مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

بيت من لحم

بيت من لحم

 edrisse

القاص المصري والعالمي الراحل يوسف إدريس

نقدم لقرائنا الأفاضل هذه القصة القصيرة “بيت من لحم” للقاص العالمي الراحل يوسف إدريس بمناسبة تذكرى ولادته

الخاتم بجوار المصباح .

الصمت يحل فتعمى الآذان .

في الصمت يتسلل الاصبع .

يضع الخاتم . في صمت أيضا يطفأ المصباح .

والظلام يعم . في الظلام , أيضا تعمى العيون .

الأرملة وبناتها الثلاث .

والبيت حجرة .

والبداية صمت .

الأرملة طويلة , بيضاء , ممشوقة في الخامسة والثلاثين .

وبناتها أيضا طويلات , فائرات . لا يخلعن الثوب الكاسي الأسود بحداد أو بغير حداد, صغراهن في السادسة عشر , وكبراهن في العشرين , قبيحات , ورثن جسد الأب الأسمر المليء بالكتل غير المتناسقة والفجوات , وبالكاد أخذن من الأم العود .

الحجرة رغم ضيقها , تسعهن في النهار – رغم فقرها الشديد – مرتبة أنيقة , يشيع فيها جو البيت , وتحفل بلمسات الإناث الأربع .

في الليل تتناثر أجسادهن كأكوام كبيرة من لحم دافئ حي , بعضها فوق الفراش , وبعضها حوله , تتصاعد منها الأنفاس , حارة , مؤرقة , أحيانا عميقة الشهيق .

الصمت خيم مذ مات الرجل , والرجل مات من عامين بعد مرض طويل . انتهى الحزن وبقيت عادات الحزانى , وأبرزها الصمت .. صمت طويل لا يفرغ , إذ كان , في الحقيقة صمت انتظار , فالبنات كبرن , والترقب طال , والعرسان لا يجيئون , ومن المجنون الذي يدق باب الفقيرات القبيحات , وبالذات إذا كن يتامى ؟ .. ولكن الأمل , بالطبع موجود , فلكل فولة كيال , ولكل بنت عدلها , فإذا كان الفقر هناك , فهناك دائما من هو أفقر , وإذا كان القبح هناك , فهناك دائما الأقبح , والأماني تنال , أحيانا تنال , بطول البال

صمت لم يكن يقطعه إلا صوت التلاوة .. يتصاعد في روتين لا جدة فيه ولا انفعال .. والتلاوة لمقرئ , والمقرئ كفيف , والقراءة على روح المرحوم , وميعادها لا يتغير , عصر الجمعة  يجئ , بعصاه ينقر الباب , ولليد الممدودة يستسلم , وعلى الحصير يتربع , وحين ينتهي , يتحسس الصندل , ويلقي بتحية لا يحفل أحد بردها , ويمضي.

بالتعود يجئ , بالتعود يقرأ , بالعادة يمضي , حتى لم يعد يشعر به أحد .

دائم هو الصمت , وحتى وتلاوة عصر الجمعة تقطعه , أصبحت وكأنها قطع الصمت بصمت . دائم هو كالانتظار , كالأمل , أمل قليل ولكنه دائم , فهو أمل في الأقل , دائما لكل قليل أقل , وهن لا يتطلعن لأي أكثر , أبدا لا يتطلعن .

وتدرك الأرملة وبناتها الآن فقط , كنه ما تقدم , ليس فقط الصوت الوحيد الذي كان يقطع الصمت ولكن , أيضا , الرجل الوحيد كان , ولو في الأسبوع مرة , يدق الباب , بل أشياء أخرى يدركن , فقير مثلهن صحيح , ولكن ملابسه أبدا نظيفة , وصندله دائما مطلي , وعمامته ملفوفة بدقة يعجز عنها المبصرون , وصوته قوي عميق رنان .

والاقتراح يبدأ : لماذا لا يجدد الاتفاق , ومنذ الآن , ولماذا لا يرسل في طلبه هذه اللحظة ؟ .. مشغول , فليكن , الانتظار ليس بالجديد . وقرب المغرب يأتي , ويقرأ , وكأنه أول مرة يقرأ , والاقتراح ينشأ , لماذا لا تتزوج إحدانا رجلا يملأ علينا بصوته الدار ؟ .. هو أعزب , لم يدخل دنيا , وله شارب أخضر , ولكنه شاب , وبالكلام يجر الكلام , ها هو الآخر يبحث عن بنت الحلال .

البنات يقترحن , والأم تنظر في وجوههن , لتحدد من تكون صاحبة النصيب والاقتراح , ولكن الوجوه تزور , مقترحة , فقط مقترحة , قائلة بغير كلام : أنصوم ونفطر على أعمى ؟ .. هن ما زلن يحلمن بالعرسان , والعرسان عادة مبصرون . مسكينات , لم يعرفن بعد عالم الرجال , ومحال أن يفهمن أن الرجل ليس بعينيه .

-تزوجيه أنت يا أماه .. تزوجيه .

-أنا ؟ .. يا عيب الشوم ! .. والناس ؟!

-يقولون ما يقولون .. قولهم أهون من بيت خال من رنين صوت الرجال .

-أتزوج قبلكن ؟ .. مستحيل .

-أليس من الأفضل أن تتزوجي قبلنا , ليعرف بيتنا قدم الرجال فنتزوج بعدك . تزوجيه . تزوجيه يا أماه .

وتزوجته .. زاد عدد الأنفس واحدة , وزاد الرزق قليلا , ونشأت مشكلة أكبر .

الليلة الأولى انقضت وهما في فراشهما , هذا صحيح , ولكنهما حتى لم يجسرا على الاقتراب , ولو صدفة , فالبنات الثلاث نائمات , ولكن من كل منهن ينصب زوج من الكشافات المصوبة بدقة إلى المسافة الكائنة بينهما , كشافات عيون , وكشافات آذان , وكشافات إحساس . البنات كبيرات ,  عارفات , ومدركات , والحجرة كأنما تحولت بوجودهن الصاحي إلى ضوء نهار . ولكن بالنهار لم يعد ثمة حجة , وواحدة وراء الأخرى تسللن , ولم يعدن إلا قرب الغروب و مترددات , خجلات , يقدمن رجلا , ويؤخرن رجلا , حتى يزددن قربا , وحينذاك يدهشهن , يربكهن , يجعلهن يسرعن , ضحكات, قهقهات رجل , تتخللها سخسات امرأة .. أمهن لابد تضحك , والرجل الذي ما سمعنه إلا مؤديا خاشعا ها هو يضحك . بالأحضان قابلتهن ولا تزال تضحك , رأسها عار وشعرها مبلل ممشط ولا تزال تضحك , وجهها , ذلك الذي أدركن للتو أنه كان مجرد فانوس مطفأ عشش فيه العنكبوت والتجعيدات , فجأة , أنار , ها هو أمامهن , كلمبة الكهرباء , مضيء . ها هي عيونها تلمع وقد ظهرت وتلألأت بالدمع الضاحك .. تلك التي كانت مستكنة في قاع المحجر .

الصمت تلاشى واختفى تماما , على العشاء وقبل العشاء وبعد العشاء , نكت تثرى وأحاديث , وغناء ,صوته حلو وهو يغني ويقلد أم كلثوم وعبد الوهاب , صوته عال , أجش بالسعادة , يلعلع .

خير فعلت يا أماه . وغدا تجذب الضحكات الرجال , فالرجال طعم الرجال .

نعم يا بنات . غدا يجيء الرجال ويهل العرسان . ولكن الحق أن ما أصبح يشغلها , ليس الرجال أو العرسان , ولكنه ذلك الشاب , كفيف فليكن , فما أكثر ما نعمى عن رؤية لمجرد لأنهم عميان, هذا الشاب المتدفق قوة وصحة وحياة , ذلك الذي عوضها عن سنين المرض والعجز والكبر بغير آوان .

الصمت تلاشى , وكأن إلى غير رجعة , ضجيج الحياة دب , الزوج زوجها وحلالها , وعلى سنة الله ورسوله , فماذا يعيب , وكل ما تفعله جائز . حتى وهي لم تعد بالمواربة أو بكتمان الأسرار , حتى والليل يجيء , وهم جميعا معا , فليطلق العقال للأرواح والأجساد , حتى والبنات مبعثرات , متباعدات , يفهمن ويدركن وتتهدج منهن الأنفاس والأصوات , مسمرات في مراقدهن , يحبسن الحركة والسعال , تظهر الآهات فتكتمها الآهات .

كان نهارها غسيل في بيوت الأغنياء , ونهاره قراءة في بيوت الفقراء , ولم يكن من عادته أول الأمر أن يؤوب إلى الحجرة ظهرا , ولكن , لما الليل عليه طال , والسهر أصبح يمتد , بدا يؤوب ساعة الظهر , يريح جسده ساعة من عناء ليل ولى , واستعدادا لليل قادم . وذات مرة , بعدما شبعا من الليل , وشبع الليل منهما , سألها فجأة عما كان بها سلعة الظهر , ولماذا هي منطلقة تتكلم الآن ومعتصمة بالصمت التام ساعتها , ولماذا تضع الخاتم العزيز عليه الآن , إذ هو كل ما كلفه الزواج من دبلة ومهر وشبكة وهدايا , ولماذا لم تكن تضعه ساعتها ؟

كان ممكنا أن تنتفض هالعة واقفة صارخة , كان ممكنا أن تجن , كان ممكنا أن يقتله احد , فليس لما يقوله إلا معنى واحد , ما أغربه وأبشعه من معنى .

ولكن غصة خانقة حبست كل هذا , وحبست معه أنفاسها . سكتت . بآذانها التي حولتها إلى أنوف وحواس وعيون , راحت تتسمع , وهمها الأول أن تعرف الفاعلة . إنها متأكدة لأمر ما أنها الوسطي , أن في عينيها جرأة لا يقتلها الرصاص إذ أطلق , ولكنها تتسمع . الأنفاس الثلاثة تتعالى , عميقة , حارة كأنها محمومة , ساخنة , بالصبا تجأر , تتردد , تتقطع , أحلام حرام تقطعها . أنفاس باضطرابها تتحول إلى فحيح , فحيح كالصهد الذي تنفثه أراض عطشى . والغصة تزداد عمقا واحتباسا . إنها أنفاس جائعات ما تسمع . بكل شحذها لحواسها لا تستطيع أن تفرق بين كومة لحم حي ساخنة متكومة , وكومة أخرى . كلها جائعة . كلها تصرخ وتئن , وأنينها يتنفس , ليس أنفاسا , ربما استغاثات , ربما رجوات , ربما ما هو أكثر .

غرقت في حلالها الثاني , و نسيت خلالها الأول , بناتها , و الصبر أصبح علقما , وحتى سراب العرسان لم يعد يظهر . فجأة ملسوعة ها هي كمن استيقظ مرعوبا علي نداء خفي : البنات جائعات . الطعام حرام صحيح لكن الجوع أحرم . أبدا ليس مثل الجوع حرام . إنها تعرفه . عرفها ويبس روحها ومص عظامها , وتعرفه , وشبعت ما شبعت , مستحيل أن تنسى مذاقه .

جائعات , وهي التي كانت تخرج اللقمة من فمها لتطعمهن , هي التي كان همها حتى لو جاعت أن تطعمهن , هي الأم . أنسيت ؟! وألح مهما ألح , تحولت الغصة إلى صمت . الأم صمتت . ومن لحظتها لم يغادرها الصمت .

وعلى الإفطار كانت , كما قدرت تماما, الوسطي صامتة .

وعلى الدوام ظلت صامتة .

والعشاء يجيء , والشاب سعيدا وكفيفا ومستمتعا , ينكت لا يزال , ويغني ويضحك , ولا يشاركه الضحك إلا الصغرى والكبرى فقط

ويطول الصبر , ويتحول علقمه إلى مرض , ولا أحد يطل .

وتتأمل الكبرى ذات يوم حاتم أمها في إصبعها , وتبدي الإعجاب به , ويدق قلب الأم , وتزداد دقاته وهي تطلب منها أن تضعه ليوم , لمجرد يوم واحد لا غير . وفي صمت تسحبه من إصبعها . وفي صمت تضعه الكبرى في إصبعها المقابل .

وعلى العشاء التالي تصمت الكبرى وتأبى النطق .

والكفيف الشاب , يصخب , ويغني , ويضحك , والصغرى فقط تشاركه .

ولكن الصغرى تصبح , بالصبر والهم وقلة البخت , أكبر , وتبدأ تسأل عن دورها في لعبة الخاتم , وفي صمت تنال الدور .

والخاتم بجوار المصباح , الصمت يحل فتعمى الآذان . وفي الصمت يتسلل الإصبع صاحب الدور . ويضع الخاتم . في صمت أيضا . ويطفئ المصباح . والظلام يعم . وفي الظلام تعمى العيون .

ولا يبقى صاخبا , منكتا , مغنيا , إلا الكفيف الشاب .

فوراء صخبه وضجته , تكمن رغبة , تجعله يثور على الصمت , وينهال عليه تكسيرا . إنه هو الآخر يريد أن يعرف , عن يقين يعرف . كان أول الأمر يقول لنفسه : إنها طبيعة المرأة التي تأبى البقاء على حال واحد . فهي طازجة صابحة كقطر الندى مرة , ومنهكة مستهلكة كماء البرك مرة أخرى . الخاتم دائم ووموجود صحيح , ولكن , وكأنما الإصبع الذي يطبق كل مرة إصبع , إنه يكاد يعرف , وهن بالتأكيد كلهن يعرفن , فلماذا لا يتكلم الصمت , لماذا لا ينطق ؟

ولكن السؤال يباغته ذات عشاء , ماذا لو طق الصمت ؟ .. ماذا لو تكلم ؟

مجرد التساؤل أوقف اللقمة في حلقه .

ومن لحظتها لاذ بالصمت وأبى أن يغادره .

يل هو الذي أصبح خائفا أن يحدث المكروه مرة , ويخدش الصمت , ربما كلمة واحدة تفلت فينهار لها بناء الصمت كله , والويل له لو انهار بناء الصمت .

الصمت الغريب الذي أصبح يلوذ به الكل .

الصمت الإرادي هذه المرة , لا الفقر لا القبح لا الصبر ولا اليأس سببه .

إنما هو أعمق أنواع الصمت , فهو الصمت المتفق عليه , أقوى أنواع الاتفاق , ذلك الذي يتم بلا اتفاق .

الأرملة وبناتها الثلاث .

والبيت حجرة .

والصمت الجديد .

والمقرئ الكفيف الذي جاء معه بذلك الصمت , وبالصمت راح يؤكد لنفسه أن شريكته في الفراش على الدوام هي زوجه وحلاله وزلاله وحاملة خاتمه . تتصابى مرة أو تشيخ , تنعم أو تحشن , ترفع أو تسمن , هذا شأنها وحدها , بل هذا شأن المبصرين  ومسئوليتهم وحدهم , هم الذين يملكون نعمة اليقين . إذ هم القادرون على التمييز , وأقصى ما يستطيعه هو أن يشك , شك لا يمكن أن يصبح يقينا إلا بنعمة البصر , وما دام محروما منه فسيظل محروما من اليقين , إذ هو الأعمى , وليس على الأعمى حرج .

أم على الأعمى حرج ؟

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: