مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

قصة قصيرة : حالة موت

قصة قصيرة : حالة موت

 abd alhaady

عبد الهادي الفحيلي

خاص بالموقع

هذه المرة كان ذلك حقيقيا, حقيقيا إلى درجة أنني صدمت صدمة فاجعة!

اكتشفت هذا الصباح وعلى حين غرة أنني مت. مت حتى لم أعد قادرا على مجرد فتح عيني! ممدد على فراشي لا أتململ. كل شيء مظلم من حولي ولا صوت تلتقطه أذناي. حاولت الحركة دون جدوى. كنت مشلولا تماما. مشلولا وباردا كقطعة ثلج. كثيرا ما رأيتني أهوي في قرارة الموت ثم أستفيق مذعورا أتصبب عرقا وقلبي يكاد يتطاير من بين جوانحي فأحمد الله على أنني ما زلت حيا. لكن هذه المرة كان الأمر مختلفا وشاقا إلى درجة أنني ابتلعت ريقي بصعوبة كبيرة, لكن كيف سأبتلعه وأنا ميت. ميت جدا!!

الحقيقة أن هذه ليست المرة الأولى التي أحسست فيها بالموت يدب في مفاصلي. سبق أن وجدت نفسي مجرورا إلى عمق بئر مظلم وبارد وأنا أحاول أن أتشبت بأي شيء في طريقي إلى قعره. أغمضت عيني واستسلمت لمصيري بعدما اقتنعت بأنه لا منجي لي من   النهاية المحتومة, ثم انطفأ كل شيء من حولي في لحظة. لم أدر كم مر من الوقت عندما تناهى إلى سمعي صوت آت من مكان بعيد يقول: “إنه يتحرك, ما زال حيا”. خلتني أحلم لكن تبينت بعد ذلك أنه صوت فتاة. فتحت عيني ووجدتني ممددا على بطني على الإسفلت وألم فظيع في أسفل ساقي الأيسر. كانت البرودة تنهش عظامي وأنا أرتعد في مكاني. حاولت القيام فإذا بصديق لي يمنعني من ذلك ويهمس لي: “الحمد لله أنك مازلت حيا ترزق اعتقدت أنك مت, لا تتحرك حتى تأتي الشرطة وسيارة الإسعاف”. وحكى لي كيف كنا نسير على قارعة الطريق عندما صدمتني سيارة من الخلف ورمتني لعشرين مترا وسط الشارع, ولحسن الحظ لم تكن هناك سيارة آتية من الجهة الأخرى وإلا لكانت العاقبة أسوأ. ابتسمت رغم الألم والبرودة الشديدة , كنا في عز الشتاء, وقلت له بصوت ضعيف: “أنا عندي سبعة أرواح مثل قط”. سألته عن صاحبة الصوت الذي أيقظني من الموت. ضحك وربت على رأسي. جاء رجال الشرطة, ثم حضرت سيارة الإسعاف وتم نقلي إلى المستشفى.

كانت أمي تقول لي بعد هذه الحادثة بأن حياتي التالية زائدة لأنني خرجت من قمقم الموت بأعجوبة نظرا لقوة الصدمة والمدة التي استغرقتها شبه ميت والتي قاربت النصف ساعة.

صوت تلك الفتاة مايزال منطبعا في خيالي رغم أني لم أكن في كامل وعيي لحظتئذ. كأنما كان باعثا على عودتي إلى الحياة. من قال بأن الأنثى مصدر شقائنا وخروجنا من الجنة؟؟!

الآن أنا ميت رغم أنني لم أعاين تفاصيل النهاية لأنني أفقت لأجد نفسي كذلك. أحاول جاهدا أن أرتب أفكاري وأتذكر ما جرى قبل هذا الاكتشاف. لا شيء يدور في رأسي الذي كان فارغا. فارغا وباردا. أرسم في مخيلتي بعض الأشياء التي من المفروض أنها حصلت قبل هذه اللحظة. لا شيء. لكني سأحاول أن أرسم بعضها اعتبارا لكوني أحكي قصة موتي. من المفروض أنني نمت في ساعة متأخرة بعدما قمت ببعض الأمور. وأنا نائم أحسست بيدين غليظيتين تهزانني بعنف. استيقظت مذعورا, ربما كنت غارقا في تفاصيل كابوس. حاولت إنارة الغرفة لكن اليدين منعتاني من ذلك. رفعت جدعي ومددت ذراعي لأكتشف ما الأمر. اصطدما بكتلة هائلة واليدان إياهما تضغطان علي لأعود إلى وضعيتي السابقة. كان صوت يهدر في وجهي:” أنت ميت لا محالة”. يطلق قهقهة ارتج لها المكان .جاهدت لأبقى قائما. حولت ذراعي إلى أعلى محاولا ملامسة وجه من يضغط علي.لامست يداي جسما غريبا عليه زغب كثيف جدا. القهقهة تزداد قوة لتزيدني رعبا. بجهد جهيد وصلت يداي إلى الوجه. فوجئت بالزغب الكثيف عليه أيضا. أنف ضخم يستحيل أن يكون لإنسان وفم كبير جدا يصدر صوتا أشبه بزئير يتحول إلى هدير رعد ثم تتوالى الأصوات بشكل مخيف ومتسارع. كان الظلام كثيفا. استمر الوضع هكذا, صراع بيني وبين كائن لا أدري حقيقته والقهقهة إياها مستمرة في التنكيل بما تبقى من قدرة لدي على المقاومة. كيف لي ان أموت؟ لا أريد ذلك لأن هناك كثيرا من الأشياء علي إنجازها والأدهى أنني ما أزال في ريعان شبابي؟ فاجأني الصوت مرة أخرى كأنما ذلك الكائن يقرأ أفكاري:”أنت لا تستطيع أن تتحكم في موتك, ستموت رغما عن إرادتك ولا توجد امرأة يمنع عنك صوتها هذا المآل”. كيف علم بشأن تلك الفتاة؟ وإذ رفعت ذراعي إلى أعلى من الوجه اصطدمت يداي بقرنين أعلى الرأس. هل يمكن أن يكون ذلك الذي كانوا يهددوننا به في طفولتنا؟ أمسكتهما ورحت أتعارك مع صاحبهما وأنا أحس بقوة الضغط ترهقني. فكرت في الاستسلام لكني قلت في نفسي لن أستسلم بسهولة. كان الضغط قويا. ارتخت عضلات ذراعي رغما عني وأحسست بوهن شديد. أغمضت عيني هذه المرة تماما كما حصل في حادثة السيارة أملا في أن أستفيق لأجد ما حدث مجرد كابوس. وأجد صوت أنثى يعيدني إلى الوجود. لكن ما حصل كان عكس ذلك. انتقلت اليدان الغليظتان إلى عنقي وضغطتا. انقطع الهواء عني. انقطع تماما. ربما جحظت عيناي. كان الاختناق فظيعا ورأسي يكاد ينفجر والألم في عنقي يفوق الوصف. حاولت الصراخ بلا طائل. حتى يداي لم تستطيعا أن تأتيا أية حركة. تحركت رجلاي مثلما يفعل خروف تعرض للذبح لكنها كانت حركة واهية إلى أن همدتا. خرج من صدري خيط رفيع تبدد في الظلام ثم لم أعد أعي شيئا البتة.

رؤية من خارج

استفقت على صوت صراخ متفجع من الغرفة الموجودة في سطح الدار. قفزت من فراشي مذعورا. كانت الساعة تشير إلى التاسعة صباحا على جدار بهو البيت. صعدت الدرج راكضا حتى وصلت السطح ودلفت إلى الغرفة الوحيدة هناك لأجد أمي تلطم خديها وتولول بصوت مفجوع وهي تنظر إلى جثة أخي ممددة على فراشه والغطاء منحسر عنها. ساق ممددة والأخرى مثنية والذراعان منتشران على السرير وحول العنق آثار غريبة كأنه كان يتعارك مع شخص ما. لا لم تكن آثار يدي إنسان. كان العنق كله أزرق والوجه شاحبا جدا. رفعت يدا فألفيتها باردة كأنما كانت في ثلاجة. أجلت بصري في الغرفة. الكتب على المكتب منتشرة في فوضى. ورقة مرمية فوقه مرسوم عليها وجه امرأة سريالي الملامح ينبعث من فمها دخان في ثناياه مكتوب:”لا تمت” . على المنضدة الصغيرة بجانب السرير منفضة ملآى بأعقاب سجائر شقراء وأجزاء من سجائر لا أعقاب لها وكأس في قعره شيء من سائل أحمر. زجاجة نبيذ فارغة مرمية بإهمال على الأرض. ورقة بيضاء مكتوب عليها فقرة صغيرة: “كانت أمي تقول لي بأن حياتي بعد الحادثة زائدة والأولى أن أستغلها في أشياء نافعة وأعمل لآخرتي. كنت أضحك. المسكينة, من قال إنني سأموت؟ هي لا تدري بأن ما أعادني إلى الوجود صوت امرأة. ربما هناك دائما امرأة تعتقني من الموت! لكن ما سر الرعب الذي يتملكني عندما أراني في المنام أموت وعندما أستفيق بعدها أتنفس الصعداء حينما أكتشف بأنني حي وبأنه ما زال لدي متسع من الوقت لأعرف نساء أخريات كيلا أموت بسرعة. لكن ما شكل هذا الموت وكيف سأفعل إذا فاجأني ولم تكن هناك امرأة يمنع عني صوتها مصيري المحتوم؟؟!!”

 عبد الهادي الفحيلي

31~12~2011

 

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف