مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

التـاريخ والذاكرة

التـاريخ والذاكرة

hbida 

محمد حبيدة 

قسم التاريخ بجامعة ابن طفيل (القنيطرة/المغرب)  

خاص بالموقع

يُحيل مفهوم الذاكرة إلى آليات تمثل الماضي واستحضاره، ومسارات تشكل هذا التمثل من الناحية الاجتماعية والثقافية. ويقع تحليل أشكال التمثل هذه عند ملتقى علوم إنسانية واجتماعية كثيرة، من تاريخ وفلسفة وأنثروبولوجيا وسوسيولوجيا وسيكولوجيا.

          بدأ التفكير في الذاكرة كموضوع تاريخي في نهاية السبعينيات، وتحديدا منذ 1978، السنة التي أصدر فيها المؤرخ الفرنسي بيير نورا مبحثا نظريا بعنوان “الذاكرة الجماعية”، ضمن الكتاب الجماعي “التاريخ الجديد”، تحت إشراف جاك لوغوف. وتعددت بعد ذلك البحوث والدراسات، مستندةً إلى المفاهيم الرئيسية المتصلة بحقل سيكولوجيا الذاكرة على النحو الذي أسس له عالم الاجتماع موريس هالفاكس في العشرينيات من القرن الماضي. ومن أهم هذه البحوث “التاريخ والذاكرة” لجاك لوغوف، و”أماكن الذاكرة” التي شارك فيها عدة باحثين تحت إشراف بيير نورا، و”الذاكرة والتاريخ والنسيان” للفيلسوف بول ريكور.

          ينبني موضوع الذاكرة على مجموعة من القضايا الأساسية:

1 – تبني إشكالية مفتوحة على إجرائية استعادية.

2 – تبَني رؤية أنثروبولوجية تركز الاهتمام على المستويات الثقافية والشفهية واللسانية.

3 – استثمار مرحلة محددة من التاريخ، هي الحقبة الحديثة، لكن بالمعنى العريض للكلمة، الذي يشمل حتى الزمن الراهن.

         تكمن أهمية دراسة الذاكرة في كونها تقدم فوائد للإسطوغرافيا، في مقدمتها كشف ما هو ضمني، وذلك بتسليط الضوء علــى أماكن الذاكرة ووظائفها ودلالاتها، المادية منها وغير المادية: أماكن أثرية كالمعمار، أماكن وظيفية كالسير الذاتية والروايات الشفهية والألقاب، أماكن رمزية كتخليد الذكريات. كل هذه الأماكن لها تاريخ، إذ أن كل أمة، وكل جماعة أو قبيلة، تخزن ذكرياتها في هذه الأماكن، وتجعل منها جزءً لا يتجزأ من شخصيتها. ودراسة من هذا النوع من شأنها أن تؤدي إلى تحول أساسي من ذاكرة الأماكن إلى أماكن الذاكرة، مثل الأحـــزاب، خاصة تلك المرتبطة بحركات التحرر من الاستعمار في البلدان السائرة اليوم في طريق النمو. في المغرب مثلا، تعمل بعض الجهات السياسية على توظيف محطات تاريخية كثيرة، المعاصرة منها، مثل ذكرى 11 يناير 1944، التي تخلد تقديم عريضة الاستقلال، وغير المعاصرة، مثل ذكرى 4 غشت 1578، التي تخلد انتصار المغرب على البرتغال، قصد إذكاء الروح الوطنية، وخلق نوع من الالتحام حول قضايا الزمن الراهن. لكن، تخليد الذكريات الوطنية يبقى معرضا لمنزلقات كثيرة، منها بالخصوص تغييب التاريخ والتركيز على كلام الشاهدين، على النحو الذي يخدم قضية معينة، أو يسير بالأمور نحو وجهة محددة، ومن ثم تزكية مظاهر بعينها، محافظة أو حداثية.

          يميز الباحثون بين صنفين أساسيين من الذاكرة، ذاكرة جماعية وذاكرة تاريخية، وبعبارة أخرى، الذاكرة والتاريخ. وهما مفهومان يتعارضان في تصور الواقع، لكنهما يتكاملان في تفسيره. فالذاكرة تمثل ما تبقى من الماضي في أذهان الناس أو ما يتصورونه بخصوص هذا الماضي. هي إذن موروث ذهني، ومجموعة ذكريات تغذي التمثلات. ثم إنها لا تعيد إنتاج ما حصل في الماضي، بل تعرض لانطباع الناس حول هذا الماضي. ولذلك تبقى مجرد صورة، غالبا ما تغلب عليها القدسية، كصورة بعض الشخصيات الدينية والسياسية، من صلحاء وزعماء أحزاب أو زعماء تمرد أو قواد حرب. ومن ثم عادة ما تختلط هذه الصورة بالخيال. كما تتميز الذاكرة بمجموعة من الخصائص، في طليعتها تعدد المرجعية على مستوى الأفراد والجماعات والمؤسسات، إذ هناك من الذاكرات بقدر ما هناك من الجماعات. وتتميز الذاكرة أيضا بالشفهية، بالانتقائية، بالاحتفالية. ولذلك، يمتزج تخليد الماضي بالاحتفال بالحاضر، وتزكية مظاهره في معظم الأحيان، كما يظهر في تخليد أعياد الاستقلال أو الثورة. وتتميز أيضا بتداخل الذكرى والذات، تنتج عنه تشوهات متتالية عبر الحكي، مع مرور الزمن. ومع ذلك، تبقى الذاكرة ذات أهمية، بالنظر لذاتية النظرة، ونفسانية الحالة، وحميمية الصلة بين الذكرى ولحظات إنتاجها وإعادة إنتاجها واستحضارها.

          أما التاريخ فيقوم على المعالجة المنهجية، على الموضوعية، على النسبية. إنه “ترتيب للماضي”، كما قال لوسيان فيفر، وأعاد قوله جاك لوغوف. إنه أيضا “بناء إشكالي” لهذا الماضي، انطلاقا من “عملية فكرية تشتغل بالتحليل والنقد”. هذا الترتيب، أو هذا البناء الإشكالي، لا يتأتى إلا بواسطة جهد متعدد المحطات أو اللحظات، لحظة إقامة البرهان الوثائقي، ولحظة التفسير والفهم، ولحظة الكتابة. وهذه اللحظة الأخيرة هي التي تُبرز بقوة الاستعصاءات الكبرى للذاكرة، “استعصاء تمثيل شيء غائب وقع سابقا، واستعصاء ممارسة مكرسة للاستذكار النشط للماضي والتي يرفعها التاريخ إلى مستوى إعادة بناء”، حسب بول ريكور.

          ومع ذلك، تبقى الذاكرة أكثر وقعا من التاريخ، بالقياس إلى درجات تأثيرها في أوساط عامة الناس، مع ما تختزنه ذاكرة هؤلاء من أحكام مسبقة موروثة جيلا عن جيل. فالتاريخ يُنتج كثيرا لكنه لا يُقنع إلا قليلا، ليس فقط من حيث التلقي لدى العوام، بل حتى لدى المثقفين. لقد لاحظ بيير نورا، مثلا، كيف أن خزانات بأكملها حول بطلان العنصرية لم تتمكن من التغلب على الأحكام العنصرية المسبقة. وإذا قِسنا هذه الملاحظة على موضوعات أخرى، في مجتمع مثل مجتمعنا، تخص الانتماء السياسي، أو الديني، أو الجنسي، فإن الأمر لن يختلف كثيرا.

 

        ومن جهة أخرى، تقترن الذاكرة بالنسيان. لماذا تخلد الأوساط السياسية والإعلامية في المغرب، مثل الدولة والأحزاب وهيئات المقاومة والإعلام العمومي والصحافة الحزبية، ذكرى معركة وادي المخازن (1578)، وذكرى معركة أنوال (1921)، وذكرى تقديم وثيقة الاستقلال (1944)، ولماذا لا تخلد هذه الأوساط، في المقابل، ذكرى هزيمة إسلي (1844)، أو هزيمة تطوان (1859)، أو معاهدة الحماية (1912)؟ هنا تبدو الذاكرة “كتنظيم للنسيان”، كما لاحظ ذلك بول ريكور في معرض حديثه عن نظام فيشي في فرنسا إبان الحرب العالمية الثانية. وإذا سلطنا الضوء على مرحلة الحماية من زاوية تفادي استحضارها من طرف الأوساط السياسية والإعلامية، فإننا قد نولي اهتماما خاصا لمسألة النسيان هذه. لقد بيَّن سيغموند فرويد في مدخله إلى التحليل النفساني أن نسيان الأمور ذات الأهمية البالغة يشكل وسيلة دفاعية لمواجهة الأحداث القاسية والمهينة. هُنا يُمْكن للمؤرخ أن يقتبس أدوات التحليل النفساني، وينتقل من نفسانية الأفراد التي يعالجها النفسانيون، إلى نفسانية الجماعات التي من شأنها أن تقيم جسورا بين الماضي والحاضر، فيركز في المقام الأول على هذا النسيان، لاسترجاع ما هو منسي، لأن الاهتمام بما لا يخلده المجتمع يُمَكّن من فهم الكثير من الأمور في الحياة الاجتماعية والسياسية.

          في واقع الأمر، تَتَعدد مستويات قراءة مسألة النسيان هذه، بتعدد زوايا التناول، لأن “النسيان لا يحيل بالضرورة إلى خلل في الذاكرة، أو إلى فشل في إعادة البناء، فهو قد يشكل نجاحا لرقابة ضرورية للاستقرار وتجانس التمثل الذاتي للفرد أو الجماعة”، وفق كلام جويل كاندو. لقد طرح إرنست رينان في محاضرة ألقاها بالسوربون سنة 1882 تحت عنوان “ماهي الأمة”، وهو يتحدث في سياق هزيمة فرنسا أمام ألمانيا سنة 1870 وإلحاق هذه الأخيرة لإقليمي الألزاس واللورين، فكرةً في غاية الأهمية، تفيد أن النسيان قد يشكل عاملا أساسيا في نشأة الأمة. يقول: “ينشأ جوهر أمة ما عندما يتقاسم أفرادها أشياء كثيرة، وأيضا عندما يتمكنون من نسيان أشياء كثيرة أخرى”. فهل يندرج نسيان، أو بالأحرى اجتهاد الذاكرة الجماعية في نسيان حدث 30 مارس 1912 ضمن صيرورة تشكل الأمة؟ هل نعتبر مسح الطاولة، كما يقال، شرطا من شروط التجديد وإعادة التأسيس”؟ يبقى الحفر مفتوحا في هذه القضية.

بيبليوغرافيا

بول ريكور، الذاكرة، التاريخ، النسيان (2000)، ترجمة جورج زيناتي، بيروت، دار الكتاب الجديد، 2009.

–     Amphoux (P.) et Ducret (A.), « La mémoire des lieux », Cahiers internationaux de sociologie (79), 1985, pp. 197-202.

–     Auge (M.), Les formes de l’oubli, Paris, 1997.

–     Baddeley (A.), La mémoire humaine, théorie et pratique, Grenoble, 1993.

–     Candau (J.), Mémoire et identité, Paris, 1998, p. 123.

–     Connerton (P.), How Societies Remember, Cambridge, 1989.

–     Freud (S.), Introduction à la psychanalyse (leçons professées en 1916), trad. S. Jankélévitch, Paris, 1921.

–     Halbwachs (M.), Les cadres sociaux de la mémoire, Paris, 1925.

–     Halbwachs (M.), La mémoire collective, Paris, 1950.

–     Le Goff (J.), Histoire et mémoire, Paris, 1988.

–     Nora (P.), sous la dir., Les lieux de Mémoire, 7 vol., Paris, 1984-1992.

–     Renan (E.), Qu’est ce qu’une nation? (Conférence, Sorbonne, 11 mars 1882), Paris, 1992.

 

 

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف