مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

المواجهات الإلكترونية بين القوى السياسية بعد الثورات العربية

المواجهات الإلكترونية بين القوى السياسية بعد الثورات العربية

aa 

نوران شفيق علي

مثل بروز العامل الإلكتروني أحد أهم عناصر تفرد ثورات الربيع العربي، واختلافها عن النماذج التقليدية للثورات في العلوم السياسية. إذ بدا الفضاء الإلكتروني كمساحة جاذبة للقوى السياسية في المنطقة العربية تستطيع من خلالها تنظيم نفسها، وتحقيق درجة من التواصل الفعال ما بين أعضائها، ونشر أفكارها خارج الأطر الجامدة للدوائر التقليدية لتأثيرها.

بيد أن الفضاء الإلكتروني تحول إلى ساحة مواجهات بين التيارات السياسية الصاعدة في مرحلة ما بعد الثورات العربية، حيث لجأت القوى السياسية إلى استخدام الأسلحة الإلكترونية الهجومية كوسيلة غير تقليدية لإدارة صراعاتها مع معارضيها ومنافسيها من القوى الأخرى، سواء عبر عمليات التشويه المنظم للخصوم أو الترويج  لشائعات تنال من بعض القوى السياسية أو اللجوء للقرصنة ضد المواقع الإلكترونية للقوى السياسية.ومن ثم، بدأت المواجهات السياسية ما بين القوى المختلفة في عدد من بلدان المنطقة العربية تخرج تدريجيا من المساحات التقليدية للصراع، إلى مساحة أخرى تختلف في طبيعتها، وخصائصها، وآليات إدارة العلاقات السياسية بها عن المساحات الأخرى، وهى الفضاء الإلكتروني.

أنماط المواجهات السياسية الإلكترونية

تتعدد حالات استخدام الهجمات الإلكترونية كوسيلة لإدارة الصراعات السياسية في بلدان الربيع العربي،وإن اختلفت أشكال ودوافع هذه المواجهات من دولة إلى أخرى، إلا أن خطا ناظما يجمع بينها، يتمثل في وجود الحزب أو القوى السياسية الحاكمة طرفا في الصراع. إذ يندر استخدام القرصنة السياسية داخل صفوف القوى السياسية المعارضة، وإنما تظهر في أغلب الحالات المواجهة الرئيسية ما بين القوى الحاكمة وتلك المعارضة. وعلى ذلك، هناك ثلاثة أنماط من المواجهات الإلكترونية السياسية وهي:

– النمط الأول: الهجمات ضد الأحزاب الحاكمة، حيث كانت العديد من القوى السياسية والأحزاب الحاكمة هدفا لهجمات إلكترونية في عدد من بلدان الربيع العربي، وذلك للاحتجاج على سياسات النظام. ففي مصر، تعرضت جماعة الإخوان وحزب الحرية والعدالة لهجمات قرصنة على مواقعهما الإلكترونية وصفحاتهما على شبكات التواصل الاجتماعى. حتى إن جماعة أنونيموس (المجهولين) دولية النشاط قد تضامنت مع قراصنة مصريين في مهاجمة مواقع إلكترونية تابعة لجماعة الإخوان، واستطاعت بالفعل أن توقف عمل عدد منها لفترة قصيرة، وذلك من خلال زرع برامج خبيثة على هذه الحسابات والمواقع والسيطرة عليها. فعلى سبيل المثال، كانت الإعلانات الدستورية الصادرة عن الرئيس مرسى والجمعية التأسيسية للدستور سببا في قيام بعض القوى المعارضة باختراق صفحات الحرية والعدالة، وأبرزها صفحة الحزب بالإسكندرية، وكتابة تعليقات توضح موقفهم المعارض.

وفي سوريا، قامت أيضا بعض عناصر قوى المعارضة بالقرصنة على مواقع إلكترونية حكومية، والسيطرة عليها لبضع ساعات عدة مرات، ثم تقوم باستخدامها في نشر صور تسخر من بشار الأسد، وأخرى لرموز المعارضة التي قتلت في مواجهات مع النظام. كما استخدمت المعارضة السورية أيضا ما يعرف بهجمات اختطاف المتصفح browser hijacking ، والتي يتم من خلالها توجيه من يدخل إلى المواقع الإلكترونية الخاصة بمؤسسات حكومية إلى أخرى خاصة بالمعارضة.

كما يتعرض حزب النهضة التونسى والحركات الإسلامية الأخرى إلى عدد من الهجمات الإلكترونية من قبل بعض جماعات المعارضة. فلقد تكرر قيام جماعة تطلق على نفسها “أنونيموس تونس” بالقرصنة على صفحات ومواقع وحسابات بريدية إلكترونية لأحزاب وتيارات إسلامية ولأعضاء في الحكومة التونسية منتمين لحزب النهضة. كما أعلنت أخيرا بشكل واضح أنها ستشن حربا إلكترونية ضد السلفيين وحزب التحرير والنهضة. واحتدم الصراع عندما تقدمت وزارة الداخلية بمقترح قانون لإنشاء جهة داخل الوزارة للبحث في الجرائم الإلكترونية بأذون قضائية، وهو ما أدى إلى تهديد أنونيموس للحكومة بهجمة ضارية إذا ما طبق هذا القانون، ودعت التونسيين للتظاهر ضده.وفي خضم الثورة اليمنية ضد على عبد الله صالح، أسس عدد من المعارضين في اليمن ما سمى بجيش اليمن الإلكتروني لمواجهة أنصار النظام عن طريق اختراق المواقع والصفحات الخاصة بمؤيديه، ومن أبرزها قناة سبأ الرسمية، وتكرر الأمر نفسه مع مؤيدى القذافي في ليبيا.

– النمط الثاني: الهجمات الالكترونية ضد قوى المعارضة، فكما تقوم بعض القوى السياسية، خاصة الثورية، في دول الربيع العربي، بمهاجمة أهداف إلكترونية خاصة بالأحزاب الحاكمة، فهي بدورها تتهم أيضا قوى حاكمة بمهاجمتها إلكترونيا. ففي مصر، تتهم قوى المعارضة ما سموه بلجان الإخوان الإلكترونية باستخدام الفضاء الإلكتروني كمساحة للهجوم بآليات أخرى، بالإضافة إلى القرصنة، أبرزها قيام أعضاء هذه اللجان بإرسال كم هائل من التقارير لإدارة الفيسبوك عن الصفحات الثورية الخاصة بهم، والقيام بحملات تشويه ضد شخصيات سياسية بارزة. كما تتهم هذه اللجان بمحاولة القرصنة على بعض الصفحات للحيلولة دون نشر الأخبار المعادية للإخوان.

وفي سوريا، ظهرت جماعة موالية للنظام أطلقت على نفسها “الجيش السورى الإلكتروني” تتهم بصلتها المباشرة بنظام الأسد، وجهاز المخابرات السورية، قامت بمهاجمة عدد من الأهداف الخاصة بالمعارضة. وفي اليمن، خاصة قبل تنحى صالح، تمكن مناصروه من إغلاق صفحات خاصة بشباب الثورة، مثل صفحة “أخبار الثورة اليمنية”، وإنشاء صفحات موازية تحت مسميات كثيرة، منها “جيش الشرعية الإلكتروني” لمواجهة تنظيمات شباب الثورة إلكترونيا.

– النمط الثالث: مهاجمة قوى خارجية إلكترونيا، وتجدر هنا الإشارة إلى تفرد الحالة السورية بقيام الجماعات السياسية فيها بهجمات إلكترونية خارج نطاق الدولة، تستهدف دولا ومنظمات أخرى، احتجاجا على موقفها من الثورة السورية، سواء كانت الجماعات القائمة بهذه الهجمات معارضة للنظام السوري، أو موالية له. فعلى سبيل المثال، تعرض موقع الأمانة العامة لجامعة الدول العربية للقرصنة من قبل أنصار النظام السوري، احتجاجا على تسليم مقعد سوريا في قمة الدوحة إلى ائتلاف المعارضة، وقاموا بوضع رسالة على الموقع توضح موقفهم الرافض لموقف الجامعة.

ومن بين ما قاموا بمهاجمته أيضا خلال العامين الماضيين الصفحات الخاصة بالرئيس الأمريكي باراك أوباما، ووزيرة خارجيته السابقة هيلارى كلينتون، وموقع منظمة العفو الدولية، والمؤسسة القطرية للثقافة والعلوم، احتجاجا على مواقفها الداعمة للمعارضة السورية. وقاموا أيضا بمهاجمة الموقع الإلكتروني للنايل سات بسبب قرار حجب القنوات السورية الرسمية عن البث، وتحويل مستخدمي الموقع إلى موقع آخر يبث هذه القنوات المحجوبة. وهو الأمر نفسه الذي قامت به المعارضة عن طريق الهجوم على أهداف خارجية، وعلى رأسها إيران وروسيا بسبب دعمهما للنظام السوري، فضلا عن قيامهم بالسيطرة على حسابات تويتر لعدد من المؤسسات الإعلامية العربية والدولية التي وصفوها بأنها معادية للثورة السورية. وربما يرجع ذلك إلى بروز أهمية العامل الدولي في التأثير في الأزمة السورية بدرجة أكبر من دول الربيع العربي الأخرى.

دوافع اللجوء إلى الآليات الإلكترونية الهجومية:

يعزى اتجاه القوى السياسية فيما بعد الثورات إلى استخدام الآليات الإلكترونية غير التقليدية في إدارة صراعاتها إلى عدد من الأسباب، يتمثل أهمها في:

1-  كان لزيادة استخدام الإنترنت في مرحلة ما بعد الثورات في المنطقة العربية دور في بروز الفضاء الإلكتروني كساحة جاذبة للعمل السياسي. فالأهمية الاستراتيجية للآليات الإلكترونية الهجومية، تتزايد كلما زاد اعتماد الهدف على الفضاء الإلكتروني في إدارة أنشطته المختلفة. ولقد تحققت هذه الفرضية في فترة ما بعد الثورات، بعد أن تزايد نشاط القوى السياسية على شبكات التواصل الاجتماعي المختلفة على تويتر وفيسبوك وغيرهما، واعتمادها عليها كقناة للتعبير عن رأيها، ونشر أفكارها وسياساتها، والتواصل مع مؤيديها، فضلا عن تنامي اعتماد المواطنين على هذه الشبكات في الحصول على المعلومات بشأن مختلف القضايا السياسية، والتواصل مع القوى المختلفة. ولذا، باتت مهاجمة هذه الصفحات والمواقع استراتيجية هجومية فعالة نتيجة للخلل المتوقع أن تحدثه في عمل الحزب أو الجماعة السياسية المستهدفة من الهجوم.

2- تعانى أغلب القوى السياسية في بلدان المنطقة ضعفا في الإمكانات المالية، وفي درجة المؤسساتية والتنظيم، ومن ثم تقدم الآليات الإلكترونية لها بديلا منخفض التكلفة لتنفيذ سياساتها. إذ تتسم الآليات الإلكترونية بانخفاض تكلفتها، وتوافر الإمكانات اللازمة لاستخدامها. ومن ثم، ساعدت الآليات الإلكترونية القوى السياسية في المنطقة العربية على تخطى قيود ضعف الإمكانات، وإدارة صراعاتها بتكلفة منخفضة نسبيا. أي أن الجماعات السياسية الأضعف تستطيع أن تقف في مواجهة جماعات أخرى أقوى في الفضاء الإلكتروني على قدم المساواة، دون أن يكون ضعف إمكاناتها حائلا.

3- استفادت القوى السياسية في المنطقة العربية أيضا من غياب القوانين الصارمة التي تمنع القرصنة السياسية، وتفرض عقوبات على مرتكبيها. فلا تزال هذه القوانين غائبة بشكل كبير في المنطقة على عكس الدول الغربية. وربما يرجع ذلك إلى إشكالية تقييم دوافع هذه الهجمات واختلافها عن الأشكال الأخرى للهجوم الإلكتروني. فالقرصنة السياسية التي تمارسها الجماعات السياسية في المنطقة العربية أو في دول أخرى تختلف عن الإرهاب الإلكتروني، الذي يكون الدافع الأكبر وراءه هو إلحاق الضرر بالهدف، أو الجرائم الإلكترونية الهادفة لتحقيق أرباح مالية، وذلك على عكس القرصنة السياسية التي تستخدم كوسيلة للتعبير عن موقف سياسي ما، أو الاحتجاج على سياسات أنظمة أو جماعات سياسية أخرى، دون إحداث أضرار طويلة المدى، أو خسائر فادحة للجهة المستهدفة. ويتجلى ذلك في الحالات السابق ذكرها التي لم تتجاوز فيها مدة الاختراق الإلكتروني بضع ساعات، ولم تلحق أضرارا جسيمة بالقوى المستهدفة.

كما يصعب تحديد هوية المهاجم في الفضاء الإلكتروني، خاصة إذا اتسم الهجوم بدرجة عالية من التعقيد. ففي بعض الأحيان، يلجأ القراصنة إلى استخدام ال Bots أو مجموعة حواسب آلية تمت السيطرة عليها ببرامج خبيثة، وتستخدم هي لشن الهجوم، دون علم أصحابها بذلك. ومن ثم، بدلا من أن تلجأ القوى إلى أساليب هجومية تقليدية، كأن تكون لديها ميليشيات تضعها تحت طائلة القانون، تستطيع أن تستخدم آليات هجومية إلكترونية تحقق أهدافها بتكلفة أقل في إطار غير مجرم قانونا بشكل واضح.

وأخيرا، يلاحظ أن تلك المواجهات الإلكترونية التي تتم ما بين القوى السياسية في المنطقة لم تزل تتسم ببساطتها، واستخدامها لتكنولوجيات أقل تعقيدا من تلك التي تستخدمها جماعات القرصنة السياسية دولية النشاط. إذ تندر حالات المهاجمة عن طريق هجمات الحرمان من الخدمة الموزعة DDOS والتي تحتاج إلى هجمات إلكترونية متسعة النطاق، وإلى درجة أعلى من التنظيم.ولكن ربما تشهد المنطقة في الفترة القادمة تطورا في الآليات الإلكترونية المستخدمة في الهجوم، وأن تتجاوز مستوى القوى الداخلية إلى مستوى الفواعل من الدول في المنطقة، خاصة مع تنامى أهمية ودور الفضاء الإلكتروني في المجالات المختلفة، وتزايد الاعتماد عليه من قبل الأفراد، والجماعات السياسية، والمؤسسات الحكومية، مما يزيد من الأهمية الاستراتيجية لهذه الآليات، ومن فعاليتها في تحقيق أهداف مستخدميها.

تعريف الكاتب:

معيدة في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة.

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف