مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

قـراءة نـقـدية لرواية مـراد عـلمي:”الرّحـيل، دمعة مسافرة”

قـراءة نـقـدية لرواية مـراد عـلمي:”الرّحـيل، دمعة مسافرة”

 Arrahhil-20-04-2013

حميد لغشاوي : أستاذ باحث في السرديات

خاص بالموقع

هذه القراءة في صدى صوت الخارج من كتابة الرواية .. رواية أنجزها كاتب كاسر  تعـوي “اللغة المغربية، الدارجة” في براري نصوصه، يمارس فِعْـل العبور الحُرّ عبر الحدود المُقــفــَلة بين العربية الفصحى والدارجة المغربية برشاقةٍ عزيزةِ النظائر في التأليف المغربي المعاصر.

      هل نقول إنه دئب الكتابة؟  مراد علمي  الخارج أبدا عن المألوف … الهارب باستمرار من سلط التنميط المؤسسي … ويعلنها حربا ضد التواطؤ والبلادة. كاتب يعلن العـصيان عن نفسه، ويكتب لها مواعيد استثـنائية مع قراء استثنائيين، إنه صوت  مختلف من لا صوت له أو هو صوت من لا صوت له  في الثقافة المغربية.  من يثقن لعبة كشف المستور وفن الإنفلات كمراد علمي؟ من منا يركض نحو خلاء الكتابة بكل الشراسة … ؟ وينظر الى وجهه في مرآة الحقيقة بلغتها؟

     بحب وشرف نقدم لكم هذه القراءة في نص إبداعي روائي “الرحيل، دمعة مسافرة”، منشورات دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الطبعة الأولى 2012، لكاتب فذ يملك جرأة السير في الإتجاه المعاكس لما هو مألوف في حقل الكتابة الروائية، وقدرة الإنصات إلى المتخيل العميق ونبض الوجود والكينونة الغارقة في متاهات النسيان.

      فالأصل أن تكتب رواية باللغة العربية ممزوجة بلغة محكية تستمد تراكيبها من الكلام الشفهي “والفنان الناثر يشيد ذلك التعدد اللساني الإجتماعي حول الموضوع بما فيه الصورة المكتملة، المشبعة بامتلاء الأصداء الحوارية المحسوبة فنيا بالنسبة لجميع الأصوات والنبرات الجوهرية الموجودة في ذلك التعدد”(ميخائيل باختين، الخطاب الروائي، ص 90)، عند مراد علمي يكتب لنا روايته بلغة يسميها اللغة المغربية، الدارجة، “لغة امـّي أو لغة لـَـحـليب اللـوّل اللي خـدّرات ليــّـا به الـدّات”(الرحيل، ص 21)، وليست بالمهمّة الصعبة على كاتبٍ محترف؛ يُمْسِك بناصيتها، وتعهد الكتابة بها، لا من نكات، حكايات، قصة قصيرة، شعر، دراسة، مقالات، مسرحية إلخ.  

    إن ما ينبعـت على السرور (أوالضيق) هو أن اللغة التي كتب بها هذا العمل الأدبي ـ وهي “اللغة المغربية، الدارجة”ـ  مليئة بالريبة :إلى أي جهة جغرافية تنتمي إليها؟ وإلى أي قاموس ستخضع له هذه اللغة الواسعة، المتجددة والحية التي تقبل الذخيل وتطوعه وفق أبنية الكلام، من الفرنسية أو الأنجليزية وحتى الألمانية والإسبانية إلى لغتها، تستوعب كذلك ألفاظا مشتركة بين الفصحة والعامية، واستفادت من الدول والشعوب التي تعاقبت عليها، مما جعلها أرض خصبة للتمازج الثقافي والتقاليد المغربية، مزيج رهيب يشمل الموروث الحضاري؟

  لغة الرحيل تحاول تكسير الهوة بين الدارجة المغربية والعـربية الفصحى،  تلك اللغة التي يمكن أن يطلق عليها “البين بين” أو”لغة الديمقراطية الحقيقية، لغة الحرية والتحرر…” (الرحيل، ص 95)، فالذات الساردة تعـيش الإغتراب في وطنها، هي اغتراب اللغة الأمومية: “قـولت مع راسي، إيـلا تعـلــّـمت اللغات الأجنبية، من المحتمل نـتخـلــّـص من الغـوربة اللي كـنــشــعـر بـيـها، ولو مـا عمـّـرني خــْـويت لــَـبلاد” (الرحيل، ص 22)، فالدافع إلى ذلك هو دعوة صريحة إلى الإهتمام بالدارجة، والرقي بمستوياتها التعبيرية دون تحامل ضد اللغة العربية “كون غير استعملنا المغربية الدارجة، والله ما يبقى حـدّ أمي، بالطبع غادى ديما تحتفض اللغة الــعربــية بمكانتها كلغة عالمة، موروت كوني، لغة الجامعات، الدين، الجرائد، البيانات الرسمية” (الرحيل، ص 22). فهل استطاعت هذه اللغة ان تُتْقِن فِعْلَ السَّرْد والوصف وتَجْديل الأشياء والعلاقات من دون أن تساوم على جماليات التعبير؟

   يقع في أعلى الرواية إسم الكاتب مراد علمي، وتحته مباشرة وسط إطار أسود كتبت كلمات بتتابع الرحيل بلون أحمر، ودمعة مسافرة بلون أبيض، وبلغة أجنبية أوت “out” بلون أحمر، وفي أسفل اللوحة، رواية باللغة المغربية، الدارجة، فماهي دلالات الغلاف بالبحث في المعاني التي يمكن أن تفيض بها الموسوعة الإدراكية ومقامات التلقي؟

يعـتبر  العنوان “دعاية منمقة”، وله أدوار متعددة، يشير إلى عوالم وأكوان قيمية، يبدو مضللا في دلالاته المباشرة، لكنه ثري في إيحاءاته الفكرية، “إن وظيفة العنوان هي وسم بداية النص، أي تشكيل النص بإعتباره سلعة… إن للعنوان دائما وظيفة مزدوجة : تلفظية وإشارية” (رولان بارت، التحليل النصي، ص 82). على مستوى القراءة أولا هل يمكن أن نقرأه على الشكل التالي، إعتمادا على معيار اللون، “الرحيل، أوت” في هذه الحالة سيكون العنوان سفر إلى الخارج، فالرحيل في العرف المفهومي تعني”: ذهاب، سفر، استعد للرحيل”.. ورحل رحيلا وترحالا: سار ومضى” (المنجد في اللغة العربية المعاصرة، ص 540ـ539)، والرحلة وهي انتقال في الفضاء، وكتابة  كلمة “الرحيل” و “out” بلون أحمر، تفتح لنا القراءة شهية التأويل، فالألوان معان متعددة و”إدراك اللون هو إدراك ثقافي” (بنكراد سعيد، السيميائيات، ص 99)، واللون الأحمر يشير في دلالته إلى موضوعات متعددة: العاطفة مثلا أوالإنفعال، النار والغضب… فما هي التيمة التي يمكن أن تنسجم مع معنى الرحيل إذن؟ نعـود مرة أخرى إلى معنى الرحيل في العـرف المفهومي بإعتباره سفر: أهو عن رغبة وحب أم إكراه غير مرغوب فيه؟ وإذا أضفنا للعنوان “دمعة مسافرة”، فهذه الجملة تقدم لنا رؤية مخصوصة ومهمازا للبوح الحزين. إن هذه الألوان المنتقاة لها تتمة لدلالة العنوان. فاللون الأسود المكتوب عليه هذه الكلمات هو لون الظلام، يشير إلى الإختفاء والرحيل والتلاشي، وهي حالة تجلي الأشياء كما تظهر في الظلام، حيث تختفي المعالم وسط الدروب المجهولة، ولذلك فهذه الألوان ليست أداة للتوصيل وخلق المعاني وإنما تشير إلى حالة معنوية مظلمة مرتبطة بالرحيل.

     عقب إسم الكاتب والعنوان يحدد لنا الكاتب  جنس عمله “رواية” ولغتها المغـربية، الدارجة، لذلك فقد أزاح عن القارئ عناء البحث في تحديد جنس منجزه الإبداعي، مقابل ذلك أدخله في متاهات  أخرى متعلقة باللغة: فهل فعلا تستطيع الرواية أن ترسم عالما تخييليا باللغة المغربية، الدارجة؟ هذا التحديد يثير فضول القارئ الذي تعود على قراءة الرواية باللغة العربية، تمزج داخلها  تعدد لغوي أو لغات إجتماعية.

    “الرحيل” من حيث البناء والشكل، لوحة واحدة يجب أن تفهمها في كليتها فليست بها فصول ولا توقفات، إنها بعـبارة أخرى، مساحة من الرحيل يحتاج إلى الركد وراءه من أجل فهمه في كـليته.

     بعد هذا التحديد للمعطيات المتعلقة بالعنوان، والموجودة في لوحة بلون أسود، لون الصمت الحاسم بلا أمل في المستقبل، ويرتبط «بالإضطراب والتلوث والضجيج» (جيلبير دوران، لانتروبولوجيا، ص 66). إنه لون الحزن ولون الظلمة، وغياب الرؤية، رحيل دمعة مسافرة خارج وطنها، باحثة عن مستقبل مجهول، ولذلك سترسم لنا هذه اللوحة  عوالم لن ترغب فيها الذات، ويصبح الرحيل أساسه الإنعتاق من الطابوهات التي تأسر الذات في التعبير عن مكنونها وتطلعاتها لتنخرط في مجاهيل أخرى، هي عوالم بصرية تملأ واجهة الرواية .

     إن هذه العناصر الشكلية والإيحائية المؤطرة لعنوان الرواية لها صيرورة أحداث متظافرة تدور حول نواة واحدة وهي “الرحيل” بحثا عن عوالم أخرى، وهروبا إلى مستقبل مجهول، وذلك المسار تظهر ملامحه الأولى منذ السطر الأول للرواية “يلا ّه دوّزت الباكالوريا أو أنا نطيح في واحد الحفرة، كلتة مضلامة كـنسمـّـيوها المستقبل المجهول” (الرحيل، ص 5)، وإذا أخدنا بعين الإعتبار البناء العام الذي ترتهن عليه الصيرورة السردية (انظر تودوروف، أنواع الخطابات)، مما لاشك فيه أن رواية “الرحيل” ينتهي الجهد فيها مفتوحا على مصراعيه، فالبداية محددة في حصول السارد على الباكالوريا، والنهاية التي تقف عندها  خيوط العوالم الدلالية   للرواية، ببنائها صراحة أو ضمنا، تبقى مفتوحة، وقضية من مثل هذا الشأن تطرح إشكالا لدى القارئ والناقد معا : أهو إنكار ما كان منطلق الصيرورة في البداية، وصراخ الفكر مع ما كان يهدف إلى تحقيقه، على  أنه ملاذ ولادة الذات الجديد، والذي يمكن أن يتحقق فيه الوجود والإستقلال والممكن؟ فإذا كان منطلق الرواية حصول الذات الساردة على الباكالوريا، وخيبة أملها، كان  السبيل الأمثل الإنفلات من وصاية هذا المجتمع الفاسد بدءا بالأسرة والمدرسة والمحيط الخارجي وصولا إلى المجتمع بأسره، وانتصار لصوت السارد التواقة إلى التحرر والبحث عن عالم آخر، الذي كانت ألمانيا البديل: “من أجل شـوية ديال المعرفة، الحرية، التسامح، الإنسانية، يمكن الحب الصادق أو الجنس اللي كـنبقاوا متعـطــّـشين ليه طيلة الحياة، ولا ّ باش نعيش أحـلامي أو عــيـنيــيا مــحـْــلولين” (الرحيل، ص 25)، لكن الذات  في الرواية لم تعش حالة توازن نفسي، لاهنا ولا هناك، فهي تظل يسكنها هاجـس التردد الذي لاينمحي ” بين الهنا” الذي يمثله سراب المتخيل الذهني، المسكون بالسخط والفوضى والمرض الإجتماعي “مرايا داتي هي اللي ألــّـماتني” (الرحيل، ص 86)، “والهناك” الذي يعيش تقلبات، تارة ينسم الأمان والحرية والضبط الزمني  والإلتزام والمسؤولية تجاه القضايا الإنسانية التي ترتبط بالعدل والحق والحياة، وتارة أخرى تهب ريح العنصرية، ورتابة الحياة، والتهديد بالرحيل والترحيل: “من أكبر خيبات الأمل والمرارة اللي دوقتها على يـدّ لالمان، هوما لياليهم االتعـيسة، الكحلة، اللي كـتـنين أو أتـــّـوجع، غير كيضـّــفى ضو السوبـيـرمارشي التــّـالي، كتـنساحب الحياة من الــدّروبة، أو كــتــّـجــبــّـد فــوق فراش الـزمــان…” (الرحيل، ص 147)، “كونت أجنبي، لدالك تحت التصرف، سهل المنال أو التهديد بالـتـرحيل” (الرحيل، ص 197).

   “رحيل” رحلة بحث عن حلم مفقود فـتـدخل الذات الساردة في متاهات الصراع بين عالمين: ألماني متعجرف، ومسلم مغربي يدافع عن شرفه، دنسته كلمة الإرهاب والخيانة والصورة النمطية السلبية التي يحملها الألماني، بصفة خاصة، والأوروبي بصفة عامة عن العربي وعن سكان شمال إفريقيا والمسلم عــمــوما، و يبدو هذا التحدي أكثر وضوحا من خلال سخرية لاذعة تطبع النص الروائي، وتتوخى التعبير بآليات مختلفة فيها الجملة المضادة والتهجين والأسلبة والتنويع، وغيرها من الآليات السردية.

“غير سوّلوني على الدين اللي معتانق، ردّيت بغير تردد: الإسلام، أو إيـلا بغيتوا تعرفوا المدهب، المدهب المالكي، بـْـلا ما إسوّلني حـدّ. كان فى رأي “تروبادور” من الأحسن نراوغهم أو نتــّـاخد موقف دفاعي، أمــّـوّه. لأن أسهم الإسلام هابطة بزاف فى السوق، لا لالــْـماني ولا العالمي، ماكاين اللي يشريها من عندك… قولت ليه، سمح ليـا، مايمكنش ليك تنسب ليــّـا كل حاجة طرات في العالم لأنني مسلم… أو المسيحيين اللي قتلوا، أتــّـاجروا في العبيد أو وزّعوهم على العالم كولــّـو، ما خصّـناش نـرميوهـُـم فى البحر؟ أو لالمان اللي قتلوا كتر من عشرين مليون روسي، ماشي واجب عليهم مايشريوا من ألمانيا ولا إبرة وحدة؟ أو المريكانيين اللي  تابعهم أتــر الدم حتى بيت أنــّـعـاس أوباما؟” (الرحيل ص، 213ـ212).

    إن حركة السرد يحاكي إيقاع فعل جنسي يقود من الإشتهاء الجارف إلى الإنتصاب الجنوني. بقدر ما كان الجنس في البدايات الأولى للرواية يمزج داخله الحب بالإحتقار كما الشأن مع مارتـيـنيز، بقدر ما تحول إلى نار وحرارة وهوس ارتواء جديد في ألمانيا وهذا ما تبرزه شخصية محمد الغاني بصفة دالة على الإفتنان بجسد المرأة واشتهائه لها.

“مـادام مارتـيـنيز، إلاهتي وإلاهة حبي اللــّـول، ما عمـّـرني انــّـساها ، شكون اللي عرف فاين راها دابا، يمكن ماتت ولا ّ دخـول فـيها الشــّـراب طـول أو عــرض …”

“الله الله على كونــْـدولا شحال كونت سعيد. يلا ّه أوصلت ألمانيا أو هاد الخير، مرحبة بيك آ محمد فى لالمان، قـولت مع راسي، أوربـّـية بيضة، جبن، الله على ضحيكة  رقيقة أو خفة فى الدم، ماشي بحال مادام مارتيـنيز، ميا في الميا كلاها الزمان، عرق الكلييان أو الريحة فى الفم اللي كانت مشاركاها مع النص اللي كــانــوا كيتوافدوا عليها. معكازة …” (الرحيل، ص 64).

    “كوندولا حبي الكبير التــّـاني، شمـّيت ريحة الخوخ، الـمعطــّر من بعيد، أكيد كان الشعر زعر كيصقـل، مسقي، مغسول أو مضروب بلمقص أو الزّيـزوار بحـرفية كبيرة، مدوّر بشنايف وردييين حنان أو عسول ألـدّ من محـّار الواليدية” (الرحيل، ص 64)،  فمارتـيـنيز إحالة إلى بعد القدارة بوجوهه المقززة والمنفرة تقابلها في البداية أحـاسيس البطل الغامضة تدفع لاشعوريا إلا التلذذ بها مما يولد حالة إستيهام تولد الدهشة مصدرها الحب “كانت مـارتـيـنيز ديما ضرييـّـفة معايا، كتبغيني، على ما ضنــّـيت أو ضن معايا حماقي، إيـلا شــافــتــني كـتجي كـتجري باش تحط ّ جـوج بوسات مبللين على خدودي… كانت كتعرف بزاف ديال الناس، مصاحبة مع الـنصّ ديال المدينة … مع الوقت رجعات هي العمدة، بلا ما عمـّـرها تعرف المجلس البلدي فاين جا” (الرحيل، ص 53).

     إذن، اقتنص  محمد الغاني الارتواء الجنسي والحب بعد أن ذاق الحرمان والكبت والمنع، لعله رحيل من طقوس الخوف والقهر إلى الحرية واللذة الشبقية والتحرر الوجودي انتهى بارتواء جنسي “بديت كنبكي بكـتـرة الفرحة والرغبة الجامحة. أو أنا نحس بدفعة ريح بارد غير تهـزّ ليزار باش إعلمني أن دات كوندولا الناعمة يلا ّه هبطات بالباراشوت، ماخلا ّتش بلاصتها تسخون حتى غرسات لسانها الوردي فى فـمـّي أوقبضات الأستــاد…، عملات ليـّـا المساج، باست داتي كـولــّـها، السدر، الكرش، السرّة، جهنــّام، ساقي أو مصـّـات فى لهفة أو شوق صباع رجلي… مارسنا الكـنس” (الرحيل، ص 190).

     فإذا كان مصطفى سعيد في رواية “موسم الهجرة إلى الشمال” قد عاث فسادا في أجساد العذارى لكسر “قلاع الشرف الأروبي” بمديته، ليعود في النهاية إلى بلاده منسيا ويموت غرقا في النيل السوداني، ويأتي بعده إدريس في رواية “البعيدون”، فإن البطل “محمد الغاني” هو الآخر مسكون بهاجس الجنس ومنفعل عليه “من طرف الفتاة ماريون”، فيتهم من لدن الأم  بالمستعمر الجديد، لذلك أصبح هدفا للـتــرحيل والطرد، لكنه مقابل ذلك استطاع أن يدافع عن نفسه من خلال تسخير الجنس  الأنثوي نفسه، وهذا مانجده في الرسائل المتبادلة بين أم ماريون و خطيبته كيزيلا، تقول أم ماريون: “من دابا فصاعدا ما نبغيوا لا نسمعوك، لا نشفوك. إيـلا حاربونا أخــّـوتك المتوحشين بالرعب أو الإرهاب، كتسخــّـر نتـا سيفك المقدس باش تحمـّـل بناتنا أو نهار آخور تستعمر أوربا أوميريكان من الداخل” (الرحيل، ص 196). “شنو طرا ألــْـبنتك حتى هجمات أو ستغلات خطيبي؟ ما عمـّـرو بغى ينعس مع بنتك، ولاكن هي الوحيدة الـلي سخــّـرات غريزتها البدائية… تبــّـرعات بلا ماتدفع أي مقابل أو حشات كرموستها في شي حاجة كونت كـنضن أنا كنملكها، “محمد” ماشي فريسة، أودابا كالسة بنتك كـتفشر علينا أو تزعم أنها حاملة منــّـو. والله ما نتيق بيها. المهم محمد ما حمـّـلش بنتك أو مانفضش عليها غبار العنوسة، ولاكن العكس …” (الرحيل، 202). فالسلوك كان رد فعل لممارسات الآخر الإستبدادية تغلب عليها الرغبة يقابله وعي جمعي تمثله الأم يرغب في الثأر والإنتقام، بيد أن الذات لم  تكتف بالدفاع عن نفسها مباشرة وإنما تسللت إلى الوعي الجمعي.

    في قراءةٍ أولى للنص تشدك الدهشة، إثارة المشاعر، كـي تتـعاطف من بعد مع شخصيات تتشابه من حيث المعاناة والصراع مع الحياة، فبالإضافة إلى الشخصية المحورية وهي البطل محمد الغاني “غني الأحلام والأوهام اللي رْماوني في جهنــّام هاد البلاد التعيسة” (الرحيل، ص 71)، بنى الكاتب شخصياته بقدْرٍ من التوازن الملاحظ من حيث الوظائف المسندة إليها في النسيج والوقائعي للرواية. فالحب الأبوي العنيف بين محمد الغاني وأبيه  في المغرب يقابله حرمان أبوي في ألمانيا يمثله الأب “مايار” والإبن “ماركوس”، و “كوندولا” رمز للفتاة في ألمانيا وإيمان في المغرب، يقول السارد: “إيمان مثلا، صديقة عــزيزة علـيــّا، قرات معايا فى التــّانوي، تمكــّـنات ما تهز ّ ولا كتاب في حياتها كولــّـها… غير شدّ الشاوش باب التــّـانوية فى الصــّيف، شدّات حتى هي جميع الكتوبة أو باعتهم… واحد المرّة كونــّـا كالسين بوحدنا، قالت ليا، بيني أو بينك، كـيقراوا الروايات غير العاكرات أو النــّـاشفات… المعرفة كولــّـها الـلي كانت كـتــّـوفرعليها من صنع محلـّي محـض، من أمـّها، خوالاتها، عمــّـاتها، الحـمــّام، كــوافــورة الحـومـة…” (الرحيل، ص 71)، “أمـّا كوندولا علاش أمــّـا سوّلتيها أو تكلــّـمتي، حتى هي عندها ما تقول أو رأي معيـّـن، مستقل، كان الموضوع كيتعلق بالرياضيات، الكيمياء، التاريخ، الآداب ولا ّ الـتربية الجنسية، اللي خصـّـها أدّرس عندنا حتى حنا كـمادة، أو إيــلا شاركتيها النقاش، كـتحلى الكلسة معاها” (الرحيل، ص 97)، فالكاتب يستحضر الشخصيات من أجل الكشف عن شخصيات مقابلة لها سواء في المغرب أو ألمانيا كما أن الموضوعات هي الأخرى تحبل بالتناقضات الضدية فيحوّل الشخصيات إلى حَمَلَةٍ للدلالات التي تَنْفُثُها الوقائع المَرْوية عن طريق الحوار أو عن طريق السَّرْد.

      الرحيل رواية “تجربة بوعي لغوي تجريبي، عـميــق” و “تجديد للشكل الروائي بتقنياته الـمتعددة”، سيكون لها شأنٌ كبير في الإنتاج الروائي في المغرب، حين تقرأ قراءة جادة، عـمـيـقة ومســتــوفـية.

     نخلص من هذه القراءة أن “الرحيل” تجربة ثرية على مستوى التأويل بدءا بعنوانها وبنيتها وتشكيلها الجمالي والمعرفي، تراوح في عمقها جدلية المعيش والخيال. وإضافة نوعية جديدة لقضية الصراع بين الشرق والغرب التي تناولتها بعض الأعمال الروائية كرواية “موسم الهجرة إلى الشمال”، لطيب صالح، و “البعيدون” لبهاء الدين الطود، تزيل علينا بعض التساؤلات بشأن اللغة المغربية، الدراجة، وأسلوبها وطبيعة  رموزها، في إنتاج نص خيالي ضمن واقع التجريب السردي المغربي المعاصر بطريقته وتقنيته الـمتجددة والمتجسدة في رواية “الرحيل، دمـعة مسافرة”، حيث لأول مرة تقدم لنا إطلالات مستوفية، مثيرة وشيقة لـنمط حياة، طقوس، حضارة، ثـقــافـة وعادات الألمان.

Advertisements

One comment on “قـراءة نـقـدية لرواية مـراد عـلمي:”الرّحـيل، دمعة مسافرة”

  1. fadl
    19 مايو 2013

    تبا لكم أيها التافهون المغفلون، تبا للإبداع والنقد إن كان بهذا الشكل

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف