مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

الفصل بين السلطتين المدنية والدينية

الفصل بين السلطتين المدنية والدينية

 20

فرح أنطون

الداعي لفصل السلطة المدنية عن السلطة الدينية خمسة أمور كبرى: الأول: وهو أهمها كلها؛ إطلاق الفكر الإنساني من كل قيد خدمه لمستقبل الإنسانية. وهذا يقتضى شيئاً من التفصيل فنقول:

ما غرض الأديان فى الأرض؟ غرض الأديان تعليم الناس عبادة الله تعالى وحثهم على الفضائل وإصلاح شئونهم بالطرق المذكورة فى كتبها. ولكن ما غرض الحكومات فى الأرض؟ غرض الحكومات حفظ الأمن بين الناس أي حفظ حرية كل شخص ضمن دائرة الدستور. وهذا الدستور لا يجيز أن يؤخذ من حرية الشخص شيء إلا بمقدار ما يجب أخذه لمصلحة الجمهور.

فالشخص في ما عدا هذه الحالة حر مطلق تحت قبة السماء يروح ويغدو متى شاء ويفعل ما يشاء ويقول ما يشاء ويعتقد بما يشاء. إذاً فليست هناك قواعد مقرره ولا طرق موضوعه لتخطيط سلوكه وتعيين فكره لأن غرض الحكومات الأصلي إنما هو حفظ حريته وما يتبعها من ماله ودمه وشرفه. وأما الأديان فهي بخلاف ذلك. لأن فى الأديان طرقاً مخطوطه وتقاليد موضوعه ومبادئ مسطورة يجب على المؤمن الاعتقاد بها. وإذا لم يعتقد بها أستهدف للاحتقار وضياع الحق فغرض الحكومات الأصلي مناقض لغرض الأديان.

وأوضح دليل على ذلك مسألة العلم. فإنك إذا سألت اليوم رجال الدين فى كل مله هذا السؤال: ما قولكم إذا لمع بغتة برق العلم فى هذا القرن أو بعد قرنين أو خمسه أو عشره وأثبت باكتشاف عظيم جديد طريقة وجود الحياة فى الأرض كتولد الكائنات تولداً ذاتياً (وإن كان ذلك مستحيلاً )؛ هل تعتقدون يومئذ بذلك المبدأ وتتركون مبدأكم؟ فلا ريب أنك تعرف جوابهم، وأننا منذ الآن قبل أن تلقى هذا السؤال عليهم ننظر لوائح الغضب الجميل والحماسة البديعة التى تبدو على وجوههم لتوجيهك إليهم مثل هذا السؤال.

ولكن الحكومات المدنية لا تغضب من ذلك، كما أنها لا تطلبه لأن ذلك ليس من وظيفتها. وإنما وظيفتها حماية الإنسان وفى جملتها حرية الفكر، أي البحث بالعقل إلى أعمق أعماق الأسرار الأبدية. ومتى بدا سر الأسرار فليس من وظيفتها مقاومته، كما أنها ليس من وظيفتها حمايته ولكن تركه وشأنه. فإذا كان من السماء قام وإذا كان من الأرض سقط. فكل جديد يجب على “الحكومات المدنية” أن تحترمه احتراماً سلبياً أي ألا تبالي به. ذلك لأن كلمة “الحقيقة المطلقة” لم تسطر بعد فى قاموس الحكومات المدنية لاعتبارها أن العقل الانسانى لم يصل إلى حده بعد، وان العلم لا يزال طفلاً رضيعاً. وأما الأديان فهي على نقيض ذلك. فإن الحقيقة عندها مطلقه ولا حقيقة بعد حقيقتها. وإذا تولت الأديان زمام الحكومات اضطرت بحكم طبيعتها إلى الضغط على الفكر الإنساني كما كان يحدث فى أوروبا وقاومت كل فكر جديد.

ولذلك حدث فى الإسلام والنصرانية ما حدث من اضطهاد العلماء والفلاسفة. لذلك سجن جاليليو، لأنه قال بمسألة يعرفها الأطفال اليوم، وهى دوران الأرض، وأحرق برونو* كما قال الأستاذ**، لأنه قال بوحدة الوجود. وقتل كثيرون غيره، وما السبب فى كل ذلك إلا الخوف من الجديد. ولولا فصل الأوربيين بين السلطة الدينية والسلطة المدنية بإثارة ملوكهم حروباً كثيرة على السلطة البابوية وانتهاء الأمر بتجريد حبر الأحبار الغربيين من كل سلطه زمنيه، لما رسخ التمدن فى أوروبا هذا الرسوخ الذي نراه الآن فيها. بل كان لها الآن تمدن آخر لا نعلم نوعه لنرى رأينا فيه.

والثاني:  الرغبة فى المساواة بين أبناء الأمة مساواة مطلقه بقطع النظر عن مذاهبهم ومعتقداتهم ليكونوا أمه واحده يشعر أعضاؤها بعضهم بألم بعض شعوراً حقيقياً. ولا سبيل إلى ذلك إلا بهدم الأسوار والحواجز الموضوعة بينهم أو أن تحكم بينهم سلطه ليست تابعه لمذهب من مذاهبهم بل توضع فوقهم جميعاً. وهذا لا يمنع أن يكون رجال هذه السلطة مسلمين أو مسيحيين أو وثنيين.

وإنما المقصود ألا يكونوا منصوبين فى منصة العدل التى هي منصة للدفاع عن دين دون دين وتأييد مبادئ دين دون دين، لأن ” الحق البشرى ” الذي أقيموا للدفاع عنه غير منوط بالأديان بل هو فوق الأديان. ولا تصرف لأحد فيه إلا الله وحده. وألا فبقاء تلك الأسوار يجعل الأرجحيه والفائدة دائماً فى جانب القوى فيكون الحق للقوة لا للحق. وفى ذلك ضعف للأمة بالفتن الداخلية والأضرابات، وإهانة للأنسانيه التى خلقها الله عزيزة كريمه، ونقص للحق البشرى الأبدي الذي حرم مسه فى شريعة الله والناس.

والثالث أنه ليس من شئون السلطة الدينية التداخل فى الأمور الدنيوية لأن الأديان شرعت لتدبير الآخرة لا لتدبير الدنيا وما يلزمها بتدبير الدنيا فإنه ينتهي إلى الفشل وإن نجح فى البداية. ذلك لأن دائرة الأديان الإيمان بالقلب أي التسليم إلى الله. ومتى خرجت الأديان عن هذه الدائرة لم تعد شيئاً مذكوراً، ومن ذا الذي يعتقد اليوم أن الأحوال التى كانت فى زمن نشأة الأديان تنطبق على أحوال هذا العصر ومقتضياته التى تتغير من قرن إلى قرن ليصح القول بأن الحاضر يمكن تدبيره بالماضي.

الرابع: ضعف الأمة واستمرار الضعف فيها إلى ما شاء الله مادامت جامعه بين السلطة المدنية والدينية. ويدخل تحت ذلك أربعة أمور : الأول اضطهاد الذكاء والعقل، ولذلك ترى أصحاب العقول والأذكياء يبتعدون عن أكثر رجال الدين، وهؤلاء يبتعدون عنهم لضعفهم وعجزهم عن احتمال قوة ذكائهم وعقلهم.

ولا ننكر أن الخطأ فى ذلك واقع على رجال الدين وعلى ضعفهم وشراهتهم وكبرياءهم لا على الدين نفسه.

ولكن ما العمل إذا كان الدين لا يصل إلى الناس خصوصاً لعامة الشعب المسكين إلا بطرق بشريه كهذه الطريق. فالدين إذن ( أي رجال الدين ) يقاوم الذكاء فى الأمة متى مال الذكاء إلى الاستقلال بنفسه ولو قليلاً.

والأمة محتاجه إلى ذكاء جميع أبناءها. ومصلحتها فى شحذ هذا الذكاء لا فى خنقه، وإلا صارت أله فى أيدي أصحاب الأغراض والعاجزين. فالجمع بين الدين والسلطة المدنية يخفف ينابيع الحياة والذكاء فى الأمة ويسلم حكومتها إلى العجز والجهل.

والثاني أن السلطة الدينية ضعيفة من طبعها.وهذا الضعف يوجب عليها مجاراة العامة إذ لا قوة لها إلا بهم، لأن العامة سواد الأمة وأساسها. وكل حكومة لا تخلو من أعداء سواء كانت ملكيه أو جمهورية. فالحكومة المقرونة بالدين تعلم أن كل غلطه تبدر منها فى الدين يتخذها أعداؤها ذريعة لإثارة الشعب عليها. لذلك لا يكون للحكومة الدينية هم إلا المبالغة فى استرضاء الشعب بالأمور التى يحبها. وهذا هو السبب فى مراعاة الحومات الدينية عواطف العامة ومجاراتها لهم فى كل المسائل حتى ما كان منها مضراً لهم. وذلك أن غرضها أن يكون حفظ كيانها لا تقدم الشعب. وكل شئ يكون جائزاً فى هذه السبيل حتى إثارة التعصب الديني لتبقى حكومة معززة بشعبها. وهى تصنع ذلك فى حين أن خاصة الأمة تحرق الأرم عليها. والحكومات المدنية الغربية تسير أشواطا بعيده فى سبيل القوة والعمران لأنها لا هم لها إلا ترقية شعوبها. ولكن خاصة الأمة مخطئون وهى المصيبة. ذلك لأنها لا تستطيع بحكم الضرورة إلا أن تصنع ذلك مجاراة لطبيعتها ووظيفتها. فقبل لومها لوموا الجمع بين السلطتين عندها.

الثالث: تابع للأمر الثاني الذي تقدم ذكره ولازم عنه. ونريد به وضع سوس فى باطن الأمة ينخرها ويذهب بقوتها وحياتها.

وهذا السوس هو الشقاق الديني الذي لا يخف ولا يبطل إلا متى أقيم ميزان العدل والمساواة المطلقة بين جميع العناصر. وذلك لا يكون إلا بواسطة الحكومة المدنية لا تفضل أبناً على ابن من أجل مذهب أو اعتقاد، إلا إذا كانت بعيده من العدل والنزاهة. وأما الحكومات الدينية فإن من يطلب منها مساواة غير أبنائها بأبنائها مساواة مطلقه يطلب شيئاً فوق طاقاتها. اللهم إلا إذا كان رؤسائها من الملائكة أو من الآلهة الذين لا تنفذ إلى نفوسهم شهوات البشر وأهواؤهم. ومن سوء حظ البشر فى الأرض أن الملائكة والآلهة لم تتنازل بعد إلى النزول لرئاسة حكوماتهم ولو عاماً واحداً. ومتى كان سوس الشقاق الديني يأكل أحشاء الأمة فقد قضى عليها بالضعف والانحطاط. ذلك أنه يكون فى باطنها فئتان فئة قويه متمتعة بكل حقوقها وفئة ضعيفة مهضومة الحقوق. وبما أن الإنسان يعرف بغريزته أن “الحق الأنسانى” لا يجوز أن ينقض ولا أن يسلب فهو يضطر بسائق غريزته وحرصه على البقاء إلى الأستعانه بكل قوي يرضى أن يغيثه. ومعلوم أن الدول فى الأرض كالنسور تحوم حول الفرائس فكلما سنحت لإحداها فرصه للمداخلة فى شئون دولة أخرى أقدمت على ذلك، وأي أقدام طلباً لمصلحتها قبل كل شئ ثم إجابة للمستغيث بها. وأحياناً يكون المستغيث مخدوعاً فتتخذه الدولة المتداخلة ذريعة إلى قضاء أغراضها. وهناك الطامة الكبرى لا على فريق فقط بل على الجميع إلا القوى المتداخل بحجة “الغيرة”، ولا يكون غرضه الحقيقي إلا ” الإغارة” ليصيب منفعته.

الرابع: وكما لزم عن الأمر الثاني هذا الأمر الثالث فإنه يلزم عن هذا الأمر أمر رابع.

وهو تعريض المبادئ الدينية المقدسة لأوحال السياسة وذلها وكذبها ومفاسدها. وهنا مسألة من أجدر المسائل بالاهتمام. إذ ما السياسة اليوم؟ هي كما عرفها الأستاذ فى رده الرابع حين قال: “أعوذ بالله من السياسة ومن لفظ السياسة ومن معنى السياسة، ومن كل حرف يلفظ من كلمة السياسة ومن كل خيال يخطر ببالي من السياسة، ومن كل أرض تذكر فيها السياسة، ومن شخص يتكلم أو يتعلم أو يجن أو يعقل فى السياسة. ومن ساس ويسوس، وسائس ومسوس. أن هذا السياسة كأنها الشجرة التى تخرج فى أصل الجحيم. طلعها كأنه رؤوس الشياطين. فأنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون”. ولكن لماذا أقام الأستاذ هذه القيامة على السياسة. السبب أنها فى رأي تسبب الجمود فى الأديان. وأما نحن فإننا نذمها لأمر أخر. نذمها لأنها غير مبنية على الإخلاص والإخاء. فأن الدول فى جميع أقطار الأرض وخصوصاً الكبرى منها إنما هنا اليوم بمثابة أغوال هائلة مسلحه بالأسلحة الجهنمية، وكل واحده ترصد رفيقتها وتنظر إليها شرراً بعين وتغازلها بعين أخرى. ولو كان الآن فى العالم دولة واحده متيقنة أنها إذا هاجمت الدول قهرتهن وجمعتهن كلهن فى بطنها تحت رايتها كما كان يقصد نابليون الأول، لما ترددت فى الشروع فى ذلك منذ الغد. فالرياء هو أساس السياسة فى هذا الزمان. الرياء من القوى ومن الضعيف. ومن المعلوم أن الرياء يجر وراءه كثيراً من النقائص والرذائل. فكيف تستطيع الحكومات الدينية أن تدخل فى هذا المضمار وتخرج منه

ظافرة سليمة المبدأ. قلنا “ظافرة” لأن العبرة بالظفر والغلبة حين الخروج من ميدان الزحام لا الخروج فقط. فأن الإنسان مقدور له الخروج دائماً من كل زحام ولكن الأمر الصعب الذي يظهر فضله خروجه منه ظافراً. وكيف ينال الظفر إذا لم تحارب الحكومة الدينية الحكومات المدنية بسلاحها أي الرياء والكذب والمصانعة. ولكن هل تجوز الأديان أن يرائي رؤساؤها ويدخلوا فى حمأة السياسة وأوحالها. وإذا جوزت ذلك ألا تتلطخ الأديان نفسها بوحل السياسة. ألا تصير قاعدتها تلك القاعدة المشهورة ” الغاية تبرر الواسطة “. وأية قدوه تكون للشعب يومئذ من جراء ذلك. وأين تكون مبادئ الكمال الدينية العليا التى يجب أن يكون الرؤساء صورة لها. فالسياسة من هذا الوجه تضر مبادئ الدين والإيمان ضرراً أدبياً عظيماً. ولذلك يجب أبعاد الدين ورؤسائه عن السياسة… ولو كان الأمر مقصوراً على هذا الحد لكان الخطب يسيراً. ولكن هناك مسألة أخرى. فأن نابليون الأول لما يأس من امتثال البابا لإرادته المطلقة هاجمه فى روما فأسره وأتى به ذليلاً إلى فونتبلو فى باريس. فأية ضربة أشد من هذه الضربة على السلطة الدينية التى هي خليفة الله فى الأرض. وما الموجب لإنزال رؤساء الأديان فى هذه المنزلة من الذل والضعف تحت أيدي الملوك. أليس الأفضل للجميع فصل السلطة الدينية العليا عن السلطة المدنية، حتى إذا حدث ضغط أو ذل أو أي شئ كان حدث على الحكومة المدنية فقط. وكانت الرئاسة الدينية العليا فى حصن من الكرامة والإعزاز. فكأنها على أبواب السماء لا يصل إليها شئ من غبار الأرض.

الخامس: والخامس وهو الأخير ” استحالة الوحدة الدينية ” وهذا أمر من أهم الأمور وهو أكبر الأسباب التى دعت إلى الفتن والاضطرابات فى الإسلام والمسيحية. وإلى هذا السبب ننسب كل الحوادث الدموية التى حدثت فيهما.

وبيان ذلك أن لكل دين شريعة واحدة. وهذه الشريعة يقوم بها رئيس واحد يكون إليه مرجع السلطة العليا. وبما أن هذا الرئيس المفرد هو مرجع السلطة على جميع تابعي مذهبه فى كل تلك البلاد. وهنا مشتبك المصالح والزحام على السلطة والرئاسة. فأن الأرض ليست كلها أمة واحده بل هي أمم مختلفة المصالح متضاربة المذاهب. ففيها الأنجليزى والفرنسوى والألماني والعثماني والأمريكي والايطالى وهلم جرا. ولكل واحده من هذه الأمم مصالح تناقض مصالح رفيقتها وبعضها أعداء لبعض. فإذا كان البابا مثلاً رئيساً للدين المسيحي وحاكماً لإيطاليا وهو ذو جيش وقوه تهابه الدول صارت له مداخله فى شئون كل دوله من تلك الدول، لأن الكاثوليك منتشرون فيها كلها وهم خاضعون حتماً لرئاسته. وهؤلاء المرؤوسون يكونون فى كل دين وكل مذهب قسمين يسمونه “الخاصة” وهو الذي يفضل مصلحته الوطنية على كل شئ وقسم يسمونه “العامة” وهو الذي يفضل المسائل الدينية على كل شئ،ولذلك كان بعض العامة الذين هاجوا فى هذا العام فى مقاطعه فى بريطانيا الفرنسويه لإقفال الحكومة المدارس الدينية فيها. يجاوبون من يسألهم “لماذا تصنعون هذا ألستم فرنسويين” – بلى ولكننا مسيحيون قبل كل شئ، فهنا ظهر النزاع بين التعصب الديني وعاطفة الوطن بأشد مظاهره. ولو أن حكيم الكنيسة الكاثوليكية البابا لاون الثالث عشر أمرهم يومئذ بالمقاومة والثورة على الحكومة بدلاً من التزامه السكوت الذي ألتزمه لحكمته ورزانته، لثارت فى مقاطعات فرنسا حرب أهليه لا تخمدها الحكومة إلا بجيش كثيف. كل ذلك وأهالي مقاطعة بريطانيا يعلمون أن البابا لا حول له ولا قوة إلا القوة الروحية. فلو كان ذا سلطه مدنيه أي لو كان عنده جيش مسلح مدرب على القتال كما كان قبل سلخ السلطة المدنية منه بتوحيد ايطاليا واستيلاء الملك فيكتور عمانوئيل على روما، لما أستطاع البابا أن يكون حكيماً إلى هذا الحد. ولثارت بينه وبين فرنسا حرب كان يحارب فيها بجيشين جيش داخلي وجيش خارجي، كما كانت تثور الحروب بينه وبين ملوك أوروبا فى ماضي الزمان من أجل أمور كهذه أو أصغر منها. ولذلك كانت مصلحة حكومات أوروبا قائمه بالاتفاق على مقاومته لإظهار ضعفه وكف يده عن المداخلة فى شئون دولهم الداخلية وهذا أمر لازم عن السلطة الدينية.

وما عدا هذه المداخلة الأجنبية فى شؤون الأمم فهناك نظر آخر. وهو أن العقل البشرى مطبوع على الاختلاف والتباين. تأملوا. هل تجدون أمتين بل عائلتين بل رجلين بل أخوين أو أختين بأفكار واحده وأخلاق واحده. فالكون مطبوع على التنوع. وهذا التنوع سبب جماله وإلا فإنه لو كان كله على وتيرة واحده وعلى نسق واحد لكان كله ضجراً ومللاً. وهذا ما يسميه الفلاسفة ” التنوع فى الوحدة ” فالتنوع إذاً لابد منه فى الأشياء والأشخاص والأفكار والمعتقدات.

هكذا خلق البشر وعقولهم ومن يطلب وحدتهم فإنه يطلب أمراً مستحيلاً ( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ). وهذا سبب تشعب المسيحية إلى أرثوذكس وكاثوليك ونساطره وموارنة وبروتستانت وأقباط وأحباش وهلم جرا.

وهذا أيضا سبب تشعب الإسلام إلى سنه وشيعه وفرق كثيرة. وهذه المذاهب كلها ( اسلاميه ومسيحية ) إنما تشعبت لاختلاف أفهام الناس واختلاف مصالحهم ومنافعهم وعاداتهم وأخلاقهم، ورغبة كل فريق منهم فى أن يعيش مستقلاً فى بلده وقطع كل يد أجنبية عن المداخلة فى شئونه. فكيف والحالة هذه يمكن توحيد هذه المذاهب وإخضاعها إلى رئاسة وحيده. وما الطريق المؤدية إلى هذه الوحدة.

إن البشر يلتمسون هذه الطريق منذ نشأة الأديان إلى الآن دون أن يجدوها. ولقد كانوا يرون من قبل أن الطريق هي “القوه”، ولذلك قام الكاثوليك على البروتستانت وسفكوا دماءهم فى مذبحة سان برتلماى كما ذكر الأستاذ. ولذلك أيضاً أمر لويس الرابع عشر*** ” الملك المتمدن ” بخروج البروتستانت من بلاده إذا كانوا لا يعودون إلى الكنيسة الكاثوليكية. فكان فى ذلك ارتقاء مدنية انجلترا على مدنية فرنسا فى ذلك الزمان لالتجاء البروتستانت الفرنسويين إليها، وكانوا كلهم من أهل الصنائع والفنون. فهل كان الملك لويس الرابع عشر متعصباً ليطرد البروتستانت من مملكته. كلا ولكنها السياسة – السياسة التى يكرهها الأستاذ- هي التى ألجأته إلى طلب الوحدة الدينية ظناً منه أن البروتستانت يكونون أعداء لمملكته فى الداخل وعوناً لانجلترا عليه. ولذلك أيضا أنشئ ديوان التفتيش فى أسبانيا لمحاربة جاحدي الأديان أو مؤوليها تأويلاً لا ترضاه الكنيسة.

فالوحدة الدينية أو (السياسية) هي الغرض الوحيد من كل تلك الفظائع.

ولا ينكر أحد أن كثيرين من رجال الدين الجهلاء كانوا يقصدون يومئذ بذلك الاضطهاد إرواء غليل جهلهم من دماء “الكفرة”، ولكن جميع المؤرخين المنصفين الذين يعتد بروايتهم ونقلهم مجمعون على أن غرض الكنيسة إنما كان الوحدة الدينية. فإنها كانت تنظر إلى تلك المبادئ الجديدة والتشعبات الجديدة نظر رجل تكاثرت الأعداء حول بيته وخشي على مستقبله. فلم يبق أمامه إلا طريقان: الأول أن يحاربهم ويستأصلهم من طريقه. والثاني: أن يخرج من البيت ويتركه لهم. وهذا الأمر الأخير ليس فى طاقة الإنسان وربما كان أيضا فوق طاقة الملائكة.

وما قلناه فى المسيحية نقوله أيضاً ولكننا لا نفصَّلّه فى الإسلام كما فصلناه فى المسيحية لأننا لا نريد الدخول فيه، بل نكتفي بالأشاره. وإنما نقول هنا فقط أن السبب الأكبر الذي سقطت من أجله دولة بنى عباس بعد عزها ومجدها هو عجزها عن حفظ “وحدتها” بالدين، وعدم مقدرتها على الالتجاء إلى وحده أخرى تحفظ بها نفسها بالرغم من كل ما صنعه الخليفة العظيم المأمون فى هذا السبيل. وبما أن الدول الكبرى لا تقوم، وعلى الخصوص لا تدوم إلا “بالوحدة” وكانت الوحدة الدينية أمراً مستحيلاً كما قدمنا، فقد كان من الضروري سقوط دولة بنى عباس. وبسقوطها انتهى وا أسفاه مجدا العرب فى الكره الأرضية.

هكذا كانت طريقة البشر فى الزمن الماضي أي إخضاع الناس للوحدة الدينية “وبالقوة” لبناء الملوك والرؤساء مصالح الأمة وحياتها على هذه الوحدة. أما اليوم فقد أرتقت الأنسانيه عن هذا المطلب. وصار لها هم أخر فأنها تحققت بعد التجارب العديدة الماضية الدموية والغير دموية أن البناء على الوحدة الدينية كالبناء على الهباء. ولذلك تركت الدين ( للأسباب التى ذكرناها فى الأمور السابقة ) وصارت تطلب الوحدة من طريق “الوطنية”. وهذا ما قصدته فرنسا فى هذا العام ونشأ بسببه الاضطراب فى مقاطعاتها البريطانية، مما فصلته التلغرافات فى حينه. وبينا ذلك بالاختصار أن الحزب الراديكالي والحزب الأشتراكى القابضين الآن على أزمة الحكومة الجمهورية الفرنسويه ( رغماً عن الجمهوريين المعتلين، إذ لأولئك الأكثرية فى مجلس النواب) قصداً فى هذا العام إقفال مدارس الرهبانيات فى فرنسا، بموجب النظام الجديد المسنون فى العام الماضي، بحجة أنها غير مأذونه من الحكومة. وكان غرضهما الحقيقي المضمر إبطال جميع مدارس الرهبانيات. ذلك لأن التلامذة الذين ينشأون فى هذه المدارس يخرجون منها وهم كارهون للجمهورية والحرية ومستحسنون الحكومات الملوكية والدينية، فيكونون لهذا السبب فى نزاع دائم مع التلامذة الذين ينشأون فى مدارس الجمهورية. ومتى كبر الفريقان وصارا رجال الأمة كانا بمثابة أمتين مختلفتين متنافرتين فى باطن الأمة. فغرض الجمهورية من إلغاء مدارس الرهبانيات توحيد هذين الفريقين أي توحيد التعليم، وتربيتهما على مبادئها فى مدارسها الجمهورية الرسمية المعزولة عن الدين والسياسة، إذ لا غرض لها إلا تلقين العلم والأدب صرفاً. ومن نظامات هذه المدارس، أنه لا يجوز فيها ذكر الدين قطعياً لأن الجمهورية تفصل كل مصالحها وإدارتها عن الدين، حتى أن رئيس الجمهورية نفسه لا يجوز له أن يذكر أسم الله والعناية الألهيه فى خطبه. وإذا ذكره قامت عليه قيامة الغلاة (وكلهم مسيحيون) واتهموه بخرق حرمة الدستور الذي أنما ولي لحفظه. وهذا ما يسمونه “بالحياده” أي أن الدين لا دخل له فى الدولة وإنما مقامه فى العائلة والكنيسة. والغرض المقصود من هذا الفصل القطعي اجتناب المضار التى تقدم بسطها فى الأمور الخمسة السابقة واستئصال أسباب الشقاق بين أبناء الوطن لجعلهم بالوطنية أمة واحده لا غرض لهم إلا مصلحة وطنهم.

ولكن هذه الطريقة الجديدة التى صارت الحكومات المدنية تلجأ إليها فى هذا الزمان لتكوين الوحدة فى أممها لا تسلم من الاعتراض أيضاً.

فإن الجمهوريين المعتدلين ينكرون على الجمهوريين الراديكاليين والاشتراكيين الضغط على الرهبانيات وتحريم التعليم عليهن، لأن فى هذا الضغط والتحريم نقضاً للحق الأنسانى الذي تقدم ذكره – ذلك الحق الذي لا يجوز نقضه – وضغطاً على حرية أهل الأولاد وحرية التعليم والاعتقاد. وهم يقولون أن الحكومة المدنية إذا فعلت هذا الفعل أشبهت الحكومة الدينية كل الشبه لأنها ترغم فريقاً من أهلها بأمور لا يريدونها وتجعلهم فى الأمة بمثابة فئة ذليلة مغلوبة. ولكل واحد من الفريقين أدله وبراهين قويه تؤيد رأيه. وقد طالعنا فى هذين العامين كل ما نشرته بهذا الموضوع الطان والديبا والغولوى والماتين والفيجارو والأورور**** وهى بين جمهورية وملكيه واشتراكيه. وتفصيل ذلك خارج عن موضوعنا الآن فربما عدنا إليه فى فرصة ثانية.

فيتضح إذا من كل ما تقدم أن النزاع بين البشر إنما كان فى الماضي وهو فى الحاضر لمسائل سياسية غرضها الأكبر “تكوين الوحدة” والخوف على الأمة ومصالحها من الأمور الجديدة التى يسمونها ” بدعاً ” – وهذا تاريخ كل دين وكل أمة. وما من فرق بينهن فى ذلك من حيث طبيعة الأمة نفسها، لأن هذه الطبيعة تتوقف عليها الطرق التى تستعملها الأمم للوصول إلى ذلك الغرض. فالأمة التى تكون عناصرها شرسة غليظة تكون قاسيه إلى أقصى حدود القوة، والأمة التى تكون لينة المراس تكون خفيفة الوطأة حتى إذا استعملت الشدة. وإذا كان الأسوانيون المسيحيون فى أسبانيا والبربر والعناصر  الغربية فى الأندلس والمغرب والمشرق قد أتوا من الفظائع ما ترتعد لهوله فرائص الإنسانية، فنحن فى مقدمة الذين لا يوقعون تبعة هذه الفظائع على جميع العرب وجميع الإسلام وجميع المسيحية وجميع المسيحيين كما صنع الأستاذ. لأنه من الواجب فى شرع الإنصاف حصرها فى الشعب أو العنصر الذي أرتكبها. ذلك لأنها مسألة بسيكولوجية اقتصاديه أي أنها تابعه لمزاج الشعب وأخلاقه مصالحة وقلما كان للدين فيها شأن كبير.

فبنا على هذه الأسباب التى تقدمت فى الأمر الأول والثاني والثالث والرابع والخامس فى هذا الباب – نعيد هنا ما قالته الجامعة، من أنه لا مدنية حقيقية ولا تساهل ولا عدل ولا مساواة ولا أمن ولا ألفه ولا حرية ولا علم ولا فلسفه ولا تقدم فى الداخل إلا بفضل السلطة الدينية. ولا سلامه للدول ولا عز ولا تقدم فى الخارج إلا بفصل السلطة المدنية عن السلطة الدينية.

تحرير: داليا وصفي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*برونو: عاش من 1548 حتى 1600، مفكر ايطالى سجن وقتل فى 1600 لآرائه الفلسفية والدينية.

**الأستاذ هو محمد عبده الذي تبادل فرح أنطون مناظره معه وهذه المقالة هي رد فرح أنطون على الأستاذ.

*** عاش من 1638 حتى 1751، ويسمى ملك الشمس الفرنسي، وكان فى قمة الاستبداد والشمولية فى فرنسا طرد البروتستانت، وألغى بيان التسامح بين المذاهب، وفى عهده هاجر أكثر من مائتي ألف بروتستانتي من فرنسا.

**** صحيفة فرنسيه كانت تصدر فى هذا الوقت.

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف