مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

بمناسبة فوزه بجائزة «الأركانة» من «بيت الشعر»

حوارمع الشاعرالإسباني أنطونيو غامونيدا بمناسبة فوزه بجائزة «الأركانة» من «بيت الشعر» المغربي لهذا العام

gamonedacc 

الرباط: شاكر نوري

منح «بيت الشعر» في المغرب جائزة «الأركانة» السنوية لهذا العام للشاعر الإسباني أنطونيو غامونيدا «لتميزه الشعري وفرادته في الكتابة الشعرية».

وينتمي غامونيدا إلى جيل الخمسينات، (ولد في 1931)، وهو حاصل على جوائز شعرية كثيرة منها: جائزة ثيربانتس أو سيرفاتس، وجائزة الملكة صوفيا للشعر الإيبروأميركي 2006، والجائزة الوطنية للشعر، وجائزة قشتالة 1988، وليون للآداب 1985.

وهو ابن الشاعر الإسباني أنطونيو الذي نشر عمله الوحيد «حياة أخرى أرقى» في 1919 مسجلا اسمه في تاريخ الحداثة. تعلم القراءة في سن الخامسة بفضل قراءته لكتاب والده بعد إغلاق أبواب المدارس عقب اشتعال الحر الأهلية الإسبانية في 1936. اعتبر كأحد الأصوات الشعرية الإسبانية المعاصرة، ومنعت جميع كتبه أيام فرانكو ولم تنشر إلا بعد رحيله.

ومن أهم أعماله 1936: العاطفة والنور لخوان بارخولا، الأرض والشفاه، انتفاضة جامدة، وصف الكذب، بلوز قشتالي، الدمية والنار، شواهد القبور، العمر، كتاب الصقيع، حارس الثلج، كتاب السموم، سيسيليا، إعادة صياغة، هذا الضوء، دولاب مليء بالظلام، سيرة ذاتية، وغيرها.

* منح «بيت الشعر» في المغرب جائزة «الأركانة» السنوية لهذا العام للشاعر الإسباني أنطونيو غامونيدا «لتميزه الشعري وفرادته في الكتابة الشعرية». يتربع الشاعر مكانته بين مصاف شعراء العالم الكبار الذين تأملوا الموت وتجلياته ومآلاته، والوجود، واللغة، واليومي، والكوني من خلال قصيدته ذات الكثافة العالية في اللغة والمعنى، والحوار العميق المتفاعل والمتوازن بين أجناس الكتابة. وما يجمع بينه وبين شعراء جماعة الجيل الخمسيني هو: طفولة الحرب، واستعادة ذكريات سنوات ما بعد الحرب مثلما فعل لخوسيه أنخيل بالينتي وكلاوديو رودريغيث وفرانسيسكو برينيس.

عندما تجلس بمواجهة الشاعر أنطونيو غامونيدا، يتملكك شعور بأنك أمام معلم، وأحد كبار الشعراء، يجيبك بصبر لا مثيل له، وينتقي كلماته ببطء، ويستعين بزوجته حين يستفهم عن معنى كلمة بالفرنسية أطرحها عليه، لتشرح لي طريقته في كتابة القصيدة. وحين تطرح عليه سؤالا، يرسل نظراته إلى البحر الممتد من فندق «رياض السلام» المطل على المحيط الأطلسي، والذي أقمنا فيه، بمناسبة حضور معرض الكتاب في الدار البيضاء.

في حواري هذا، كان من الطبيعي أن أبدأه بالسؤال عن الشعر الإسباني، ومكانته فيه، باعتباره فتح أفقا جديدا فيه باعتراف المتخصصين في شعره. أجابني بعد تأمل قصير:

«يستطيع النقاد أن يقولوا أي شيء ولكنني لا أستطيع أن أقول أي شيء عن نفسي أو شعري. وربما الشيء الوحيد الذي أرغب بقوله هو أن هناك أحداثا وقعت في حياتي جعلت رؤيتي للشعر تتغير، وهي التي قادتني إلى عالم جديد.

* هل تقصد أن العالم الخارجي هو الذي غيرك أو غير رؤيتك؟

– مما لا شك فيه، أن الأحداث هي التي تشكل حياة الشاعر، وخصوصا عندما يصبح نفسه شاهد عيان عليها. صحيح أن أغلب قصائدي تتعامل مع فكرة الحب والألم، معادلة تجسد ما شهدناه في الحرب الأهلية الإسبانية، ديكتاتورية فرانكو، وغياب والدي المبكر وغيرها. وأريد أن أشدد على أن الحرب الأهلية الإسبانية لا تشبه حربا أخرى، لأنها حملت في أعماقها الفرقة والهدم والتدمير.

* ذكرت رحيل والدك المبكر، وهو شاعر معروف، هل تتلمذت على شعر والدك؟

– نعم كان أبي شاعرا، لكنه نشر مجموعة شعرية واحدة فقط. وإنني مدين له بالكثير، فقد أصبحت شاعرا من خلال قراءتي لشعره، بعد أن أغلقت المدارس أبوابها آنذاك. تعلمت النقاط المهمة في الشعر في عمر الخامسة لأنني كنت أشاهد حياتنا عبر المعاناة والألم. فالشعر كالحلم يجعلنا سعداء لليلة واحدة. لقد تغير مفهوم الشعر عما كان عليه من قبل، باعتباره كان يؤدي وظيفة اجتماعية في تمجيد الحاكم والآيديولوجيا، كوظيفة الصحافة والتلفزيون في الوقت الحاضر، لكن القصيدة تحولت إلى إعلان للشعب بعد ولادة الطباعة. هناك بطبيعة الحال، المعرفة الابتدائية للغة والمعرفة العميقة لها. إن قراءة الشعر في البيت أتاحت لي حرية التعبير بنفسي والانتقال إلى الأشكال الرمزية، واستخدام اللغة الشعرية التي كنت أعرفها. لذلك يمكنني القول إنني اكتشفت الشعر مبكرا في حياتي، ولهذا تأثير كبير على ذهنيتي الشعرية.

* هل يمكن القول إن القصيدة لا تزال تحتفظ بهذا الدور في عصرنا الحالي؟

– لم تعد للقصيدة هذه الأهمية وحتى للأدب بشكل عام إلا ما يخدم منه السينما والتلفزيون لأنهما الأقدر على التعبير. ثم تحولت القصيدة إلى ذاتية محضة أيضا تختص بخصوصية الشاعر وذاتيته، وبدأت اللغة الشعرية لا تتبع القوانين التعبيرية الموجودة في اللغة التقليدية العامية والأكاديمية، بسبب وجود منطق آخر لها. على سبيل المثال، لويس غونغرا، شاعر إسبانيا الكبير، عاش فقيرا يتوسل النبلاء لمساعدته، وتحدث في شعره عن تلك المعاناة، وكذلك فعل إليوت الذي تحدث عن السيطرة عن طريق الأحاسيس.. أما سان خوان دي لاكروس، فقد تحدث عن المفهوم الأكبر للقصيدة وهو استيعاب غير المستوعب. لذلك لا أؤمن كثيرا بالواقعية، وأعتبر اللغة الشعرية المبجلة من دون منطق. في النهاية، تمضي اللغة بنا إلى المعاناة والسعادة معا، كما تحدث سقراط عن السعادة في التقاليد الشعرية اليونانية.. ‏إذا نقرأ الشعر لنكون سعداء أو هكذا يعتقد الشاعر أن الشعر نوع من السعادة والفرح والحلم الجميل.

‏* نفهم من كلامك أن عالم الشعر غريب ومعقد؟

– كان الشعر هكذا منذ الأزل، لكن للشعر درجات مثل النور ليس له لون واحد أو ظلال واحدة، لذلك لدي إحساس على الدوام، بأنني محاط بالفراغ والغياب طوال مراحل حياتي. كانت الملابس المستعملة هي الأفضل بالنسبة لي لأنني اعتدت على استخدامها من أجل وصف حالة الأشياء. والشاعر هو جذوة القصيدة وجذرها، لا يفكر بالجمال حينما ينشئ الشعر لأن الجمال جزء من الشاعر ذاته، فهو لهذا منسي، أما مبادئه الأساسية في شعره أو الأصح أفكاره الرئيسة، فتتجلى في العمر المديد الذي يقدم له النور والهدوء والرؤية الموضوعية. إنه لا يستريح، لهذا فهو قريب من لحظة العذاب التي هي الموت. نحن نتعلم الهدوء والتروي والمحبة عندما نحضر أنفسنا لمغادرة هذا العالم.

‏* هل يمكن القول إن الشاعر يختار موضوعه؟

– لا يختار الشاعر نوع الموضوع الذي سيكتب فيه، إن كان في الحب أو في السياسة أو في الاجتماع، يفرض نفسه على الشاعر. يمكن أن نختار مواضيعنا بسهولة خارج عالم الشعر، أما مع الشعر فلا يمكن ذلك، لأن الشعر إحساس وشعور، ولا يعرف الشاعر موضوعه إلا عندما تنتهي من كتابة قصيدته، وحينها يحقق إبداع المعرفة والذوق معا، لأنه ابن اللحظة ومؤرخ اللحظة في آن واحد.

* يؤكد النقاد أنك تركز على إيقاع الشعر وفنية الأسلوب وأحاسيس النص؟

– إن نمط الكلمة له أهميته في السعي لتحقيق الكمال أو عدم الكمال في القصيدة. لم أكن أهتم بالإيقاع والقافية في بداية حياتي الشعرية ولكنني أهتم بها الآن. وربما لهذا السبب، أقدمت على كتابة بعض السونيتات الكلاسيكية. لكنني في الوقت نفسه، لا أدافع عن القافية، ولا أقلق عليها، ولا أمنع نفسي من الإيقاع. أكتب ببساطة على نمط الإيقاع الآلي للقصيدة. وإذا ما عدنا إلى أرسطو فإن هناك روابط بين الوقائع والأشكال والأسلوب، وكلها مرتبطة بالموسيقى. يبقى أن أقول إنه ليس لدي أي برنامج أو مخطط لكتابة القصيدة، فالكلمات لا تأتي عن طريق المصادفة، وما يحركني هو الإيقاع من أجل خلق لغة تسعى إلى خلق الفكر.

* هناك مؤثرات في نفس كل الشاعر، هل يمكننا التعرف إليها عندك؟ ‏

– عندما كنت في الخامسة حفظت كثيرا في شعر أبي وإن لم أفهمه. تلك كانت التأثيرات الأولى، أما فيما بعد أي بعد أن اطلعت على ثقافة الآخرين، ولا سيما الفرنسيين الذين عشت وما زالت أعيش بينهم، ولا سيما أن مدينة ليون التي أسكن فيها، والتي تبنتني كابن لها، جعلني أطلع على كل المدارس الأدبية الشعرية بدءا من القرون الوسطى وحتى يومنا هذا. لقد أذهلني الرمزيون الفرنسيون أمثال مالارميه وبودلير وكذلك كان للشعراء الطليان والإسبان أثر كبير ليس في شعري فحسب، بل في تكويني النفسي والثقافي والفكري، ولا سيما شاعر إسبانيا الكبير فرديريكو غارسيا لوركا دون إهمال تأثيرات العقيدة الدينية والإنجيل، وكذلك تأثير أغاني الجاز والبلوز لما تحمله هذه الأغاني من أشعار الفقر والجوع والحب وغيرها.

* تحدثت عن لوركا، هل يمكن أن نعرف المزيد عن تأثيراته على شعرك؟

– نعم تأثرت بلوركا، ولكن ليس هو فقط، بل بعدد من الشعراء والأدباء. الكلمات لا تأتي جزافا، فهي مختمرة في مكان من العقل، وتخرج أثناء الشعور والإحساس. وجوهر الشعر هو الكلمات، وجوهر الكلمات هو المعنى. عندما تنتهي الطاقة الشعرية يجب أن تبحث عنها في مكان ما، في أعماق الذات أو في الآخرين. يمكنني أن أذكر شعراء إسبانا عظماء آخرين أمثال خورخي غيين، رافائيل ألبرتي، داماسو ألونسو. ويمكن القول إن الشاعر الإسباني كلاوديو رودريغيث هو أهم شاعر في النصف الثاني من القرن العشرين. وكان والدي معجبا بالشاعر روبين داريو ومتعاطفا مع الشاعر رامون دي كوامبوامور. إن رافائيل ألبرتي جعل كل خلية من خلايا جسدي تتجدد مع رؤيتي للشعر والحياة باستمرار.

* إذن هناك مراجع أساسية في حياتك الإبداعية؟

– مراجعي ليست أسماء، بل هم مجهولون أو مختفون وراء أعمالهم. الأغنية الشعبية على سبيل المثال، من ينتجها؟ يمكن الحديث عن الأشياء الجادة مثل موسيقى البلوز والجاز والإنجيل بالنسبة لي مرجع مهم كما أسلفت. وكتاب مثل: غارسيلاسو، خوان دي يابيس، غونغورا، سيرفانتس وكافكا وفولكنر، هم كتاب موجودون معي على الدوام. وتأثيراتهم بادية على أعمالي، لكنني لا أصل إلى نوعية كتاباتهم.

* هل يمكن الحديث عن لوركا بشيء من التفصيل؟

– إنه الشاعر الذي أهتم به أكثر من جميع شعراء القرن العشرين. البعض يقلل من قيمته، ولكن لا علاقة للوركا بالشعر الشعبي. والقصائد الغجرية التي كتبها لا تنتمي إلى الشعر الشعبي.

* هل يمكن أن تذكر لنا ديوانا للوركا تأثرت به؟

– إذا قدر لي أن أنقذ ديوانا للوركا من الغرق، فإنني سوف أنقذ ديوانه «شاعر في نيويورك»، ولكن هذا الديوان ليس هو عمله الوحيد المهم. وقد أكد لوركا أن قصائده ليست سريالية، ما دام هناك أندريه بريتون.

* زرت بلدين عربيين هما سوريا والمغرب، ما انطباعاتك عنهما؟

– يمكننا الحديث عن الثقافات العظيمة في المنطقة العربية كالآرامية والسريانية والبيزنطية ودورها العظيم في أغناء الفكر العالمي بنتاجاتها المتنوعة. ويبقي التأثير الكبير للثقافة العربية في مناحي الحياة الإسبانية بأشكالها، وتركوا لنا شعرا عظيما باللغة العربية وهو الموشحات حول قصص الحب والفروسية وقد تأثر عدد من الشعراء الإسبان بشكل القصيدة العربية بشكل عام، وخصوصا رباعيات عمر الخيام الذي تأثر به غارسيا لوركا في طريقة كتابة الرباعيات الشعرية وبناء الجملة الشعرية.

* هل تعرفت إلى أدباء أو شعراء عرب؟ ‏

– تعرفت إلى الكثير، ولا سيما شعراء المغرب والجزائر المعاصرين، وقرأت لعمر الخيام ومحمود درويش ولكنني لا أعرف نزار قباني.

عن الشرق الأوسط

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف