مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

حوارمع الباحثة التونسية الدكتورة : آمال قرامي

حوارمع الباحثة التونسية الدكتورة : آمال قرامي

آمال قرامي Sans titre

حوارمن ليبيا : محمد القذافي مسعود *

خاص بالموقع

الدكتورة آمال قرامي أستاذة تعليم عال بقسم العربية،(برفسور) كلية الآداب والفنون والإنسانيات، جامعة منّوبة، الجمهورية التونسية. متحصّلة على شهادة دكتوراة الحلقة الثالثة بأطروحة حول الدراسات الإسلامية تحت عنوان: “قضيّة الردّة في الفكر الإسلامي: قديما وحديثا”، تونس، 1993 وشهادة دكتوراة الدولة بأطروحة في مجال  الدراسات الجندرية عنوانها: “ظاهرة الاختلاف في الحضارة العربية الإسلامية: الأسباب والدلالات”  تونس ،2004 تدرّس الحضارة العربية الإسلامية وقضايا النوع الاجتماعي/الجندر ، تاريخ النساء ، والإسلاميات، الأديان المقارنة

درّست بماجستير الدراسات النسائية، جامعة قرطاج لمدة سنوات مسائل متعددة منها: المرأة والسلطة الدينية، صناعة الأنوثة والذكورة في الثقافة العربية، درّست بماجستير كلية الآداب بسوسة لمدة سنوات مسائل متعددة منها: رحيل الدراسات الجندرية من الثقافة الغربية إلى الثقافة العربية الإسلامية، الآخرية في الثقافة العربية: المرأة والأسود نموذجا…

تدرّس بماجستير كلية الآداب بمنوبة، لمدة سنوات مسائل متعددة منها: رحيل الدراسات الجندرية من الثقافة الغربية إلى الثقافة العربية الإسلامية، الآخرية في الثقافة العربية: المرأة والأسود نموذجا،النسوية في الثقافة الغربية، تمثلات الجسد في الإشهار والسينما والرواية النسائية،…مسؤولة عن مشروع تحليل الخطاب في الإعلام الجديدضمن فريق بحث تحليل الخطاب الديني بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية ب9 أفريل، وتشرف على إعداد مؤلّف جماعيّ في الموضوع.

تشرف على إعداد مؤلّف جماعيّ حول الإعلام الجديد بالتنسيق مع المعهد العربي لحقوق الإنسان .عضوة في فريق بحث إسلامي مسيحي GRIC منذ سنة 1998.

وفي فريق بحث النساء المتوسطيات بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية ب9 أفريل منذ 2004 وجمعية كرامة بواشنطون لحقوق الإنسان للمرأة المسلمة منذ 2003ومركز الدراسات و الأبحاث في قضايا الأسرة و المرأة بفــاس المغرب مسؤولة عن تنسيق برنامج” ترجمة الأعمال الفكرية والحضارية في تونس” : المركز الوطني للترجمة .

أستاذة زائرة في عدة أ جامعات غربية وعربية.   

لها مساهمات متعددة في ندوات عالمية وموائد مستديرة في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا والبلدان العربية تخصّ الفكر العربي والحوار بين الحضارات والأديان المقارنة والدراسات النسائية ودراسات الجندر والدراسات الثقافية ودراسات الإعلام وغيرها.

ولها أعمال منشورة في كتب منها :

قضية الردّة في الفكر الإسلامي، تونس، دار الجنوب،ط1 ، 1996،ط2 ، 2010

ـ حريّة المعتقد في الإسلام؟، الدار البيضاء، الفنك، 1997

-‘الإسلام الآسيوي’ بيروت، دار الطليعة، 2006.

“الاختلاف في الثقافة العربية الإسلامية: دراسة جندرية” بيروت، دار المدار الإسلامي، 2007

الحركات النسائية في تونس، تأليف إلهام المرزوقي، ترجمة آمال قرامي      

نشر المركز الوطني للترجمة تونس، 2010.             

التشبّه بالآخر أو في حدود المثاقفة، منشورات كلية الآداب والفنون والإنسانيات، 5 حوليات الجامعة التونسية،عدد51، ج2، 2006

تصدّع بنية ‘الذكورة المهيمنة’ ومحاولات إنقاذها، مجلة باحثات،’الرجولة والأبوة اليوم،  الكتاب الثاني عشر 2007-2008، ص ص 100-125.

حول عدة مواضيع وأفكار أجرينا معها هذا الحوار :

ما رأيك في مراكز ومؤسسات الدراسات والأبحاث المختلفة في العالم العربي وما تقدمه من جهد ودعم للباحثين والمشتغلين في الحقل العلمي والبحثي كافة _ هل هو كاف بدرجة الوصول إلى نتائج علمية وميدانية تقوم عليها الخطط والمشاريع المستقبلية للدول والشعوب ؟

لامجالللتعميمفي هذا الصدد فمراكز البحث والمؤسسات المختلفة التي برزت هنا وهناك في العالم العربي مختلفة من حيث التوجّه والمقاصد والتمويل وعلاقتها بالدول.بيد أنّه من الضروريّ الإقرار بأنّ هذه المراكز البحثية والعلمية قليلة ولا تكفي لإنجاز المطلوب منها وتلبية احتياجات الباحثين في مختلف الاختصاصات كما أنّ البعض منها لا يستطيع دعم المشاريع ذات الصلة بالبحوث الميدانية، وهو أمر يشكّل عائقا في حدّ ذاته، باعتبار أنّ المؤتمرات والندوات التي تعقد لا تكفي لتقويم الأوضاع المعرفية وتمكين الباحثين من مراجعة آلياتهم ومناهجهم وتطوير بحوثهم.وبناء على ذلك فإنّ البعد الاستشرافي في البحوث العربية محدود للغاية فضلا عن أنّ إبصار الواقع الاجتماعي في تحوّلاته وحراكه يبقى منقوصا لقلّة البحوث الميدانية والمقارنيةمن جهة، ولافتقار الباحثين إلى الدعم المطلوب، من جهة ثانية. ومقارنة مع ما هو متوفّر في البلدان الغربية يصحّ القول إنّ وضع الدارسين العرب ‘كارثي’ ويتطلب إرادة سياسية داعمة للبحث العلمي والتنمية .

يقول د . الطاهر لبيب : ” إن العداء للعلمانية في العالم العربي قائم إذا على تسميات لا تقابلها مسميات في واقع التاريخ الفعلي إنه تعبير عن ” استقالة العقل التاريخي ” 

 ألا ترين معي أن الاتهامات الموجهة للعقل صارت كثيرة ومازالت تكثر ؟ من هو المسؤول عن العقل وإدارته ؟ أليست تهم يطلقها أصحابها الذين هم ليسوا ببعيدين عنها ؟

 إنّ استقراء الواقع والوقوف عند خصوصياته يُعيننا على تبيّن ملامح التراجع وتقلّص مساحات التفكير الحرّ والمسؤول وتحديد مواطن الخلل، ومن هنا فأنا لا أعتبر أنّ انتقاد الظواهر التي نعاينها اليوم يندرج ضمن سلوك قائم على التشويه أو التذمّر أو الاتهام ..بل هو معبّر عن رغبة جامحة في الإصلاح من جهة ، وتحمّل للمسؤولية، من جهة ثانية.فمن المثقفين فئة ارتأت أن تفضح هيمنة الفكر الخرافي على حساب العقلانية، وانتشار التلقين والنقل على حساب التدبّر والتفكير وإعمال العقل. وفي تقديري نحن نعيش عبودية جديدة يسلّم فيها الفرد نفسه لمن يطلقون على أنفسهم ‘دعاة إسلاميون’ بإرادته ويتكّل عليهم في تسيير أمور حياته ونسج علاقة بالله وبالآخرين. ولعلّ مردّ هذه الاتكالية ضعف المؤسسات التعليمية وعقم مناهج التعليم القائمة على التلقين والنقل بدل الفكر النقدي الذي يضع المسلّمات موضع تساؤل والانفتاح على مقاربات متعددة ومناهج مختلفة فضلا عن الأزمات التي يمرّ بها الفرد في المجتمعات المعاصرة إن كان ذلك على صعيد اقتصادي أو اجتماعي أو سياسي أو فكري.

 

يقول الدكتور العراقي سيار الجميل :

” إن العلمانية في أزمة حقيقية ، إذ غدت محتقرة من قبل التيارات الدينية قاطبة ، بل وغدا الناس يحاربونها من دون أن يفقهوا طبيعتها .. وسكت عنها كل القوميين والليبراليين والراديكاليين .. بل وغدت أنظمة سياسية كانت تسمّي نفسها بـ ” التقدمية ” في ركب الهاربين ليس في تبنّيها ، بل حتى في الدفاع عنها “

ما رأيك  في العلمانية الآن وكيف ترين ما قاله سيار الجميل عنها ؟

العلمانية علمانيات فليس تاريخ العلمانية الفرنسية متطابقا مع ما عرفته التجارب العلمانية في ألمانيا أو إيطاليا أو أمريكا أو تركيا والأمر نفسه يسجّل في البلدان العربية.  فنحن إزاء ظاهرة رحيل معرفيّ لبعض المصطلحات والنظريات التي تتمّ تبيئتها في واقع مختلف عن البيئة الأصلية ومن هنا فإنّ دلالات المصطلحات تختلف بالضرورة وتضفى عليها معاني جديدة . أمّا فيما يتعلّق بطريقة استقبال مصطلح العلمانية في المجتمعات العربية المعاصرة فإنّها تثير إشكاليات عدّة على مستوى التصرّف الأيديولوجي وتوظيف هذا المصطلح في الحروب الفكرية والسياسية والجدل الاجتماعي.وهو أمر يومئ إلى أنّ الحرب لا تبنى في المجال السياسي فقط بل إنّها تنشأ أيضا في مجال بناء المعاني والدلالات.وليس يخفى أنّ المدّ الأصولي الذي اكتسح المنطقة قد عوّل على حرب المعاني فجعل العلمانية صنوا للكفر وقاد حملات تكفيريّة ضدّ العلمانيين  ولم يكلّف نفسه عناء البحث والتنقيب في المفاهيم والنظر إلى تطوّرها عبر الزمان والمكان. ولا يختلف الأمر بالنسبة إلى مصطلحات أخرى كالنسوية، واللائكية ، ….ولعلّ التشويه المقصود للمصطلحات مُخبر عن موقف من عمليّة التثاقف وجوهر الثقافة التي تشكّلت منذ قرون والتي كانت سمتها الانفتاح على التراث الكونيّ بيد أنّ أتباع الفكر الأصولي يرفضون هذا الثراء ويريدون التقوقع على ذواتهم في محاولة انتحاريةتتعارض مع ما عاشته الحضارة العربية الإسلامية من ازدهار نتيجة تطعيم ذاتها بروافد متعددة من الحضارات المجاورة.

ما هو المطلوب من المثقف اليوم وماذا تبقى من دوره الطليعي ؟

يعيش المثقّف اليوم وضعا مأساويا خاصّة بعد الثورات العربية والانتفاضات فهو مدعوّ إلى مراجعة دوره وعلاقته بالجموع وبالواقع المعيش. كما أنّه مطالب بإعادة النظر في آليات إنتاج المعرفة.ومع الثورة التكنولوجية والإعلامية والتواصلية وظهور مصادر جديدة للمعرفة وتحوّلات في جوهرها ونسقها لم يعد بالإمكان الحديث عن دور طلائعي للمثقّف فهو لم يعد الوحيد مصدر المعرفة ومُنتج الخطاب التوعوي والتثقيفي بل صار يتفاعل مع المجتمع من موقعه، وهناك أطراف أخرى تنافسه كالداعية الإسلامي، و’المثقّف المصنوع’ الذي صنعه الإعلام أو النظام السياسيّ،والمدوّن وغيرهم، وهو أمر يتطلّب من المثقّف أخذ هذه الخطابات بعين الاعتبار ودراسة مواقع أصحابها وأهدافهم وآلياتهم حتى يستطيع ابتكار آليات جديدة وخطاب طريف ومؤثّر يقترب من الجماهير ويلبي احتياجاتها.

المثقف التونسي سواء في المرحلة السابقة من النظام السياسي أو المرحلة الحالية هل كان ولا يزال على قدر الطموحات الوطنية في أدائه أم لا ؟

لا يمكن حشر جميع المثقفين التونسيين رجالا ونساء في نفس الخانة فهم لا يشكّلون وحدة منسجمة ويصنفون إلى فئات هناك من خدم النظام وانتفع من مزايا ذلك الدور الذي اضطلع به والمتمثّل في الترويج لسياسة الدولة والدفاع عنها و’تلميع’ صورتها، وهناك من فضّل البقاء في برجه العاجي والاهتمام بالبحث في مواضيع ‘لا تحرج’ ولا تثير مشاكل، وهناك من اضطلع بمسؤوليته وتحمّل تبعات أن يكون مستقلا عن النظام وإغراءاته أو بطشه وساهم على قدر طاقته، في فضح الانتهاكات وانتقاد القرارات التعسفيّة الصادرة بشأن المعارضين إلى غير ذلك. ولعلّ الانتقادات الشرسة التي وجّهت إلى عدد من المثقفين توضّح خيبة أمل الجماهير في النخب التي بقيت صامتة أو معاضدة للنظام ولم تكن معبّرة عن ‘صوت المقهورين’.

من هو الشريك الحقيقي للمثقف العربي اليوم ؟ وهل هو في حاجة لشراكة من خارج بيئته ؟

أعتقد أنّ الشريك الرئيس اليوم هو المجتمع المدني بجميع مكوّناته فلابدّ من ربط الصلة بين المثقّف وجميع الأطراف التي تسعى إلى خدمة الناس والبلاد وتحقيق إصلاحات جريئة في كافة القطاعات . كما أنّ المثقف اليوم مدعوّ إلى إعادة النظر في علاقته بممثلّي السلطة السياسية، وخاصّة السلطة الرابعة إذ ينبغي أن لا تكون العلاقة ‘براغماتية ‘غايتها تحقيق الشهرة بل إنّ على المثقّفين والإعلاميين أن ينسجوا نمطا جديدا تواصليا غايته توحيد الجهود من أجل الخروج من النفق وإيجاد الحلول الملائمة للمشاكل المتعدّدة التي تتخبّط فيها مجتمعاتنا. أمّا الشراكة الأجنبيّة فينبغي أن تكون على أساس النديّة إذ أثبتت الثورات أنّ الاتّكال على القدرات الذاتية والخبرات الوطنية صار قاعدة لا يمكن تجاهلها.يكفي أن يثق الفرد بأنّه صار سيّد الموقف وصاحب القرار والفعل ولا مجال للتعويل على  حماية الغرب أو دعمه الكليّ. 

الإبداع  الأقرب  إلى التسامح والحوار أهو إبداع المرأة أم الرجل  ..؟

لا يمكنالفصل في اعتقادي، بين أشكال الإبداع على أساس الجنس فالإبداع فعل إنسانيّ سواء أصدر عن الرجل أو المرأة وهو فعل ينشد بناء عالم جديد تسود فيه قيم إنسانية مثلى، ومن هنا فإن” القول السائد إنّ النساء أكثر قربا من ‘الطبيعة’ وأكثر تمسّكا بالسلم والاستقرار والتسامح لا يعكس الواقع بل هو وليد صور نمطيّة تجعل الرجل ممثّل الثقافة والفعل (الصيد، العمل، الحرب، الإنتاج ….) في مقابل المرأة التي تُمثّل الطبيعة ( العاطفة، الحنان ، الرقّة …)ولعلّ مساهمة النساء في  العراق والأردن …في عمليات التفجير يثبت أنّ من النساء فئة وهبت نفسها لثقافة الكره والتشفّي بدل الحوار وقبول الآخر فلم تكن مساهمة في تحقيق السلم الاجتماعيّ ونشر قيم التسامح  بقدر ما كانت أداة في خدمة المواجهات والصراع الداميّ.و يبدو لي أنّنا اليوم بحاجة إلى مبدعين يعملون جاهدين من أجل مواجهة ‘مديح الكراهية’ بثقافة الحب والأخوّة والتسامح والقبول بالآخر والتعايش السلمي.

في رأيك من هو القادر على تحقيق الديمقراطية في العالم العربي وهل يمكن أن يقوم نظام ديمقراطي حقيقي لدينا ؟

تعيش بعض البلدان العربية مسارات التحوّل نحو الديمقراطية ، وهي مخاض عسير وطويل المدى، إذ فوّتت الأنظمة الدكتاتورية على الشعوب تعلّم أبجديات المشاركة في العمل السياسي وفهم آليات المراقبة والمحاسبة وغيرها من المفاهيم التي تشكّل الثقافة السياسية والتربية على قيم الديمقراطية، وعلى هذا الأساس فإنّ بناء أنظمة ديمقراطية يتطلّب وقتا وتكتّل جهود جميع الفاعلين السياسيين والجمعاويين وإرادة سياسية ووعيا عامّا وقدرا من التفهّم وطول النفس من جانب عامة الناس .ولا بدّ من الإقرار بأنّ التمرّن على قواعد العمل الديمقراطي سيخلّف خيبات وسيكشف لامحالة عن أخطاء وسوء فهم لبعض المقولات إلى غير ذلك. في تونس نحن نعيش تجربة جديدة تحاول أن تتحدّى فيها حركة النهضة الأفكار الجاهزة حولها  من قبيل أنّ الديمقراطية لا تتطابق مع الأنظمة التي تعتمد توجها سياسيا إسلاميا وأن تقدّم خطابا يطمئن الجماهير على مصير الحريات والديمقراطية المنشودة وقيم الثورة : الكرامة والعدالة الاجتماعية والمساواة ….ولكنّ خطاب القيادات يبقى في قطيعة مع ما نعيشه في تونس ما بعد الانتخابات ففي كلّ يوم نشهد تزايد وتيرة العنف اللفظي والمادي والرمزي ضدّ النساء والفتيات لفرض الحجاب وتحقيق الفصل بين الجنسين ومنع النساء ‘العلمانيات ‘من تولّي مناصب قيادية فضلا عن الاعتداء على بعض الأستاذات الجامعيات وحملات تشويه الناشطات الحقوقيات والقائمة طويلة ، وهو أمر يؤكّد مرّة أخرى أنّ على قيادات النهضة أن لا تكتفي بنسج خطاب تطميني بل عليها أن تواجه الواقع المعيش للتونسيات : عاملات البيوت والطالبات والفتيات والفنانات والمثقفات اللواتي يعشن تحت واقع الإكراهات والتحرّش في فضاءات ما عادت تطمئن في الشوارع والجامعات والمدارس….لا ينبغي على القيادات أن تكون عينها كليلة وأن تصمت أمام ما يجري وتستمر في طمأنة الناس فهذا الموقف ما عاد ينفع ما ننتظره أداء الأمانة وتحمّل المسؤولية وتجسيد الديمقراطية الفعلية حتى لا نصاب بخيبة أمل جديدة في بديل كنّا نتوقّع أنّه سيقدّم الكثير لتونس وللتونسيين نساء ورجالا.

كيف تتحدد هوية المثقف ؟

هويّة المثقف تُبنى لبنة لبنة ولا تعرف القرار لأنّها حركية في جوهرها ومتغيّرة ، وذات أبعاد متعدّدة فهو فرد من الجماعة تتشكّل هويته ‘الجندرية’ وهويته الاجتماعية وهويته الدينية …وفق معايير الجماعة وعاداتها وموروثها …وعلى قدر تراكم خبراته ومعارفه تلوح تجليّات هذه الهوية في علاقتها بالآخر ومن هنا فإنّه مواطن يمتلك هوية منفتحة على الكون وإن كانت موصولة إلى الوطن.

أترين أن الحرية تبدأ من التحرر الجنسي ؟

هذا اختزال مُشين لمفهوم الحرية وليد نسق ‘تضليليّ’. إنّ الحرية تبدأ لحظة اكتشاف الذات وإدراك أبعادها المتعدّدة، وهي مسار شائك وطويل ورحلة مُكابدة من أجل التحرّر من الأنساق المغلقة والأحكام المسبقة والصور النمطية والإكراهات التي تمارس على الفرد بهدف تقليص إمكانات الاختياروحجم استقلاليته . أمّا عن ‘التحرّر الجنسي’ فأنا لا أفضّل استعمال هذه العبارة وأميل إلى استبدالها بالتحرّر من الأحكام المسبقة بشأن الجنسانية فما أحوجنا اليوم إلى إعادة النظر في تعاملنا مع الجسد ونظرتنا إليه بل إنّنا في حاجة ماسة إلى عقد مصالحة مع الجسد قائمة على المعرفة بأبعاده المختلفة والالتزام بالدفاع عن حقوقنا: حقّ الحرمة الجسدية ، وحقّ سلامة الجسد ، وحقّ امتلاك الجسد….

الشخصية الإنسانية هل تتشكل من خلال الجسد أولا ؟

 الجسد هو مكوّن من بين المكوّنات التي تساهم في نحت شخصية الفرد فرؤيتي لجسدي ونمط العلاقة التي أرسيها معه تكشف عن بعد في شخصيتي وتشير إلى مدى إدراكي لما يجري من حولي ورؤيتي للكون. ومما لاشكّ فيه أنّ الخبرات الحياتية والرصيد المعرفي وتفاعلي مع الآخرين الممثلين لمختلف المؤسسات إن كانت تربوية أو اجتماعية أو سياسية أو دينية كلّها عناصر تساهم في تشكيل الشخصية.

” وتكمن خطورة المساحقة في رأينا في خلخلتها لنمط علاقات التبادل وزعزعتها لبناء الجنسانية المهيمنة. فبدل أن تكون المرأة مفعولا بها “تحت” الرجل تتحوّل إلى فاعلة، بل إنّها تحتلّ موضعه متشبّهة به لا في الهيئة أو الأقوال، وإنّما أيضا في الجنسانية متقمّصة دوره في الجماع وملغية بذلك حضوره، ..” ؟هذا ما قلته في سياق تفسيرك لظاهرة السحاق أيمكن أن نقف كحد فاصل بتفسيرك لهذه الظاهرة لما قيل سابقا ؟

أعتقد أنّ العلاقات المثلية تكشف عن أثر التنشئة الاجتماعية والمسارات الذهنية والتجارب النفسية التي يمرّ بها الفرد في مجتمعات معقّدة تسحق الفرد ولا توفّر له مناخا سويا ومن هنا فإنّ هذا التحليل ينطبق على أوضاع اجتماعية ثقافية نفسية أثمرت أناسا مارسوا حياتهم الجنسية من منظور رأوا أنّه الأكثر ملاءمة مع ما يريدونه.

ألا ترين معي أن السحاق تحول لنوع من السلعة التجارية في الأدب والإعلام ؟

 أشاركك الرأي فتعاملنا مع قضية المثليين اليوم ليس تعاملا علميا يروم فهم أسباب تهميش هذه الفئة وكشف النقاب عن الأسباب والمعاناة ونمط إنتاج الأحكام والممارسات الإقصائية وأحيانا العنف الممارس باتجاه هذه الفئة غاية ما في الأمر هو استغلال هذه الحيوات لمكاسب مادية ومن هنا كانت مقاربة عدد من الروائيين والروائيات لهذا الموضوع مقاربة استهلاكية فرجوية تصدر صورة يرغب فيها الآخر وهي بذلك تعيد إلى الأذهان صورة الشرق لدى الغربيين وتوضح علاقات جديدة تتأسس.

هل ترين أننا مازلنا في حاجة للعودة إلى التراث ؟ أم قراءة التراث بعين الحداثة ..؟

مخزوننا التراثي ثري جديد وهناك آلاف المواضيع التي تنتظر من ينكبّ عليها تمحيصا وتحليلا وتدبّرا ونحن في أمسّ الحاجة إلى إعادة النظر في هذا المخزون سيما وأن مسارات العقلانية والحرية تبدو في بعض المراحل التاريخية أكثر مر ونة وغنى مما نعيشه اليوم من انغلاق وتعصب. ومادامت الفتوحات المعرفية متجددة والمناهج تتكاثر مع كل يوم فلابد من قراءات متعددة لهذا التراث حتى نعقد صلة ‘سوية’ معه فنتحرر من أسره ونتصالح معه.

إلى أي مدى يجب أن نغير الخطاب السائد أو نبحث عن خطاب متجدد ؟

الخطابات المغلقة والمتمركزة على ذاتها والشمولية والتي تدعي تمثيل ‘الحقيقة’ أو النطق نيابة عن الله هي التي تشكل عائقا أمامنا لأنّها غارقة في نسج آليات الاستبعاد و معبّرة عن نرجسية  أصحابها وليس أمامنا سوى البحث عن إحداث توازن جديد يسمح للغيرية بأن تعبر عن ذاتها ويفسح المجال للخطابات الفرعية والمهمشة حتى تسجّل حضورها وتبيح عن مكونانتها. ولأنّ سمة الحياة التجدّد فلابدّ من تجديد الخطاب لأنه السبيل لتحقيق التفرّد وتقديم الإضافة حتى نخرج من نسق الاجترار والتواكل على جهود السلف.

التابوهات .. تنتهي لتتجدد في عالمنا العربي أين تتحدد وكيف تتشكل التابوهات بالنسبة لك ؟

 كل عصر وكلّ جماعة تنتج ممنوعاتها التي قد تستمر في العمل طيلة قرون وقرون إذ يعسر مواجهة الطابوهات فقديما كنا نتحدث عن مثلث السياسة والجنس والدين واليوم تضيق الدائرة أكثر فأكثر بعد ظهور الأصولية ليصبح الانتقاد أو التعبير عن الاختلاف غير مقبول ومسيّج بقيود جديدة مفروضة على المثقفين وفي اعتقادي كلّما ازدادت الطابوهات كشفت عن حجم الأزمات التي تعيشها المجتمعات العربية المعاصرة وأبانت عن التغييرات الحاصلة فمفهوم الطابو قد يتغير من جيل إلى آخر ومن فئة  أو طبقة إلى أخرى ولا يفهم إلا بربطه بالسن والجنس والعرق وتأثير العامل الديني أو الثقافي….

إلى أي مدى يساهم انفصال الكاتبة – المثقفة عن الأم في تحررها ؟

مسار التحرر عن الأمّ حالة طبيعية يمر بها كل شخص بقطع النظر عن موقعه الاجتماعي أو جنسه وهي حالة ضرورية حتى يشتد عود المرء ويختار مساره في الحياة . أمّا إذا كنت تقصد علاقتي بوالدتي فقد كانت تنوس بين مدّ وجزر تدفعني إلى الأمام تارة فتكوني عوني على فكّ الطوق وبناء ذاتي ، وتجذبني إلى الوراء طورا في محاولة لجعلي متماهية مع النماذج السائدة والمنمطة. 

ماذا بقي من أمك فيك وانعكس في شخصيتك وكتاباتك ؟

 ربّما حجم العطاء والقدرة على التضحية صفات في أمّي انعكست على أدائي المهني فأنا لا أتأخر عن العطاء المعرفي أو المادي  ولا أدخر جهدا حتى وإن كان ذلك على حساب صحّتي في سبيل دفع طلبتي إلى إنتاج بحوث تليق بالمستوى الأكاديمي وتحقق لهم طموحاتهم. أمّا الجانب الثاني فيتعلّق بقهر عاشته أمّي حينما منعها والدها من مواصلة دراستها فقضى على حلمها وهذا العامل جعلني أثابر وأطلب المزيد من التألق والإشعاع علّي أرضي والدتي بشكل من الأشكال فترى حلمها فيّ وتشعر بالفخر لأنّني كنت في مستوى آمالها.

* شاعر وصحفي ليبي مستقل

 

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف