي تقوم علي فكرة التفرقة بين مفهومي الدلالة والمعنى على اعتبار أن معنى النص لا يشير إلى قيمة ثابتة أو ما يطلق عليه الكثيرون “المعنى الحرفي الثابت” وإنما هو أشبه بفراغ يتعين على العقل ملئه وفقا لمقتضيات وأوامر الدلالة وهي الأوامر التي يتعين على العقل تحديدها وفقا لمقتضيات التأويل باستخدام المجاز. والمهم في فلسفة ابن رشد هو أمران يرى الدكتور/ مراد وهبة أن غيابهما في المشرق العربي  كان سببا جوهريا لإصابته حتى يومنا هذا بجرثومة  التخلف :

ضرورة إعمال العقل في فهم النص الديني وتأويل معناه الأمر الذي كان الغزالي  يرفضه رفضا باتا. إذ كان الغزالي يدافع عن ضرورة الالتزام بالمعنى الحرفي للنص حتى ولو بدا مناقضا للتفكير البرهاني. فشرع ابن رشد في المغرب العربي يدمر مقولة الغزالي في كتابه “تهافت التهافت” وهو الكتاب الذي ألفه ردا على كتاب “تهافت الفلاسفة” للغزالي.

أن إجماع الفقهاء علي حكم ما لا يمنع من تأويل النص والخروج علي هذا الإجماع لو ثبت مخالفته اللعقل.

 لكن ابن رشد لم ينجح في محاولته لهدم آراء الغزالي إذ هاجمته واضطهدته العامة ومن تشيع لآراء الغزالي وأثاروا ضده حفيظة الخليفة المنصور الذي أمر بنفيه إلى “إليسانه” وأحرقت كتبه. ولما كانت كتبه قد ترجمت إلي اللاتينية فقد شاعت آراءه في أوروبا ونشب صراع كبير فيها حول ابن رشد في داخل الكليات المسيحية لدرجة أن فلاسفة أوروبيين حرموا من السلطة الكنسية لمؤازرتهم آراء ابن رشد. و يعلق  الدكتور مراد وهبة  على هذا الحدث في “جرثومة التخلف” قائلا: “أن الملك فريدريك في القرن الثالث عشر كان قد أمر بعض العلماء المسيحيين واليهود بترجمة مؤلفات ابن رشد بعد أن قيل له بأن فلسفة ابن رشد تسمح بمقاومة سلطة الكنيسة في أوروبا ذلك لأنه كان يرغب في نقل أوروبا من النظام الأقطاعي إلي النظام البورجوازي ابتداء من نشأة المدن. وبعد أن ترجمت أعمال ابن رشد انقسم الفلاسفة الأوروبيون إلي تيارين كبيرين: تيار يناوئ فكر ابن رشد ويقف ضده ويضم فيلسوفين كبيرين: ألبرت الكبير وتوما الأكويني وهما من عمالقة الفلاسفة في ذلك الوقت وتيار آخر ينتصر له ويؤيده”. و قد نشأ بعد ذلك في أوروبا تيار رشدي راح يتسع ويتراكم تراكما معرفيا حتى حدثت قطيعة التنوير في أوروبا في القرن الثامن عشر، وهي القطيعة التى كادت أن تحدث في زمن ديكارت لكنها انتظرت حتى تتوالى عليها تراكمات معرفية ثورية أخري أدت إلى تعميق الفجوة الفكرية بين عصر وسيط وعصر جديد علي وشك البزوغ ثم خرجت هذه القطيعة إلي الوجود في عصر الأنوار وبداية العصر الحديث. وهذا ما حدا بالدكتور/ مراد وهبة في كتابه “مفارقة ابن رشد ” إلي القول أن ابن رشد حي في الغرب ميت في الشرق”. إذ لا يزال يهيمن علي فكر الشرق حتى يومنا هذا فكر الغزالي وما تراكم فوقه من أفكار ابن تيمية و محمد عبد الوهاب ـ الوهابية.

وعندما انفتحت مصر على اوروبا في القرن التاسع عشر وأوفد رفاعة الطهطاوي إلي فرنسا تمكن من نقل أعمال روسو وفولتير  ومونتسكيو إلي العربية لكنه وكما يتضح من كتابه “تخليص الإبريز في تلخيص باريز” لم يستطع اكتناه الدلالات الحضارية لهذه الأعمال إذ كان دوما يعبر عن اندهاشه من نظافة الفرنسيين رغم عدم إيمانهم علي أساس تصوره بأن “النظافة من الإيمان”. وقد حذر قراءه المسلمين من الثقة في العقلانية المطلقة بدعوى تعارضها  مع الشريعة، إذ حذرهم  من الخوض في العلوم الحكمية للغرب (الفلسفة والحكمة) لأنها في رأيه تنطوي علي “حشوات ضلالية مخالفة للكتب الدينية”.

 وعندما ذهب الشيخ علي عبد الرازق في كتابه الموسوم ” الإسلام و نظام الحكم” إلي القول بأن الخلافة ليست من الإسلام ودعا إلي الفصل بين السلطة الدينية والسلطة الدينية، هاج عليه علماء الأزهر واجتمعت هيئة علماء الأزهر وأصدرت حكما بفصله من وظيفته. وحينما أراد طه حسين تطبيق المنهج الديكارتي لديكارت أبي الفلسفة الحديثة علي الشعر الجاهلي، وهو المنهج الذي يقوم على فكرة أن لاسلطان علي العقل إلا للعقل، شنت ضده حملة ضارية وأحيل للتحقيق وأجبر علي إعادة النظر في دراسته ورأينا كتابه في الشعر الجاهلي وقد صار “الأدب الجاهلي”

حينما سأل القاضي قاتل فرج فودة : ” لماذا قتلته؟” أجاب بقوله : “لأنه علماني” وعندما سأله القاضي :”ومامعنى علماني؟” رد القاتل :” لا أعرف”

وحينما سئل الدكتور/ يوسف القرضاوي في إحدي حلقات برنامج “الشريعة والحياة” عن رأيه في العلمانيين المسلمين المعاصرين أجاب :” إنني حقا مندهش: لماذا لم يطبق عليهم حد الردة إلي يومنا هذا”

نخلص مما تقدم أن العالم العربي لم يشهد منذ الدولة العثمانية سوى حركات من التمرد الفكري هي بمفهوم التراكم المعرفي محاولات تم وأدها في مهدها إذ كلما ظهرت محاولة فكرية لإحداث ضرب من التراكم المعرفي لا يكد يمض عليها وقت يسير حتي يتم إعدامها تحت معاول هجوم كاسح مضاد يقوم بسحقها ويحول دون حدوث تراكم عليها، الأمر الذي أفرز ظاهرة لا مثيل لها في الغرب ألا وهي ظاهرة العود علي البدء بمعنى أن كل محاولة للتغير والبدء في التراكم لا بد وأن يعقبها حركة مضادة تهدمها بحيث يتعين علي كل محاولة جديدة أن تبدأ من الصفر.

وقد سك الباحث الفرنسي الاختصاصي في الحركات الأصولية في المشرق العربي “أوليفيه روا” في مؤلف حديث له مصطلحا رائعا يسم به ما نراه عيانا في المشرق وهو المصطلح الذي اختاره عنوانا لمؤلفه: ” الجهل المقدس[5]: زمن الدين بلا ثقافة” ويستخدم الكاتب الفرنسى هذا المصطلح لكي يصف لنا كيف صار الجهل في وطننا مقدسا. إذ يذهب الكاتب إلى أن العولمة التي كان من المعتقد أنها ستتكفل بتطوير الذهنية المتخلفة إذا بها تتمخض عن ازدهار الحركات الأصولية بل وتدفع نحو ازدهارها بفضل ما أتاحته لهذه الحركات من إمكانيات هائلة في استخدام تقنيات المعلوماتية والفضائيات لنشر أفكارها علي أوسع نطاق ممكن. فها نحن ذا نشاهد  كل يوم علي الفضائيات الدعاة الدينيين وقد أصبحوا نجوما تلفزيونيين في كل أنحاء العالم العربي والإسلامي بل وحتى في أمريكا نفسها. هذه الأصوليات السلفية ترى في الثقافة الدنيوية القديمة والحديثة نوعا من الوثنية التي تبعد المرء عن الله. لذا فإن أهم ما يميز هذه الأصوليات المعاصرة هو العداء الشديد للثقافة. لأنها برأيها لا تضيف شيئا إلي كتاب الله وبقية الكتب الدينية وبالتالي لا نفع فيها وأنها تشكل حجر عثرة لأنها تعرقل آداء الفرائض الدينية وتصرف النظر عن التفكير في الآخرة. وتأسيسا علي ذلك يكون من المفيد الجهل بالفلسفة والموسيقى والمسرح والسينما وبالفن بأشكاله أي أن الجهل قد تحول عند التفكير الأصولي إلي فضيلة مقدسة.

المحور الثالث. الربيع العربي

عند قراءة خطاب المفكرين حول الربيع العربي يلحظ القارئ نوعين من الخطاب:

خطاب يتعامل مع الحدث بوصفة ثوريا فيراه ثورة كبيرة. بل أن بعض المفكرين لم يترددوا في مقارنتها بالثورة الفرنسية وقد ظهر هذا الخطاب إبان الأيام الأولي للثورة .

خطاب يتعامل مع الحدث بوصفه بداية لعهد ظلامي يزداد فيه التخلف كثافة وثقلا وتهيمن عليه الأصولية الدينية على غرار ما حدث في الثورة الإيرانية.

وفي رأينا أن هناك سؤالا أساسيا ينبغى طرحه : لماذا كانت الثورة الفرنسية مثلا ثورة مضادة لرجال الدين بينما كانت الثورات العربية خاضعة لهم لدرجة أنها سلمت لهم قياد البلاد بعد انتخابات حرة؟

ثمة مبدأ فلسفى يعرفه المناطقة مفاده : أن منطق المذهب دائما ما يكون أقوي من إرادة صاحبه. بل أن الفكر الهيجلي في التاريخ يذهب إلى القول بأن كثيرا ما يخرج من أعمال البشر أشياء أخرى غير ما كانوا يريدونه. ذلك أن الشباب الذي احتشد في ميدان التحرير وثار علي نظام مبارك أظهر للعالم أجمع مثالا حضاريا مذهلا في الثورة علي النظام البائد. لكنه سرعان ما غادر الميدان بخفى حنين وسلمه إلي قوى الفوضى. وتوالت المليونيات وتمكنت القوى الأصولية من ركوب قطار الثورة واختطافها ممن قدموا أرواحهم ودماءهم من أجل إشعالها.

تمكنت القوى الأصولية من استقطاب واستدراج الجماهير في عمليات انتخابية خرجت منها منتصرة على تيارات ليبرالية أنفقت وقتا كبيرا في الاختلاف فيما بينها والسعى إلي التراضى حول خطوط مشتركة رغم أن من بينها من ينحدر من أقصى اليسار السياسى ومن ينتمي إلى أقصى اليمين. وساعد ذلك الأصوليين في كسب الجماهير إلي صفوفهم. بيد أن ذلك لم يدم طويلا إذ سرعان ما أظهر الأصوليون إخفاقا في إدارة الأزمات السياسية وبدأت شعبيتهم تتبخر بين الجماهير.

وإذا ما أمعنا النظر إلى الخطاب الثوري الذي هيمن على الساحة السياسية في الأيام الأولي للحدث نجد أنه كان يدور حول “رحيل النظام” وبعد أن تحقق للشعب هذ المطلب الأساسي في إجبار الرئيس على الرحيل فقد بدأ التفاؤل والحماس يدبان في كيان المصريين وتراهم وقد راحوا يستلهمون رموزا وطنية كامنة في وعيهم وتاريخهم الوطني مثل جمال عبد الناصر مثلا. وانعكس هذا الاستلهام في الخطاب المستخدم فكنا نسمع ونقرأ عبارات مثل: ” مجتمع الحرية والديمقراطية و العدالة الاجتماعية، مجتمع الكفاية والوطنية… وهي عبارات تذكرنا بالعهد الناصري. وقد شوهدت هذه العبارات مقترنة بصور لجمال عبد الناصر.

ودوت شعارات تنادي بالديمقراطية والمواطنة والمجتمع المدني ثم أخري تنادي فيما بعد بسقوط حكم العسكر وتلى ذلك شعارات مناوئة للإخوان.

ويكشف تحليل الخطاب السياسى لهذه الفترة عن أمرين جوهريين:

إعادة انتاج خطاب ثوري متكرر بدلالاته القديمة، خطاب ينتمي إلي عهد مضى عليه أكثر من نصف قرن نظرا لغياب فكر جديد يصلح لأن يكون وقودا حيا لانطلاق الحاضر نحو مستقبل جديد. إن استخدام خطاب قديم بدلالات قديمة يدخل في إطار النزوع إلى لحظات معينة في الماضى، لحظات يرى فيها الثوريون مثالا لسلف صالح ينبغي الاقتداء به على غرار الخطاب الأصولي الذي يحن هو الآخر إلي الماضي ولكن عصر مختلف وهو عصر النبوة والسلف الصالح

خلو الخطاب من أية عبارات لغوية لمفكرين ثوريين محدثين يكونون مصدرا لإلهام وحماس الثوار على غرار شعارات الثورة الفرنسية التي انطوت علي عبارات تذكرنا بروسو مثلا مثل حقوق الإنسان والمساواة والعدالة…. وهي العبارات التى أنتجها الفكر التنويري في ذات القرن الذي اندلعت فيه الثورة

ومعنى ذلك أن الشعب الذي انتفض ضد الطغيان لم يكن لديه زاد ثقافي حاضر يمكنه من أن يبلور رؤية مستقبلية أو مشروع ثوري مستقبلي يستطيع به إحداث التغيير في الواقع لذا راح يستعير من الماضى شذرات من هنا وشذرات من هناك

حينما اضطر رجال السياسة من الليبراليين والأصوليين إلي تحديد مصطلحاتهم الثورية لم يتفقوا قط علي مفهوم “المجتمع المدني”  كما برز لديهم جليا جهل شديد بفكرة الديمقراطية. فبالنسبة لفكرة المجتمع المدني مثلا، حاول بعضهم تعريف “مدني” بوصفة نقيضا لصفة “ديني” لكنه رغم ذلك أصر على أن ينطوى الدستور على الإشارة للدين كمصدر للقانون. وفريق آخر رأى في مدني تضادا مع لفظة “عسكري” وثالث رأي في تعبير “مجتمع مدني” مجتمع المدينة تمييزا عن مجتمع الريف واتفق ثلاثتهم على رفض استبدال تعبير مجتمع علماني بتعبير مجتمع مدني. إذ ظل مسيطرا علي عقولهم ووعيهم أن لفظ “علماني” ينطوي علي حمولة تكفيرية رجيمة   و لا تزال القوى الثورية حتى الآن تجهل ما تبتغيه على وجه التحديد.

أما بالنسبة للديمقراطية فلا تزال أغلب التيارات السياسية والقانونية تختزل الديمقراطية في حكومة الأغلبية العددية سواء كانت هذه الأغلبية طائفية أو مرتبطة بمصلحة فئوية إزاء فئات أخري في مجتمع واحد وسواء كان رأى هذه الأغلبية متفقا مع العقل أم مخالفا له. لا يزال الجميع جاهلا بمشروطية الديمقراطية تاريخيا.

 إن تحليلا دقيقا  لانتفاضة 25 يناير يكشف لنا أنها قد فتحت كأي ثورة أبوابا كانت موصدة تحت براثن الاستبداد و التخلف، لكن مشكلتها الكأداء تكمن في عدم وجود تراكم فكري ثوري يسبقها و يمهد لقيامها. لم يكن و راءها أفكار فلسفية جديدة أو نظريات تقدمية مبتكرة دعت إلي قيامها. فها هي ذا الأبواب و قد فتحت بفعل الحركة الثورية الشعبية و لكن أين هي أفكار و نظريات المفكرين و المثقفين التي كان عليها لو وجدت أن تترجم عن نفسها في تخليق واقع تحرري جديد؟

و السؤال هنا أين كان المثقفون من الثورة؟

كان هناك من كان جل همه مغازلة السلطة و الانضمام لحزبها، فإذا ما قامت الثورة و بدا له أن الملوك قد خسف بهم هرول إلي ميدان التحرير ليلحق بثواره المخلصين، يفترش الأرض معهم  و يشاركهم الهتاف و التحدي.

و هناك فئات أخري من المثقفين أصابهم اليأس و الإحباط من كل تغيير في نظام تربطه وشائج قربي بالفرعونية المستبدة، فآثروا بعد فقدانهم الأمل في التغيير إتباع مقولة فولتير: علي المرء أن يكتفي بزراعة حديقته

كانت هناك حركات احتجاجية مهدت للثورة و كان أقطابها من المخلصين في كفاحهم و نضالهم ضد نظام مستبد عتيد و كم عانوا من خيانة المثقفين.

و هذا ما يفسر لنا ما يكاد يجمع عليه المحللون من أن ثورة يناير كانت بلا قائد و بلا ايديولوجية أو برنامج فكري يقودها. لقد نجحت الثورة في فتح الطريق نحو التغيير في الوقت الذي كان فيه عدد كبير من المثقفين مهمومين بالسعي نحو الرزق والبحث عن إعارات خارجية تقيهم شر الفاقة والعوز. لم تكن لديهم أية برامج فكرية لبناء مستقبل جديد، بل أن الجامعات انهمكت بإعداد أجيال نشأت علي تعليم وثقافة الذاكرة.وكان الكثيرون يتطلعون ولا ريب في ذلك إلى عصر تسود فيه الديمقراطية ولكن لا نلمح لديهم خوضا في إشكاليات الديمقراطية علي غرار ما نجده في عصر التنوير مثلا. فالديمقراطية هي في أفواههم حكم الأغلبية و العدالة الاجتماعية هي عدالة توزيع الثروة. و لا نعثر لديهم عن أفكار جديدة حول إشكالية طغيان الأغلبية أو نظريات تحفظ للأقلية حقوقها إزاء طغيان الأغلبية.

مأزق الديمقراطية:

كثير من المحللين السياسيين من ينادي بالديمقراطية حلا سحريا لكل مشاكل المجتمع. و رغم أن الديمقراطية تضرب بجذورها في الفكر اليوناني إلا أنها مع ذلك تعد فكرة حداثية ، و نعني حصرا الديمقراطية التمثيلية.

الديمقراطية في العالم تعني حكم الأغلبية، لكن لا يمكن اختزالها في مسألية الكم. لأننا لو فعلنا ذلك لأعطينا كل الحكومات الديكتاتورية مبررات و جودها إن هي تمكنت مثلا من استقطاب عدد أكبر من المؤيدين و الأنصار الذين تستطيع بما أوتي لها من قوة و سطوة المال من شراء أصواتهم و تأييدهم لها عن طريق استقطابهم بإغداق المال و الهدايا و الوعود عليهم إن هم صوتوا لصالح مرشحيها.

و هذا هو ما كان يحدث في عصر مبارك حيث كان المرشحون من رجال الأعمال يشترون أصوات الناخبين إبان الانتخابات بالمال و بتعيين أبنائهم في شركاتهم المتعددة.

و مادامت الحكومة قد اشترت أصوات الأغلبية لم يعد بإمكان أحد أن يقدح في شرعيتها أو في ديمقراطيتها.  إننا بإزاء إشكالية دعت بعض المفكرين إلي الظن بأن الديمقراطية أشبه بترياق لا يستطيع الجسم العربي تحمله.  و الحق أن اختزال الديمقراطية في حكومة الأغلبية هو خطأ فادح. إننا لا ننكر أن الأغلبية تلعب دورا في العملية الاقتراعية لكنها مهما كان دورها فإنها في الديمقراطيات الغربية مقيدة بضمانات وضعت لحماية الأقلية من جورها. إن الديمقراطية في العالم الغربي كانت نتاجا لرباعية فكرية تحدثنا عنها في مقال سابق (العلمانية، العقد الاجتماعي، التنوير، الليبرالية). أي أن الديمقراطية و إن كانت بألف لام التعريف حكومة الأغلبية إلا أنها مشروطة تاريخيا بوجود الثقافة الديمقراطية التي تعني ضمن ما تعنيه حرية الرأي و الفكر و العقيدة و عدم المساس بحرية الفرد و حقوقه المشروعة إزاء الأغلبية. و معني ذلك أن اتفاق الأغلبية علي رأي ما لا يعني قبول هذا الرأي إذا كان من شأنه المساس بحرية و حقوق الأقلية. ذلك أن إجماع القوم علي رأي ما لا يعد في ذاته دليلا علي صحة هذا الرأي.

إن الديمقراطية تعني أولا حرية الفكر و الاعتقاد قبل الحكم للأغلبية.

و تأسيسا علي ذلك فإن الأكثرية العددية في الديمقراطية ليست إلا علي ساحة الجدل السياسي الفكري في البرلمانات أو في المجالس السياسية  بحيث ينتصر الأغلبية للرأي الذي ترجح كفته تحت قوة الحجة و التدليل ، بمعني أنها ليست أكثرية فئوية طائفية ينتصر فيها الرأي لمجرد أن صاحبه ينتمي لفكر الطائفة الأكثر عددا ( كما كان الحال في البرلمان المصري حيث كان يرجح فيه رأي النائب الذي ينتمي إلي الحزب الوطني لمجرد انتماءه لهذا الحزب  أو في برلمان آخر حيث يرجح رأي النائب الذي ينتمي إلي طائفة السنة لمجرد أن أغلبية البرلمان سنية المذهب)

إن حرية الفكر و حرية الفرد و حقه في الرأي و التعبير و حمايته من كل جور و طغيان هو من ثوابت الثقافة الديمقراطية. و حينما أقول الثقافة الديمقراطية[6]  فإنني لا أتحدث عن الحكومة أو الدولة و إنما أتحدث عن الشعب و المجتمع وثقافته. ذلك لأن الفكر الشائع هو حماية الأمة من طغيان الدولة و من آثام استبدادها السياسي.  و لئن كان التاريخ السياسي يعج بالفعل بأمثلة عديدة عن طغيان الدولة و قهرها لشعبها، إلا أن القوانين الوضعية تمكنت إلي حد ما من وضع آليات تشريعية تحد من هذه السلطوية. أما فيما يتعلق بطغيان الشعب و هو أمر قد يدهش له البعض فإن التاريخ نفسه يعج بأمثلة كثيرة له و ليس أدل علي ذلك من الثورة الفرنسية التي تمخضت عن إرهاب الشعب تحت زعامة روبسبير و الثورة الإيرانية تحت زعامة الملالي. و معني ذلك أن الديمقراطية هي بالأساس ظاهرة مجتمع بأكمله ترتبط ارتباطا وثيقا بذهنيات هذا المجتمع و عقليته. و إخال القارئ في غنى عن التدليل له بأمثلة قاطعة في الدلالة على  أن مجتمعاتنا لا تتحمل رأيا حرا. إننا في مجتمعات تتحرق إلى الديمقراطية في السياسة و لا تستسيغها في الفكر و بالأخص في الفكر الديني العقائدي. و هذا ما يفسر لنا لماذا كانت المجتمعات العربية تربة خصبة لتخليق الحاكم الطاغية و انتشار وسائل القمع البوليسية لكل رأي معارض.

وختاما نقول أنه رغم صعوبة وصف الربيع العربي بالثورة إلا أنه ولاشك يتسم بطابع هام من شأنه أن يجعل منه بعد زمن حدثا ثوريا. ذلك أنه رغم حلول قوى رجعية ـ تذكرنا بالعصور الوسطى في أوروبا ـ محل أخري على الساحة السياسة إلا أن كشفت عن أمر هام وهو أن المجتمع الذي عرف عنه ذات يوم بأن الثورات لا تعرف له سبيلا  وخاله الكثيرون مجتمعا بفطرته مستكينا لم يعد في مقدوره الخنوع  للقوى المضادة للعقلانية والتطور.  فما اشتهر عنه قبل 25 يناير من سكون تاريخي لم يعد له في الواقع وجود، وهذا أمر مؤكد. فمفهوم الصراع في التاريخ يكاد يؤكد أن  بلوغ القوى الظلامية للسلطة  كان من قبل مجرد إمكانية من الإمكانيات المتصارعة الكامنة في قلب الواقع وقد لزم تحققها إلى حين حتى يتسنى بعد ذلك سلبها جذريا بوصفها فكرة رجعية ومضادة للعقلانية وحركة التاريخ. فهي إذا كانت قد خرجت للوجود الآن فليس ذلك إلا لكى يتم  سلبها كلية بفكرة جديدة نقيضة و هذا هو جوهر التطور والتغير في التاريخ،  و لعل في ذلك ما قد يؤذن بتراكم جديد و ينبئ بأن ثورة حقيقية وشيكة الحدوث بعد حين.  بيد أن الثورة المعرفية الحقة لن تتم  بصور كاملة إلا بإصلاح الذهنية  بدء بالمؤسسات التعليمية  ولا يكون ذلك إلا بتخليق معلم جديد برأ عقله من داء الأصولية واستيقظ من سبات الدوجماطيقية وصار عقله مهيئا لتوليد فكر إبداعي جديد.

المراجع العربية:

ـ جورج طرابيشى “في ثقافة الديمقراطية”، دار الطليعة في بيروت عام 1998

ـ مراد وهبة ” جرثومة التخلف “، دار قباء في القاهرة عام 1998

ـ مراد وهبة ” ملاك الحقيقة المطلقة ” دار قباء بالقاهرة عام 1999

ـ مراد وهبة ” مفارقة ابن رشد ” دار قباء بالقاهرة عام 2004

ـ مراد وهبة ” سلطان العقل ” دار قباء بالقاهرة عام 2007

ـ مراد وهبة ” رباعية الديمقراطية ” الدار المصرية السعودية بالقاهرة عام 2011

ـ هاشم صالح “الانتفاضات العربية على ضوء فلسفة التاريخ” دار الساقي ببيروت عام 2013

مراجع باللغة الفرنسية:

Bachelard, G., Le nouvel esprit scientifique, Paris, PUF, 2003

Roy, O., La Sainte Ignorance. Le temps de la religion sans culture, Paris, Seuil, 2008

بقلم الاستاذ الدكتور/ عصام عبد الفتاح

[1] H., Marcuse, Raison et Révolution. Hegel et la naissance de la théorie sociale, Paris, Minuit, 1968

[2]  انظر هاشم صالح في كتابه القيم ” الانتفاضات العربية في ضوء فلسفة التاريخ” الصادر عن دار الساقي في  بيروت عام 2013 حيث يجري تحليلا معمقا لظاهرة الربيع العربي في ضوء المنهج الجدلي الهيحلي في الفصل الثاني من مؤلفه

[3]  مراد وهبة، جرثومة التخلف، دار قباء، القاهرة، عام 1998

[4]  Gaston Bachelard, Le nouvel esprit scientifique, Paris, PUF, 2003

[5] Olivier Roy, La Sainte Ignorance. Le temps de la religion sans culture, Paris, Seuil, 2008

[6]  انظر مراد وهبة في كتابه ” رباعية الديمقراطية”، الصادر عن الدار المصرية السعودية بالقاهرة عام 2011 وهو يذهب إلي أن الديمقراطية مشروطة تاريخيا بأربع مراحل تبدأ بالقطيعة مع الفكر المطلق انطلاقا من مبدأ التفكير في النسبى بما هو نسبى وليس بما هو مطلق تأسيسا علي عدم قدرة العقل علي اقتناص المطلق وهي المرحلة المسماة بالمرحلة العلمانية ثم مرحلة العقد الاجتماعي فمرحلة التنوير حيث يهيمن مبدأ “لاسلطان على العقل إلا للعقل” ثم تحقق مرحلة الليبرالية حيث تنعقد الأولوية للفرد علي المجتمع. وانظر أيضا جورج طرابيشي في مؤلفه المفصل عن “ثقافة الديمقراطية” الصادر في بيروت عن دار الطليعة عام 1998 حيث يحدثنا بشكل معمق ومستفيض عن إشكاليات الديمقراطية في العالم العربي ويرى أن فكرة الديمقراطية في العالم العربي انزلقت في تيه المطلق السحري ذي الطبيعة العجائبية، إذ صار الجميع يرى في الديمقراطية ترياقا لكل داء ولا يفكر في احتمالية ألا يكون بمقدور الجسم العربي تحمله بسبب عدم تحقق شروط الثقافة الديمقراطية في العالم العربي وأهم هذه الشروط بنظره: التعليم

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: