مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

فى ثقافة قمعستان العربية

فى ثقافة قمعستان العربية 

torture_position_en_banane-2 

حمدى السعيد سالم

تروي الأسطورة اليونانية أن هناك شخصاً خارجاً عن القانون إسمه ( بروكست ) …عمد هذا الرجل إلى صنع سرير على مقاسه … وبدأ يخطف المارة ويرغمهم على الإستلقاء على سريره الذي صنعه ، فمن كانت قامته أقصر من السرير كان ( بروكست ) يمطه حتى تطول قامته ، أي حتى يفارق الحياة …. ومن كانت قامته أطول من مقاس السرير كان ( بروكست ) يقطع رأسه وأطرافه ويتركه جانب الطريق وقد فارق الحياة …

هذه الأسطورة التي ابتدعها الإغريق قبل ثلاثة آلاف عام لها مدلولاتها ومعانيها …. لاجدال اننا في وقتنا الحالي نعتمد هذا السرير في الكثير من قضايانا الإجتماعية وعلاقاتنا مع الآخرين وأحياناً نستعمل هذا السرير بما يعود سلباً على المواطن ومصالحه التي وفرتها له الدولة… فى حين من المفروض علينا تذليل جميع العقبات لإيصالها له بالطرق الكفيلة التي تفعّلها لتكون في متناول الجميع …ولكن ما يحصل أن البعض وحتى لا نعمم هذه القاعدة على الجميع اتخذ من موقعه ركيزة لخدمة مصالحه الضيقة واستعمل ( سرير بروكست ) وبما يتوافق مع شهواته ومصالحه الفردية دون اعتبار لما ستكون النتائج الكارثية على المصلحة العامة ، يقوم بتفسير القوانين حسب أهوائه ومصالحه على مبدأ الغاية تبررها الوسيلة ، وغاب عن تفكيره أن مهمته جاءت لهدفٍ محدد لا يمكن القفز فوقه أو تخطي الخطوط الحمراء ….

لذلك يقارن (ياسين الحافظ ) برهافته المشوقة بين بنيتي المجتمعين: الغربي المدني الديموقراطي، والشرقي الاستبدادي الطغياني، حيث يقول في سيرته الذاتية: “في الغرب، كنت أذهل عندما أرى قوة الفرد وجرأته وثقته بنفسه أو تحرره الكلي من مختلف أشكال الخوف! هناك الفرد ديك، هنا الفرد دودة….. هناك حبل صرة الإنسان موصول بالألوهة، وهنا حبله مقطوع بتاتاً، بما هو عبد، هناك العنفوان، وهنا الوداعة، هناك بروميثيوثية طاغية، وهنا القناعة وراحة البال، هناك الشك والتساؤل والنقد، وهنا اليقين والتلقين والامتثال”، وعندما يتساءل عن العوامل والأسباب التي أدت إلى هذه القوة للفرد الغربي، يجدها في حقيقة “أن بلاده كفت عن أن تكون بلاد الخوف”…

بينما الفرد في ديارنا العربية، منذ سنواته الأولى وربما منذ شهوره الأولى، تتعاوره أشكال لا تحصى! الخوف من العائلة، من المعتقد الإيماني، من التقليد، من المجتمع، من المدرسة، وأخيراً من السلطة الاستبدادية الشرقية، ففي بلاد الخوف، سرير “بروكست” ينتظر كل فرد، ويتمدد فوقه ولكن لتقطع خصيتاه فيغدو ضحية وديعة مذعنة، حياتها فرار، وموتها خلاص…. هكذا تتحد ثقافة الخوف، بمثابتها نتاجاً مكثفاً مزدوجاً للطغيان، طغيان السلطة الاستبدادية وطغيان ثقافة الغالبية، عندها يدخل المجتمع والسلطة معا نفق الرعب، القوة، البطش…. وكلما ازداد البطش استفحالا ازدادت النفوس خواءا وفقرا…. فقيرة تلك النفوس، التي تنظر إلى داخلها فلا تجد إلا الخواء، فتملؤها بالبطش والعنف، هكذا يتأمل أفلاطون أحوال زمانه وحكامه….

عندما تنعدم الحرية، يسود الظلام ويكثر الوشاة، وتحاك الدسائس والمؤامرات، ويسود الشك والحذر والريبة، حتى يطاول الحاكم المدجج بكل صنوف القوة، الذي يعيش أسير قوته، بعد أن يفقد الثقة بالجميع ممن يحيطون به، ولهذا يجعلهم جميعاً عيوناً ليس على الناس فحسب، بل وعلى بعضهم بعضاً…. وإذا تطلب الأمر فانه لا يتردد بسبب شكه أن يبطش بأقرب المقربين له، وعلى هذا يخلص أفلاطون، إلى أن قوة الحاكم ليست إلا نتاج ضعفه، وهو إذ يتوهم السيادة فانه في حقيقة أمره “عبد”….. إنه عبد لشهواته، وميوله الحيوانية العدوانية للسيطرة، وعبد هواجسه التي تجعله يقضي حياته خوفاً على أوهام رفعته التي كانت قد شوهتها السلطة، فجعلته أشد الناس حسداً وغدراً وظلماً، وأتعس الناس قاطبة، فهو بلا أصدقاء، لأن كل من يحيط به محكوم بالرغبة أو الرهبة، والتزلف والتملق، الذي يبلغ حد إضفاء الألقاب الإلهية، والصفات النبوية على ذاته البشرية، حتى إن الوليد بن عبد الملك استفسر ذات يوم في عجب “أيمكن للخليفة أن يحاسب؟!” طبعاً إن سؤاله هنا لا يتوجه إلى حقوق الرعية بمحاسبة حاكمها، بل إلى حقوق الله ذاته…. لذلك يحدثنا السيوطي عن يزيد بن عبد الملك إنه “… أتى بأربعين شيخا فشهدوا له، ما على الخلفاء حساب ولا عذاب” وكان قد سبقه أبوه عبد الملك بن مروان في خطبته الدستورية عندما صعد المنبر ليقول: “والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه، ثم نزل”!… لذلك فان ديارنا وبيئتنا العربية تبدو اليوم هي الأكثر تمثلاً لهذا الجانب التراثي التليد، حيث غياب دولة الحق والقانون، وشخصنة السلطة، هي السمة المميزة للنظام العربي القائم، فكيف – والأمر كذلك – لا تكون ثقافة الخوف، هي الثقافة الجامعة، والموحدة للحاكم والمحكوم، حيث الخوف يعشعش في صدور الحاكمين والمحكومين على السواء…. المجتمع يخاف السلطة، والسلطة تخاف المجتمع، وكلهم في فلك الرعب يسبحون…

أن تعرف وأن لا تعرف، أن تعي حقيقة صادقة كل الصدق وترى بدلا منها كذبات موضوعة بعناية، وأن يكون لديك في اللحظة نفسها وجهتا نظر متباينتان وأنت تعتقد، وتؤمن، بهما كليهما…. وأن تستخدم المنطق ضد المنطق، وأن تنكر الفناء بينما تدعيه، وأن تعتقد بأن الديموقراطية غير ممكنة وفي الوقت نفسه تنادي بأن الحزب الحاكم هو حامي للديموقراطية، وأن تنسى ما تدعو الضرورة أن تنساه ثم تستعيده إلى الذاكرة في اللحظة التي تحتاج فيها إليه ثم تعود فتنساه مرة ثانية… والأنكى من ذلك كله، أن تطبق الطريقة نفسها في حالة الإيجاب والسلب !!..لذلك يقدم لنا الراحل سعد الله ونوس في مسرحيته “يوم من زماننا” مثالا نموذجياً للتفكير المزدوج، الذي يستخدم المنطق ضد المنطق، ونسيان ما تدعو الضرورة أن تنساه، ثم تستعيده، ثم تعود فتنساه…

يقول مدير المنطقة ممثل السلطة داعياً إلى نسيان مفردات ذات دلالة لا ضرورة لها وفق حاجات السلطة، واستبدالها بمفردات جديدة تبدو ضرورية في اللحظة، وقد يتطلب الوضع العودة عنها، فتنسى، ليتم استعادة الأولى، هكذا وفق جدل المنطق ضد المنطق، والمعرفة وعدم المعرفة في اللحظة ذاتها…حيث يرى ممثل السلطة ضرورة إلغاء المفردات الآتية: “الرشوة” و”النهب” و”الفساد” “الإثراء و”النصب” و”الاحتيال”. ويطالب باستبدالها واستخدام كلمات “المنفعة” و”العمولة” و”الربح” و”اقتناص الفرص” و”العصامية” و”المرونة” و”العلاقات العامة”…. لذلك لم ولن اكون ممن يسلكون مسالك الصحافة التمجيدية أو الصحافة الغير استقصائية فى كتاباتى !!!..ولكنى فى كتاباتى اقصد رفع ثوب القداسة والملائكية عن التاريخ وسلطته،وتحرير الذات من هيمنته،لتحويله من إطار المطلق إلى النسبي،ومن قيمة مقدسة إلى موضوع ومادة للقراءة قابلة للفك والتحليل والتركيب،بغية إخراج ذات المتلقي من سلطة التاريخ وسطوة رموزه….علما بأن هذه القراءة لا تقصد الحط من قيمة الرجال دينا وعلما(وما منا إلا له مقام معلوم)،وإنما تقصد بالدرجة الأولى المساهمة في الكشف عن أدوات تحرير الذات من هيمنة التاريخ،ومحاولة إعادة ترتيب كليات القرآن وفق مقاصد الرسالة الخاتمة وليس وفق مقاصد صانعي التاريخ !!..

فهذا مثلا الإمام أبوحنيفة رحمه الله،الذي ولد بالكوفة (80-150)، وهو مؤسس أول مذهب من المذاهب الاربعة السنية المشهورة… لقد شهد أبو حنيفة في طفولته مرحلة التنظير السياسي والديني لإغتيال قيمة الحرية ومبدأ احترام الرأي الأخر،وذلك على يد الحجاج والي العراق الذي مارس أساليب القتل والتشريد للمخالفين،بل سن لهم سنة سيئة مفاداها ختم أيدي المخالفين لسياسة بني أمية،كما فعل مع مجموعة من دعاة الحرية ورفع الاستبداد منهم الصحابي الجليل جابر بن عبدالله،وأنس بن مالك،وسهل بن سعد،وغيرهم من دعاة الحرية ورفض الاستبداد…

مما لاشك فيه انه في هذه الأجواء الاستبدادية شق الإمام أبوحنيفة طريقه إلى إعادة قيمة الحرية واحترام الرأي الأخر إلى سيرتها الأولى من خلال الأصول القرآنية والتطبيقات النبوية….وانطلق الإمام يرتاد حلقات العلم وأسواق المال في بلاده،حيث جمع بين طلب العلم والتجارة….وقاده ذلك إلى اجتهادات كبيرة في التعاملات المالية،واحترام حقوق الأخرين،فكان لا يرى قتل المخالف وإن كان مرتدا عن الدين،وأفتى بحق تولى المرأة كل الوظائف القضائية والسياسية بلا استثناء،ومساواة المرأة مع الرجل في عقد النكاح وغيره،كذلك رفع من قيمة العقل والتفكير وأبداء الرأي واحترام الأخر….حتى أنه كان يكثر ترديد شعاره المفضل(اللهم من ضاق بنا صدره،فإن قلوبنا قد اتسعت له)…و ظل يناضل من أجل إعادة قيم الحرية واحترام الانسان وكرامته،والدفاع عنها بالغالي والنفيس،مما دفع صنفين من الناس إلى شن حملة شعواء على علمه ودينه وحياته ووجوده أصلا،فكان الصنف الأول يمثله النظام السياسي القائم آنذاك(أموي-عباسي)…

والصنف الثاني يمثله بعض الفقهاء حلفاء السلطة السياسية(السيف والقلم)من أمثال أبي ليلى وابن شبرمة وبعض أهل الحديث وغيرهم…. فقد كان الصنف الآخير( حلفاء السلطة السياسية(السيف والقلم) ) يغري به المتعصبة والسفهاء لسبه واتهامه بالكفر والردة والزندقة،قال البغدادي في تاريخه:(جاء رجل إلى إبي حنيفة وهو في مسجد الخيف فقال له:أنت تقول أخطأ الحسن يا ابن الزانية؟)،وجاء في تاريخ أبي زرعة(أن سفيان لم يكن يكلم أبا حنيفة،وكان سلمة بن عمرو القاضي يقول على المنبر:لا رحم الله أبا حنيفة.وقال المطيع:كنا مع أيوب بمكة،فأقبل أبو حنيفة،فقال أيوب:قوموا لا يعدنا بجربه.وقال:سفيان الثوري أبو حنيفة غير ثقة،ولا مأمون،استتيب مرتين….وقال:وكيع بن الجراح ليحيى بن صالح الوحاظي:يا أبا زكريا إحذر الرأي، فإني سمعت أبا حنيفة يقول:للبول في المسجد أحسن من بعض قياسهم….وقال ابن عيينة:لم يزل أمر الناس معتدلاً حتى ظهر أبو حنيفة بالكوفة،والبتي بالبصرة،وربيعة بالمدينة،فنظرنا،فوجدناهم من أبناء سبايا الأمم)!!…

ولقد ظل هذا الصنف مثابرا في عمله التضليلى من خلال شحن العوام وتحريض السلطان على صاحب العقل والرأي الأخر… قال أبن أبي ليلى مرة لأبي حنيفة:لا قبلت لك شهادة أبدا….وقال له سفيان الثوري:لا كلمتك أبدا….وقال له شريك:لو كان لي من الأمر شيء لضربت عنقك….وقال له الحسن بن صالح:وجهي من وجهك حرام،أن انظر إلى وجهك أبدا… وقال أخر:ما تصنع به وقد مات جهمي….أما الصنف الثاني من أعداء الحرية،واحترام الرأي الأخر،واحترام الحياة الانسانية،فقد كان السلطان….ويبدو أن الصنف الأول وفق شروط سياسة الحلف بين الأمراء والعلماء(السيف والقلم) او التحالف والتوافق بين العاهرة والزانى قام بصناعة نصوص وأراء دينية تضفي الشرعية على النظام السياسي،وتؤصل التوريث،وتوغل في السمع والطاعة لهذه السلطة،وعلى ضوء ذلك جاز له ممارسة الاستبداد والطغيان،وكبت الحريات،وإلغاء الأخر وقتله باسم الدين تحت اسماء متنوعة ما زالت مستخدمة من قبل تجار الدين حتى يومنا هذا (باغي- مفسد -مرتد -زنديق -جهمي -معتزلى -خارجي -شيعي ..الخ)…

وامام ذلك الكيد السياسديني كان أبوحنيفة يؤمن بشعار(من يملك المال يملك الاستقلال في الفكر واللسان) لذلك حاول منذ بداية طلبه للعلم المحافظة على استغلاله العقلي واستقلاله المالي عن الجميع،ليحقق الاكتفاء الذاتي،وهذا ما جعله بمنأى عن سطوة المال السياسي من قبل الخلفاء والسلاطين،فقد عرضوا عليه المال والجاه والمناصب فرفض كل ذلك،حيث كان يمارس نقد الفريقين معا بكامل حريته،فقد نقد العقل الفقهي الحشوي النقلي…ونقد السلطة الحاكمة المستبدة الكسروية،مما أوغر صدر الخليفة وحلفائه عليه وأمر بمنعه من الافتاء،وتعليقه على الأحكام الصادرة من القضاة…وزاد الطين بلة عندما أقدم الفريق الأول(الديني)على اتهام أبي حنيفة بأنه يرد أحاديث رسول الله،ويفضل النظر العقلي عليها،علما بأن الإمام لم يرفض ما صح عن رسول الله،ولكنه لما رأى أن الأحاديث قد صارت صناعة ومنتجات سياسية لخدمة سياسة الخلفاء وسلوك السلاطين في حسم صراعهم مع مناوئيهم في الحكم والرأي،قال لا نقبل إلا سنة مشهورة،أو سنة لا تخالف نصا قرآنيا،ولهذا قيل عنه أنه لا يحفظ إلا نحو سبعة عشر حديثا فقط !! ثم واصل هذا الفريق اتهامه لأبي حنيفة بأنه قرآني،وخارجي،وجهمي،ومرجئي..وهلم جرا….

وقد حاول الفريق الثاني(السياسي)في أخر العهد الأموي إغراء أبا حنيفة بقبول منصب قاضي القضاة،وبقبول الهدايا والعطايا فرفض كل ذلك،فسجنوه وعذبوه في السجن،وساءت صحته في السجن،فأطلق سراحه،فخرج إلى الحجاز وترك مسقط راسه الكوفة… وعندما استلم العباسيون السلطة وتحالف معهم رجال الدين(السيف والقلم) لم ينسوا لأبي حنيفة أفكاره وأراءه ومعتقداته في حرية الرأي،وإبطاله لقضية توريث الحكم،وعدم تطويع الدين لصالح السياسة (كما فعل الأمويون مع إبراهيم ومحمد النفس الزكية)،(كذلك جعفر المنصور حين أراد استباحة أهالي مدينة الموصل بفتوى أبي ليلى وابن شبرمة وغيرهما)….لذا فقد حاولت السلطة العباسية في أول أمرها ترويض أبا حنيفة على قبول الهدايا ومنصب القضاة ليكفوا شر عقله ولسانه الداعي الى الحريات وعدم الظلم والاستبداد،ولكنه رفض كل ذلك،وظل الإمام يدعو إلى إعادة الاعتبار لقيم الحرية،واحترام الرأي الأخر،وعدم الإقرار بشرعية سلطة التوريث والوصايا،وتوظيف الدين لصالح السياسة،وإنما باجتماع المؤمنين ومشورتهم….

وهو بذلك يرد على ذلك الخطاب التبريري والفكر التأثيمي من قبل الفقهاء حلفاء السيف… فأوغر موقفه هذا،الصنفين معا(السياسيديني)،فالصنف السياسي أمر بحبسه وضربه،والصنف الديني طعن في علمه ودينه،وعلى إثر ذلك أودع سجنا،وظل في قبوه المظلم،حتى تدهورت صحته،ثم أخرج إلى بيته،قال زفر:فلم يلبث أن جاء كتاب المنصور إلى عيسى بن موسى أن أحمل ابا حنيفة…..قال:فحمله إلى بغداد فعاش خمسة عشر يوما ثم سقاه فمات،وذلك سنة خمسين ومئة،ومات أبو حنيفة وله سبعون سنة)…وفي نص كتاب المحن لأبي العرب أن الخليفة أبا جعفر المنصور قد سقى بيده الإمام أبا حنيفة السم (فمات من تلك الشربة)!!وهذب الذهبي العبارة ولطفها بقوله(توفي شهيدا مسقيا)!!…شربة سم بالعسل…وما يعلم جنود الخلفاء والحلفاء إلا هم!! والطريف في الأمر أن يتقدم الخلفية القاتل جموع المشيعين لجنازة الإمام ويصلى بهم صلاة الجنازة على قتيله…وبهذا يتناغم سلوك الخليفة مع قواعد الفكر التأثيمي،والفقه الجنائزي!!…

وهكذا تمت عملية إغتيال قيمة الحرية وكلية الرأي الأخر في زمن أبي حنيفة على يد الحلفاء واعوان السلاطين من تجار الدين (السيف والقلم)…..الذين أسسوا مذهب توريت الإمامة السياسية والإمامة الدينية،وأضفوا عليها ثوب القداسة بسلطة الاجماع وتأويل نصوص الوحي….يقول ابن حزم(فتوراثوا القضاء كما توارثوا الضياع)ويقول الجاحظ(..وبالحرى ألا يمر عليه من الأيام إلا اليسير حتى يصير(الفقيه)حاكما على مصر من الأمصار أو بلد من البلدان)!!والويل والثبور لمن يفكر بعد ذلك في الخروج على سلطة التاريخ وسلطة إجماعه،فإنه مقصود بالأذى في بدنه،والطعن في علمه ودينه،ومطلوب في دمه….وصدق من قال:وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها!!…ثمة تداعيات أخرى متولدة عن إغتيال هذه القيم-قيمة الحرية واحترام الرأي الأخر،وإبطال نظام التوريث في الدين والسياسة-،وهي ذيوع عقيدة الجبر في إطار التخلف المعرفي،واستقرارعقيدة القدر في إطار الاستبداد السياسي،مما جعل إرادة الجماهير في المعرفي والسياسي تميل إلى تعظيم المستبد الطاغية في مجال السياسة،وإلى الرتابة المعرفية بتعظيم التقليد والنقل وتقديس التراث دون نقد وتمييز وإضافة….

وهذا في الواقع ما يمارسه قطاع واسع من المسلمين في العالم المعاصر تحت لواء فهم الكتاب والسنة بفهم السلف،وبمقتضى هذا المنطق تنحر مقاصد الوحي،وتذبح كليات الرسالة على صخرة التاريخ وسلطته!!… لذلك عندما تقول أن تفوق السلعة الغربية، ما كان له أن يحقق هذه النجاحات بدون الإنجازات الديموقراطية الآنفة الذكر، وأن يستحيل حل المشكلة اقتصادياً،و وضعيا، وتقنيا، ومن ثم ترقيعيا، بدون هذا الإصلاح السياسي ينقض عليك الطغيان السلطوي منددا مهدداً، متوعداً متهما بالخيانة والعمالة للغرب!! وذلك لأن وكلاء شركات السلع الغربية يريدون علاقة مع الغرب، بدون حق المجتمع في الرقابة والتدخل، فالمجتمع بالنسبة إليهم ليس إلا موضوعاً أي سوقا للتصريف، لا ذاتا فاعلة قادرة على التصرف….

ولكي تتحرر من خوف طغيان الغالبية وطغيان أجهزة السلطة، عليك اللجوء إلى التفكير المزدوج، أن تنسى أن للسلعة الغربية تاريخا عقليا، معرفياً، ثقافياً من جهة، وأن لها تاريخاً سياسياً، ديموقراطياً، مدنياً، تعاقدياً، من جهة أخرى، وبإمكانك فقط أن تسمح لذاكرتك أن تستحضر هذه التواريخ من بهو الذاكرة، فقط للمضغ التنظيري الأكاديمي، وتلفظه على الفور من ذاكرتك خوفاً من أن تنسى فتتشدق فتأتيك السهام من كل الجهات، هكذا ينقدك جورج أورويل من منطقك بمنطقك ومن ذاكرتك بذاكرتك، ومن نفسك بنفسك وتقهر روحك عبر طمس معالم الذات…ففي ديارنا العربية عليك أن ترى في الهزائم انتصارات، لأنه ليس مهما خسارة الأوطان، بل المهم أن يحفظ الله لنا السلطان…. هكذا حمدنا الله بعد حرب 1967 وفي ديارنا العربية عليك ألا تفكر كما في ديار الغرب، فلكل ديار خصوصية ونسق، لأن التفكير المزدوج يرغمك تحت أوامر الخوف أن ترى الأشياء متجاورة ثنائياً، أي سلسلة من المزدوجات، تتجاور وتتضايف، وتتناظر محاورها لكنها لا تلتقي إلا في اللانهاية، إلا بإرادة الله… في ديارنا الاستبدادية العربية أنت لا تملك من أمر نفسك شيئاً، بل حتى من أمرك إلا بضع سنتيمترات مكعبة داخل جمجمتك يكمن فيها دماغك، ولا تملك في صدرك سوى “قلب فأر” وفق توصيف تولستوي، قلب لا تستطيع ساحرة تولستوي، ولا أي ساحر في العالم ولو ألبسه جلد نمر، أن يمنعه من الهرب أمام القط…

وإذا كنت نمراً، فعليك أن تستخدم دماغك المكعب الصغير ليأمر قلبك للانصياع لحقيقة كونه “قلب فأر”، ومن ثم فان “نمريتك” يجب أن تتكيف في دنيا الرعب العربية، فإذا قدم لك مروضك الحشائش فيجب أن تنطلق من قاعدة التفكير المزدوج “المنطق ضد المنطق” فتقبل على الحشائش هاشاً باشاً، لكي لا يتسرب للمروض أنك لم تنسَ “نمريتك اللحومية”، فعليك أن تتخلى عن لحوميتك فتلتهم الحشائش وتثغو راكضاً وراء القطيع وأنت متأرجح الإلية الصغيرة فرحا كأي حمل وديع…. وهذا هو حال جماعة الاخوان !!.. وإذا قال لك المروض ( الحاكم وزبانيته )كن قطا، فأجبه مواء، وإذا قال لك كن كلباً فأجبه عواء، متضرعا متذللا متعلماً من الكلب الذي صوره تشيخوف كيف تشمشم بوط سيدك وأنت تتقلب على ظهرك محركا ذنبك ببهجة وأنت تحس بلذة مازوشية تحت وقع سياط سيدك، وينبغي عليك ألا تظهر له أي امتعاض أو استنكار أو رفض، لأنه بذلك قد يكتشف آثار بعض من إنسانيتك لا يزال في داخلك، فعندها تكون بإرادتك، قد اخترت درب الجلجلة درب العذاب المقيم…. كل شيء في داخلك سيموت، لن تعود قادراً على الحب، والصداقة أو التمتع بالحياة أو الضحك أو التعجب أو الشجاعة أو الاستقامة، إنك ستكون كصدفة فارغة، سنعصرك حتى تصبح كالجيفة الخالية من كل شيء ثم نملأك بأنفسنا !!..

واياك و الخروج على سلطة التاريخ وسلطة إجماعه ايها المواطن العربى المقموع بسلطة التاريخ وسلطة الدين وسلطة الحاكم !!!.. نعم إن قاعدة التفكير المزدوج خير خيار نظري لثقافة الخوف لتعصمك من العيون المطاردة، فإذا قال بعض المسؤولين أنهم لن يسمحوا لأحد أن يهدم ما بنَوْا، فعليك ألا توسوس لك نفسك الأمّارة بالسوء فتتيح للشيطان الوسواس الخناس أن يوسوس في صدرك زارعا أسئلة الشك والريبة فتتساءل: أي بناء يقصدون؟ هل الأوطان أم الأطيان؟ هل القصور البيضاء والحمراء أم الفيلات والمزارع الخضراء؟ أم اليخوت والمرافئ الخاصة الزرقاء؟!!..عليك لكي تجيب على هذه التساؤلات أن تكف عن حرية عقلك الذي يقودك للحكم بأن: اثنين اثنين = أربعة، لتعمد إلى قاعدة المزدوج، فتجيب بأن اثنين اثنين قد يساوي ثلاثة أو أربعة أو خمسة، عندها قد تكسب رضاهم ولكنك ستخسر حريتك إلى الأبد!!..

في ديارنا الخوف يتسع ليتجاوز حذر رجل الدولة إلى حذر المجتمع الذي قد يتخذ شكل رُهاب وسواسي، حيث يتبادل المجتمع والسلطة الحذر من مجهول آت غير محدد، مادام المجتمع لا يحتكم إلى منظومة حقوقية قانونية تنظم علاقته بالنظام، الذي يتميز عربياً بأنه جوهره غياب القوانين، سلطانيا كان أم جمهوريا، فكل البلدان العربية ولايات استيلاء بالعصبية والشوكة والغلبة وفق صياغات ابن خلدون !!…هذا القمع المفرخ للخوف، واللاجم بالأنا الاجتماعية، يقتل الأنا الأخلاقية داخل الفرد، فيرتد إلى أحط أنواع الدناءة والخسة وانتهاز الفرص، والخنوع الذليل حيث تتأسس علاقة عبودية، بين كل درجة وما دونها، أو ما فوقها، وصولا إلى تكريس نوع من الأبوية الربوبية تبدأ بالأب “رب البيت” ولا تنتهي بالأب السلطوي الحاكم بأمر الله “رب الزمان” حيث التنزل والتنزيل، هو الذي يحكم هذه العلاقة…

فالأمر يصدع من الأعلى وما على الأدنى سوى الإذعان استمراراً لحمكة أزمنة الانحطاط التي صيغت بقول أبي حيان التوحيدي: ما تطاول أحد على من دونه إلا بمقدار ما تصاغر أمام من فوقه…. الخوف لا يقتل الأنا الأخلاقية في الفرد فحسب بل يقتل الأنا القانونية في داخله، عندما يكون جوهر العلاقات الحاكمة للنظام المستبد هو الاعتباطية المقيدة ، فان كل شيء يغدو ممكنا في ظل دولة جوهر نظامها الاستبدادي غياب القوانين، ولأنها اعتباطية تتيح بعض الحرية ولو كانت فوضوية، فإن في دولة غياب القوانين ليس كل شيء ممكنا فحسب بل أيضاً يغدو كل شيء مستحيلا، وعلاقة الممكن بالمستحيل تحددها درجة القرب أو البعد من مركز القمع….لذلك إذا كنت قادراً على التخويف فكل شيء ممكن، وإن كنت في دائرة المفعولية فكل شيء مستحيل، حتى تصل درجة المفعولية إلى درجة التعدي إلى مفعول له ثان، أو مفعول مطلق! والمستقبل يغدو قنبلة موقوتة، لكنها تطلق دقاتها في كل لحظة حسب ستيفن سبندر، هكذا تتسع فضاءات خصوبة اللامتوقع…في هذه الفضاءات تنحل الطبقات الاجتماعية إلى جماهير، حيث تجري عملية “تدهيم” يومي لها لتبلغ بدهماويتها الدهماء حد عبادة جلادها، خوفاً من الحرية هرباً من العجز واللاجدوى إلى السلطة المجهولة المعالم حسب تعبير فروم، سواء أكانت هذه السلطة ثيوقراطية سلفية أم أوتوقراطية طغيانية محدثة…

ففي ثقافة الخوف لا مكان إلا للكره والألم، لا مكان للعواطف الراقية ولا للآلام العميقة والمعقدة بعدما احتل الخوف شاشة النفس الإنسانية فطمس معالمها، لقد مضى ذلك الزمن الذي كان الإنسان يعيش حاراً وطازجاً، يحب ويصادق، وحيث كان يقف أفراد العائلة إلى جانب بعضهم بعضاً دونما حاجة إلى معرفة السبب، فالخوف عندما ينشب أظافر خلاياه السرطانية في المشاعر البشرية فانه يفتك بكل المشاعر العظيمة: الحب والصداقة والتضامن والتراحم، لأن هذه المشاعر كفيلة بإحساس الإنسان بعظمته ونبله الإنساني….. ففي ثقافة الخوف لا فسحة للعظمة والنبل ونكران الذات بل للضعة والخسة والدناءة، حيث الكل يترافس والأكثر نجاحاً وتفوقاً هو القادر على رفس من دونه، وكلما ازداد ارتفاعاً في المكان فاعلم انه ازداد انحداراً في المكانة، ففي مجتمع ثقافة الخوف لا يرتقي سوى الأوغاد… الكل يتراكض تواقاً ليصعد على أكتاف الآخر هرباً من الخوف، بل خوفاً من الحرية !!… حيث التباغض والتحاسد وشعار “لن أسمح للآخر أن يصعد على أكتافي” لأن أكتاف الجميع لا متسع فيها للآخر …. بعد أن شغلها جثوم الخوف والرعب فاحتلها، فلا غرابة بعد ذلك أن تقوم قوى الرعب ليس بركب أكتاف الرعية الرعناء فحسب، بل وركوب شرفها!!!..لذلك اقول لمرسى : فى ثقافة قمعستان العربية لايرتقى سوى الاوغاد !! وانتهى الدرس ياغبى !!..

حمدى السعيد سالم

صحافى ومحلل سياسى

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف