مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

“الدولة والسلطة والشرعية”

“الدولة والسلطة والشرعية”

 Sans titreimages (1)

عبد الإله بلقزيز

صدر للمفكر المغربي عبدالإله بلقزيز “الدولة والسلطة والشرعية” عن “منتدى المعارف”. هنا أجزاء من مقدمة المؤلف.

قليلة هي الدراسات العربية التي أُنجزت في موضوع الشرعية السياسية ومشكلاتها الكبرى في الدولة والسلطة والنظام السياسي في البلدان العربية المعاصرة: مصادرها المختلفة، آليات تجديدها، أزماتها الصامتة والانفجارية، مواردها الاجتماعية والسياسية والثقافية، نُظُم اشتغالها الأيديولوجية والأمنية، دور الدين في بنائها أو في تأزمها، ناهيك بمسائل شديدة الاتصال مثل أدوار النخب والطبقات الاجتماعية (الطبقة الوسطى بخاصة)، ودور العوامل الاقتصادية والعوامل الخارجية في تقرير صورة تلك الشرعية… إلخ.

كان رضوان السيد من أوائل من شُغِل من الباحثين العرب، بمسألة الشرعية والمشروعية في المجال السياسي الإسلامي الكلاسيكي (الوسيط)، ونشر في الموضوع دراسات عدة لا تزال مرجعية في بابها. لكن القليل من الباحثين جاراهُ في الاهتمام بالمسألة عينها في نطاق المجال السياسي العربي المعاصر، ولا نعرف منهم إلا سعدالدين ابراهيم وغسان سلامة، اللذين نشرا في الموضوع دراستين تأسيسيتين، لا تزال فائدتهما عظيمة على الرغم من انصرام حقبة طويلة، نسبياً، على نشرهما. وتقتضينا الأمانة أن نعترف بفضل مساهمات أخرى، مُزامنة، تناولت مسألة الدولة والسلطة في الوطن العربي من منظور تحليلي نقدي لأزمة التكوين والاشتغال والتطور، وذلك ما يَصْدق على كتابات عبدالله العروي، وبرهان غليون، وخلدون حسن النقيب مثلاً. لكن هذه المساهمات لامست موضوع الشرعية من دون أن تتناوله التناول المباشر الذي تتميّز به المسألة مما يحيط بها ويتشابك معها من مسائل نظير. والحق أن هذه ثغرة فكرية في الفكر العربي تحتاج الى جهد علمي بحثي يسُدّها؛ أكان ذلك في مجال العلوم السياسية أم في مجال علم الاجتماع السياسي.

يزيد أهمية الى حاجاتنا الفكرية الملحاحة الى توفير دراسات متخصصة ورصينة في مسألة الشرعية السياسية في البلدان العربية المعاصرة، أن إفادتنا العلمية من البحوث والدراسات الغربية في الموضوع قليلة، بل نادرة ورمزية، على الرغم من أن تراثهما الفكري غنيّ جداً، وأثبت نجاعته في تحليل الاجتماع السياسي، في المجتمعات الغربية منذ بدايات القرن العشرين؛ أي منذ دشّن ماكس فيبر التفكير بأدوات علم السياسة وعلم الاجتماع في مسألة الشرعية. لكن أكثر ما يفرض حاجاتنا الى التفكير في المسألة هو الواقع السياسي العربي نفسه، والضغط الكثيف لمشكلة أزمة الشرعية فيه: في الدولة والسلطة والنظام السياسي. وإذا كانت وقائع التحوّلات الجارية في الوطن العربي منذ انطلاق موسم الانتفاضات والحركات الاحتجاجية، في بعض بلدانه، في خواتيم عام 2010، قد كشفت عن شيء في بُنى الاجتماع السياسي العربي، والعلاقات الحاكمة تلك البُنى، فإن أظهر ما كشفت عنه هو تلك البُنى، الذي يعود القسم الأعظم من أسبابه الى تلك الأزمة العميقة التي تستبد بالشرعية السياسية ومصادرها.

الأزمة هذه مركّبة: أزمة شرعية نظام سياسي امّحت الفروق بين نماذجه المختلفة، واجتمعت هذه على مضمونه الاستبدادي الواحد، وأزمة “الدولة الوطنية” التي لم تنجح، حتى الآن، وبعد عقود ممتدة من ميلادها وتطوّرها، في أن تبرّر شرعيتها، على الأقل في نظر قسم كبير من “مواطنيها”، من دون أن نحتسب في جملة عوامل أزمة شرعيتها ضغط العولمة عليها وإفقارها التدريجي من أخصّ خصائص الشرعية: السيادة الوطنية. وقد يكون من أعْوَص مشكلات شرعية الاجتماع السياسي العربي دولة ونظاماً سياسياً حالة التماهي، أو التداخل التلفيقي، بين الصعيد العام، الجامع، المجرّد والمتعالي، الذي تمثله الدولة، وبين الصعيد السياسي المفتوح على المباينة في الرأي، والمنافسة في المصالح، الذي تمثله السلطة والنظام السياسي! فالغالب على مجتمعات العرب السياسية أن يختزل النظام فيها الدولة، وأن لا تجد الدولة من تجسيد مؤسسي ومادي لها غير النظام الحاكم! وتبدأ المشكلة من هذا الباب؛ إذ تتحول كل هزّة تعرض للنظام السياسي زلزالاً يتهدد أركان الدولة بالتداعي، وتصبح الثورة على النظام القائم شكلاً آخر من انقسام الدولة والكيان، ومناسبة لإخراج ما في جوف البنى الاجتماعية من انقسامات الى سطح “المجال السياسي”!

تغذّت أزمة الشرعية السياسية، في السنوات الأخيرة، بدخول عامل “جديد” على “خط” تلك الأزمة، هو استفحال حال الاقتران الماهوي بين السياسي والديني في المجتمعات العربية، وفي الحياة السياسية فيها على نحو خاص. ولا يتعلق الأمر، في هذا الاستفحال، بما شهدناه من صعود متعاظم لظاهرة “الإسلام الحزبي”، منذ سبعينات القرن العشرين، وما ألقاه ذلك الصعود من أسئلة قلقة، ومقلقة، حول مصير الاجتماع السياسي ومدنيّة الدولة والسلطة، في البلدان العربية، في ضوء المطالبات المتزايدة بـ”أسلمة” الدولة وفرض تطبيق الشريعة الإسلامية، ولا هو يتعلق، فقط، حتى بميلاد “الإسلام الجهادي” ودخوله معترك العنف السياسي والدموي منذ مطالع تسعينيات القرن الماضي، وإنما هو يتعلق أيضاً – وأساساً – بوصول قوى من هذا “الإسلام الحزبي” الى السلطة في عدة من البلدان العربية منذ نهاية عام 2011. وفي الظن ان ازمة شرعية الدولة والسلطة ستتزايد في المرحلة القادمة، بدخول هذا العامل الجديد فيها، وستتخذ لها اشكالا وعناوين جديدة، وربما تسفر عن تناقضات وصراعات من نوع آخر.

وإذا كان لهذا الطور الجديد من تأزم الشرعية السياسية ان يدل على شيء، فانما يدل على انه ثمرة من ثمار “الدولة الوطنية” التي عجزت، منذ لحظة التكوين والميلاد، وطوال حقبة التطور، عن ان تجيب عن معضلة شرعيتها، وعن انتاج مجال سياسي عصري تمارس فيه السياسة بقواعدها المتعارف عليها، كمنافسة مدنية ومواطنية، وبمفرداتها النسبية! من أزمة هذه “الدولة الوطنية” يتغذى سائر الأزمات الفرعية التي اومأنا اليها: أزمة السلطة والنظام السياسي، ازمة المجال السياسي المستباح لغير السياسة، وازمة التداخل التلفيقي بين الديني والسياسي. لكن هذا الطور (الجديد) من تأزم الشرعية السياسية قد يكون اكثر اطوار ذلك التأزم حدة، فهو يدخل في نسيج تلك الشرعية بعدا ظل فرعياً فيها، منذ قيام الدولة “الحديثة” هو “الشرعية الدينية”، أو قل – للدقة – التسويغ الديني للشرعية السياسية. والمشكلة إنما تبدأ حين ندرك أن “الشرعية الدينية” ليست واحدة عند جميع القائلين بها كما هي الشرعية السياسية واحدة او تقارب!

في الدراسات الأربع* التي يجمعها هذا الكتاب، محاولة التفكير في أزمة الشرعية السياسية في البلدان العربية المعاصرة، في وجوه أربعة منها: في الطبيعة العسكرية للسلطة السياسية، في عدد غير قليل من تلك البلدان، وما ينطوي عليه تسلط المؤسسة العسكرية من دلالات لجهة عسر قيام نظام مدني حديث، وحياة سياسية ديموقراطية ومستقلة؛ وفي تآكل الشرعيات الثلاث – بحسب التحديد الفيبري – للنظام السياسي العربي: الشرعية التقليدية (بوجهيها “الديني” والعصبوي)، والشرعية الكاريزمية (وضمنها الشرعية “الثورية”) والشرعية “الدستورية الديموقراطية” (القائمة على نظام انتخابي صوري ومجرد من مضمونه الديموقرطي الحديث)؛ ثم في معاناة ازمة حادة – في شرعيتها منذ الميلاد، وتزايد عوامل تأزمها في حقبة العولمة، وأخيراً، في عسر قيام نظام ديموقراطي بسبب فقدان مشروعه السياسي، وقواه الحاملة، وثقافته الاجتماعية لدى الجمهور، كما لدى النخب.

سلطت الانتفاضات والحركات الاحتجاجية العربية الاخيرة الضوء على الوجوه الثلاثة الأولى من تأزم الشرعية السياسية التي تناولتها الدراسات الثلاث الأولى في هذا الكتاب: وهي – كلها – كتبت قبل نهاية عام 2010، حيث كشفت عن مقدار تغلغل الجيش في السياسة والسلطة والدولة، ودوره الدافع او الكابح للحياة السياسية الداخلية، وكشفت عن الشروخ العميقة التي اصابت عمران بعض انظمة الاستبداد (دون اخرى اشد استبدادية وتخلفا من تلك التي سقطت)، ثم كشفت عن المدى الخطير التي توشك الدولة على ان تبلغه ازمة شرعيتها: الانفراط والزوال! ان التدخل المزعج لمؤسسة الجيش في يوميات السياسة الداخلية، وتحكمه الشديد بمفاصل السلطة والدولة، واستبدال استبداد حاكم بمشروع رديف له، وانقلاب “الثورة” الى حرب اهلية طاحنه تطوح بوحدة الشعب والوطن والدولة، هو ما نعاين اليوم – ومنذ عام ونصف – وقائعه المنهمرة على غير انقطاع. وهو انما يدلنا على ذلك المقدار المخيف من تأزم السياسة والشرعية في بلادنا العربية. على انه، اذا كانت الانتفاضات و”الثورات” اتت احتجاجاً عليه، فهي لم تحل عقدته، حتى لا تقول ان نتائجها اطلقت فيه طوراً جديداً من الاشتداد والاستفحال!

تحاول الدراسة الرابعة في الكتاب، عن “أزمة الشرعية الديموقراطية”، وكتبت في ربيع العام 2012، ان تطل على هذا المتغير السياسي الجديد الذي انتجته لحظة “الثورة” وهو انتقال السلطة، عبر الاقتراع، الى نخب معارضة نجحت في ان تحصد نتائج “الثورة” من دون ان تكون من صناعها! واذ ترصد الدراسة حال الازمة العميقة في جسم المعارضات العربية – وكنا قد حللناها بتفصيل في كتابنا السلطة والمعارضة: المجال السياسي العربي المعاصر – تنتهي الى التشجيج على ان هذه الأزمة تتمفصل على ازمة النظام السياسي لتولد ازمة الشرعية السياسية العامة، وان الانتقال السياسي الجاري لن يفتح طريقاً امام ميلاد الديموقراطية – مثلما كنا وما زلنا نأمل – وانما هو سيشكل اطاراً جديداً لاعادة انتاج التأزم السياسي عينه. والأنكى ان يعاد توليد ازمة الشرعية باسم الشرعية!

لا تدعي دراسات هذا الكتاب انها غطت اشكاليات الشرعية والمشروعية في المحال السياسي العربي المعاصر، لكنها حاولت التنبيه اليها، وانعاش التفكير فيها بلغة راوحت بين التنظير والتحليل السياسي والاجتماعي، بين احترام الاصول الفكرية لطرح المشكلة واحترام معطيات الواقع السياسي، وعدم ادخالها قسراً – في القوالب النظرية.

عن المستقبل اللبنانية

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف