مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

الـــــــرڴــــادة

الـــــــرڴــــادة

Sans titre

إدريس كثير

خاص بالموقع

استهلال : ” اشرينا نعجة شارفة

  ذبحناها وصْنَعْنا من جلْدها

 بندير…

  وشطّحنا العالم “.

محمد العيناوي.                 

الرڴادة قرية تطمح أن تتحول إلى مدينة، وإيقاع بات معروفاً، الإيقاع المسمى “الرڴادة” وهو رقص يعتمد على تحريك الكتفين بهزات خفيفة وضبط الإيقاع بالرجلين، والإيقاع حساب ” رقصي يسمى العلاوي واسبايسية والعرايشية.. بمصاحبة البندير والمزمار، ذي القرنين، و الكَلاَّلْ.

1- جغرافيا الرڴادة :

جراوَة(*) مدينة وقصبة مندثرتان بالمغرب الشرقي كانتا تقعان على الطريق الرئيسية بنين مدينتي وجدة والناظور وبالتحديد بين أحفير وأبركان حيث توجد قرية عين الرڴادة(*). ويعرف الناس بالقرب منها من جهة الشرق مكانا يدعى جراوة. وقد كانت بهذه الجهة إلى أوائل الستينات من هذا القرن بقايا سور قديم من الطوب قد يكون من بقايا قصبة، وحسب الجغرافيين القدماء كانت المدينة في بسيط من الأرض تبعد عن البحر بستة أميال، وقد بني حصن تابع لها يسمى المنصورة يقع إلى الجنوب قرب جبال بني إيزناسن. به آبار عذبة وخمس حمامات وجامع، يصفها الإدريسي بأنها كانت مدينة عامرة، وحولها بسائط عريضة للزرع والضرع (البكري)، ويحيط بها من القبائل مطغرة (مدغرة) شمالا وبني يفرن شرقا وبني ايزناتن (كذا) جنوبا وزواغة غربا، إضافة غلى قبائل ودانة، ويغمر الجبل وبني راسين وبني باداسن وبني وريمش واد كيس، وعلى الجانب الغربي للمصب توجد مدينة السعيدية الساحلية وبها قصبة مازالت إلى يومنا هذا.

مؤسس مدينة جراوة سنة 257 أو 259 للهجرة هو الأمير الإدريسي أبو العيش عيسى بن إدريس بن محمد بن سليمان (أخو إدريس الأكبر) بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب. واتخذها عاصمة لإمارته التي كانت تمتد شرقا إلى تلمسان وغربا إلى مليلية وجنوبا إلى صاء أو صاع وهي الآن تاوريرت، ومن أشرس أعداء ابن أبي العيش الأمير الزناتي موسى ابن أبي العافية، المتحالف مع أمويي الأندلس. وتحكي الروايات أن جراوة أحرقها هذا الأمير الزناتي، ولم تحدثنا المصادر بعد ذلك عن تجديد المدينة أو إعادة بنائها.

2- أسطورة الرڴادة:

” في سهل بني منقوش تقع قصبة “عين الرڴادة ” التي أعاد بناءها المولى إسماعيل العلوي.. ومن عجيب عين الرڴادة أن ماءها تارة يغور وتارة يفور وقد ينزل المطر وهي غاضبة (يقصد نائمة) وقد تشتد الحرارة فتتدفق عجيبا..” (*).

ولعين الرڴادة حسب المؤلف حكاية تحكي : ” كان في قديم الزمان أحد القواد يدعى الفارس دحمان وليا على المنطقة الشرقية من حدود سهل أنڴاد شرقا إلى حدود نهر ملوية وشمالا. وما بين قمم جبل بني يزناسن جنوبا إلى ساحل المتوسط ومصب النهر المذكور غربا.

 كان دحمان فارسا مغوارا صدّ هجمات حفدة الروم والبزنطيين وأغرقهم في النهر عن آخرهم. وحاز القائد دحمان رضا السلطان فبنى له قصرا في سفح جبل بني يزناسن وبعث إليه بجارية حسناء سمراء تدعى “خضرة” فتزوجها. لكن لم يرزقهما الله نسلا. ولما استفحل الفقد طلبت من زوجها أن يصلح لها بطحاء في سهل قرب وادي “الغضبان” تبني فيه منزلا تخلو فيه لذكر الله بقية عمرها. ازدادت السيدة “خضرة عزا وعزة ونما مالها وزكا، بفضل فتى وفتاة كانا يقومان بخدمتها. مع الأيام رزق هذين الأخيرين بذكر وأنثى. لما اشتد عود “رباح” بدأ يرعى الماشية، وفي ظهيرة يوم حار أخذت رباح سنة من نوم لم يفق منها إلا في العصر، لما افتقد الماشية وأحصاها لم يجد بينها الثور الفحل. فاضطرب وأسر إلى والديه بفقدان الثور. في الغد خرج الأب والابن للرعي وكأن شيئا لم يحصل، باشرا البحث قرب الوادي إلا أن عثرا على أرض رطبة بها بركة ماء صافية وفي أعلاها منبع منبجس رقراق فيه ماء زلال بارد ثلج.. وغير بعيد تحت عرعارة ظليلة كان الثور يجتر ما رعى. في المساء أخبرا مولاتهما نبأ الثور الضال والمنبع النمير. فلما علمت الخبر شكرت الله وحمدته وباتت قائمة تصلي طول الليل. سمع الناس بنبأ ” للاخضرة” وزهدها وبركتها، فقصدوها مهنئين شاكرين. وغدا منزلها رباطا تعقد فيه مجالس التلاوة والحديث والدرس. ووشى الواشون وصدّق السلطان فأُسرت “للاخضرة” واختفى القائد دحمان. وبعد أن عاث في الرباط قائد فظ غليظ فسادا واستصفى النّبع لنفسه وحرسه، جاء شتاء أبرق وأرعد وأطبق على السهل الخصيب.. فلما لاح الصباح كان الرباط قد اختفى بما فيه ومن فيه.. إلا عينا ثرة كانت تفور تارة وتغور تارة أخرى.. أسماها عامة الناس “عين الرڴادة” وسماها العارفون والهائمون بها “للاخضرة”.

3- تاريخ الرڴادة :

ليست “للاخضرة” الأسطورة بمفردها من يؤرخ للمنطقة وإنما كانت هناك أميرة بربرية تدعى الكاهنة “وهي امرأة بربرية من قبيلة زناتية بترية تسمى “جرواة”. تزوجت من رجل يوناني الأصل وأنجبت منه ولدين. وقبيلة “جراوة” في النصف الثاني للقرن الأول للهجرة من القبائل الرحل البتر الزناتيين امتدت مواطنها من الأوراس وكانوا يرعون ماشيتهم رحلا في غرب تونس. ولقد حاول ابن خلدون أن يمدنا بالإسم الشخصي للكاهنة فمرة يذكر أن اسمها “داهية” أو ديهيا بنت “ماتية” بن تيفان ملكة جبل الأوراس. وأكد أن قبيلتها هي “جراوة” التي نتج منها ملوك البربر التبر وزعماؤهم.

من الناحية الدينية يعتقد العديد من المؤرخين أنها كانت يهودية. “ويعود هذا الاعتقاد في الغالب إلى ما يسمى بـ “الكهانة اليهودية”، لأن الأميرة كانت خبيرة بطقوس السحر والشعوذة، علما بأن اليهودية وصلت إلى المغرب من الجهات الجنوبية والشرقية منذ القرن الثاني الميلادي.

بعد انتصار زهير بن قيس البلوي على كسيلة سنة  689 م ، برزت الكاهنة كمقاومة شرسة للنفوذ العربي الإسلامي، وحسب المالكي في “رياض النفوس” (ج 1، ص 52) : “كانت الكاهنة حين أسرت ثمانين رجلا من أصحاب حسان بن النعمان الغساني، أحسنت إسارهم إلا رجلا واحدا وهو خالد بن يزيد العبسي وكان أذكى من كان مع حسان فحبسته عنْدها، ثم عمدت إلى دقيق شعير فأمرت به ومزجته بالزيت – وتسمى هذه الوجبة لدى البربر البسيسة (الزميطة) – ثم دعت خالد بن يزيد وابنين لها فأمرتهم بالأكل. بعد ذلك قالت لهم : أنتم الآن قد صرتم إخوة”.

بهذا التعاقد ما لبث التوتر الانفعالي أن تراجع أمام التنظيم الديني الإسلامي. و “مما يتأكد أن المثاقفة التي بدأت مُواجهتها مع كسيلة قد أخذت تؤتي أُكلها بعد الكاهنة مباشرة لصالح التحولات في الذات الداخلية للمجتمع البربري..”(*)، ومع ذلك فإن هذا التطبيع لم يكن سهلا لأن خبراء ومستشاري الوالي حسان بن نعمان أكدوا له بأن ” بجبل الأوراس امرأة يقال لها الكاهنة وجميع من بإفريقيا من الروم منها خائفون، وجميع البربر لها مُطيعون، فإن قتلتها دان لك المغرب كله ولم يبق لك مضاد ولا معاند “. (ابن عذاري، البيان، ج 1، ص 35). لم يختر حسان هذا النوع من الاغتيال إنما، وبالنظر إلى التعاقد المشار إليه سالفا، ” كان (حسان) يُقسم الفيء بينهم والأرض وحسُنت طاعتهم “. فكانت بذلك سياسة التسوية بين العرب والبربر وإشراكهم في تحمل المسؤولية والقيادة والعمل على نشر الإسلام حلا عمليا للخلافات…

4- بندير الرڴادة :

في ذات النبع الوسنان “كانت عذاراي الخفرات الغريرات يلهبن المشاعر، ويلهمن القرائح، فتصدح بالأشعار والأغاني التي غدت مع توالي الأيام ذات إيقاع خاص سماه أصحاب المنطقة “الرڴادي” أو “الرڴادة” حتى عرف بهذا الاسم في أطراف البلاد، شرقها وغربها “.

الركادة رقصة حربية تنتمي إلى الريف (بني يزناسن) والمنطقة الشرقية برمتها. وهي عدة أشكال من الرقص : يطلق على نوع ومنه الإسم الأمازيغي إمديازن (الذي يحكي الشعر وينشده) ويطلق على ممارسيه العرفة وهم عائلة عريقة من الشيوخ في الريف قاطبة.

رقص العرفة رمز للمحاربين وتجسيدا للنصر وفي أيديهم البندقية (وقد تعوض بالعصى) ويضربون الأرض بأرجلهم كعلامة على الانتماء للأرض ويحركون أكتافهم وفق عمليات حسابية وحركية كضبوطة بمساعدة المزمار المزين بقرون الثور.

النوع الآخر يسمى الكصبة يشير إليه بول بولز في كتابه” أياديهم الزرقاء” ويعتمد هذا النوع على الكلال والحجون والغايطة والطامجا.

الركادة ضرب من أضرب الموسيقى العريقة. وأقدمها “كاع كاع أزبيدة” وهي أغنية حسب البعض تتغنى بملكة أسطورية هي الكاهنة السالفة الذكر

من هذه الأشعار نذكر:

ألبنات اللي سْـﮔـاو م الرڴادة

سـﮔـاو قلبي ما سـﮔـاو ألما.

أو قوله :           يا للي تتسوقو بركان

فوتو الرڴادة تشوفو لحمام

أو قوله :           آرڴادة يا خليفة باري

عيونك اللي شاغلة بالي.

 هكذا انتظم زجلُ عميم وغناء شجي حول “الرﮔـادة”. “وكان العمال – ذكورا وإناثا – محشورين في الشاحنة أو المقطورة يهزجون بالأناشيد والأغاني المرحة العفة والشجية خاصة أغاني “الرڴادة ” … (*). (نفسه ص 31).

ولا وجود في بني زناسن لمن يسمين “بالشيخات” – كما هو الشأن في بعض القبائل – فولائمهم وإن كان يجتمع فيها النساء والرجال في صفين متقابلين وفي أيدي الرجال مكاحل البارود – فإنه بمجرد انقضاء أيام العرس ترجع كل فتاة أو سيدة إلى منزلها. لأن في بني زناسن لا يمتهن غناء ولا رقصا.

5-لالة خضرة النائمة (الرڴادة) :

تتفق الأسطورة والتاريخ على كون منطقة جراوة ونبع الرڴادة تسكنها روح امرأة ورعة أو كاهنة، مدنية مسالمة أو عسكرية مقاتلة. هذه المرأة ارتبطت باللون الأخضر إشارة إلى الخضر والاخضرار والماء الوافر والزرع والضرع أو باللون الأسود إشارة إلى الكاهنة والسحر الأسود. فالخصوبة والعزة صفتان متقابلتان للمرأتين واستمرارهما يستمر حاضرا في الذاكرة وفي الحكاية والسرد وفي التاريخ والأحداث.. العديد من الإشارات تدل على الحضور الدائم للالة خضرة حضور في شموخ اللقلاق وعلوه وفي أطياف الطيور العديدة التي تهاجر إلى المكان بحثا عن سور القصبة التاريخية التي يبدو أن المعمر الفرنسوي قد أطمرها وراء ضيعته..

 وبحثا عن النبع وفجائيته – كما تبدو في عقل المجاذيب الذين تؤهلهم جذبتهم أو بلاهتهم ليتكلموا لسان للالة خضرة أو في أقوال وتحسر العجائز وابتلاهن المبكر بالشؤم أو غيره..” فبعض بسطاء الناس يعتقدون في حرمة التعرض لهذه الطيور ومسها بأي أذى، ويقولون إنها “مرابطة” أي شريفة كاللقلاق والخطاطيف.. وينكرون أن تكون مؤذية وإقامتها بالمنطقة إقامة عابرة…”(*).

– ” آباؤنا يقولون إنهم رأوا بعيونهم حائطا عاليا هدمه “بورو” المعمر لما حل بالرڴادة ولعل السور المحيط بالضيعة الآن بعضٌ منه…”(*).

” صاح مجذوب الرڴادة :

–  ويعذبكم به !

– الرڴادة فاقت الرڴادة فاقت. (أي أفاقت)”(*).

لالة خضرة هي الوجه الآخر النّضر للكاهنة ديهيا بنت ماتية بن تيفان.

 من ديوان أحمد اليعقوبي : الكَصبة والطير

لالة خضرة

ألالـة خضــرة  هّـلتينــي     v    عليـك  بنظمـي ذا  نثنــي

ها الشمع أﮔـدى ألعـب البارود   v    ربي علينـا بالنفــع يجـود

أللالة  خضرة  نوضـي اليـوم     v    لعبو الرڴادة أصحـاب الـﮔوم

لالة  خضـرة نـاضت  اليـوم     v    كـانت راڴدة أصـاب الـــڴوم

نوض تسـﮔي آخويا وزد ازرع     v    ربـي علـيك يجـود بالنفـع

يالله يـــا أولاد الغيـــوان     v    هـا الرڴــادة هــا  بركـان

سولو لهـداوي  واش يـﮔـول     v    وكيـف يجينـي هذا  الـﮔول

ﮔولـي يا اللـي  بعينه هيمـان   v    ليـه يجينـي ذا الغيـــوان


*– معلمة المغرب، ج. 9، 1984.

*– والرڴادة  قرية تقع في الأطلس المتوسط بجوار مصطاف إيموزار ذات ماء وغابة (ص 43) وهي أيضا قرية بأحواز مراكش قرب وادي أوريكة (ص 112-113)، عبد الملك المومني،الجناح الهيمان بنبع ركادة الوسنانمنشورات عكاظ 1996.

*– عبد المالك المومني : الجناح الهيمان بنبع رڴادة الوسنان. منشورات عكاظ 1996.

*– محمد العنياوي، جراوة، عرض بمناسبة الأيام الثقافية الرڴادة يوليوز 2006.

*

*– عبد المالك المومني، ص 182.

*– نفسه، ص 180.

*– ص 174.

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف