مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

قصة قصيرة : في الغابـــــــــــــــة

قصة قصيرة : في الغابـــــــــــــــة

 aaa

القاص والروائي المغربي : محمد زفزاف

علمنا أن الغجر خيموا هذه المرة في الغابة. يأتون مرتين أو ثلاثا في السنة. يتوقفون قليلا، أسبوعا أو أسبوعين ثم ينصرفون إلى مكان لا نعرفه، ليس لهم مقر يعودون إليه بالضبط مثلما قد تفعل الطيور. ينصبون بعض الخيام، وقد لا يفعلون. بل ينامون في جوف سياراتهم الكبيرة العتيقة من صنع أمريكي. يعلقون ثيابهم على نوافذ تلك السيارات وأغطيتهم فوقها. وأحيانا على حبل مشدود بين سيارتين، أو بين سيارة وشجرة. هذه المرة حطوا في الغابة. قال حمو:

– إن عددهم كثير. وليسو قذرين مثل أولئك الذين سبق أن شاهدناهم.

قال عَدّي:

– هل معهم بناتهم الجميلات.

قلت:

– إنهن جميلات رائعات، لكن كيف الحصول على واحدة منهن؟

رد حمو:

– الأمر سهل. ربطة من الكيف. إنهن يحببن ذلك كثيرا.

– إنهن لا يتحششن، بل يشربن النبيذ.

– لا. هناك من يردن ذلك. سوف ترى، إنهن جميلات رغم أنهن قذرات.

– ليس أقذر من أختك الحافية القرعاء.

– لا تشتم أختي.

– أختك قمر الزمان.

– ليست غجرية على كل حال.

قال عدّي:

– رائحة الغجريين كريهة. تزكم الأنوف من بعيد. لا شك أنهم يكثرون من أكل لحم الخنزير. يقال ان أكل لحم الخزير يكثر من الصنان.

– كثير من الناس مصننون ولا يأكلون خنريرا. ولد الشرقاوية أزفر كذئب رغم أنه لم يأكل خنزيرا قط.

قلت:

– ماذ يهمنا نحن من كل ذلك. المهم عندنا هو الحصول على واحدة من بناتهم. انهن سمراوات وجميلات وذوات شعر أملس وأسود. آه. كم أحب أولئك الفجريات

– ياليت لو كنت واحدا منهم!

– إنهم لا يقبلون أحدا. مثل إليهود.

– يقال إنهم كانوا عربا مسلمين مثلنا. ولكن الله مسخهم. فهم لا يعبدونه.

وقالت والدة المختار، وهي تهوي عليه بعصا ما بين الكتفين:

– أنت لا تريد أن تفترق عن ولد فلانة وفرتلانة وكريطة وزعطوطة. سيأخذونك هذه المرة أيضا عند أولئك الكفرة المتسخين القذرين الذين أخرجهم الله من رحمته ولا ندري من أية قاهرة كحلاء يأتون.

تحمل المختار الضربة وشتم أمه بصوت لم نسمعه، وابتعد عنا وعنها وهو يحفر التراب بقدمه مثل حيوان مهتاج. كانت والدته ما تزال تتحدث وقد التقطت العصا التي أفلتت من يدها:

– الموسم الماضي يا ابن الكلب. كاد زنطيطك أن يقطع، وأصابه جرب وقيح، لأنك تقترب من نسائهم.

أخذنا نضحك.

– إنهم يضحكون منك. يدفعونك إلى الهاوية ويتراجعون.

مشت نحو بيتها وهي تزحف. قذرة، حافية، قدماها متسختان. ولا أحد يدري فيما إذا كان الله في السماء، قد طردها من رحمته مثلما قالت عن أولئك الغجر. هل حقا كل قذر حافي القدمين مطرود من رحمته؟ نحن أيضا كنا حفاة واحد منا يضع حذاء نسويا، التقطه من مزبلة ما، لونه أحمر فاقع لامع مثل تلك الأحذية التي تصنعها النساء اللواتي لم يخرجن من رحمته، وهن يستعدن للسهرات. لكنها توقفت جنب سور يكاد يسقط، سور ملصق بمسامير وأعمدة خشبية هزيلة وعلب قصديرية بسطت ودقت حتى صارت ألواحا.طقطق السور. كادت تسقط مع السور، لكنها تحاملت على نفسها ووضعت يديها على خاصرتيها. انحسر ثوب قشايتها، فأبان عن ساق عجفاء، مغطاة بالرضوض والكدمات. العصا كانت بين ساقيها مائلة، شبه مغروسة في الأرض، متجه رأسها نحو الرحم. تقول كلاما قبيحا وتنعتنا بأننا أبناء لآباء ليسو رجالا، وإنما هم شيء آخر، شيء قبيح وعيب. وصفت آباءنا بشيء لو سمعوه منها لقتلوها أو اقتتلوا فيما بينهم، لأن إطلاق تلك الصفة على العرب والمسلمين فيه هدر لكرامتهم، والعرب والمسلمون هم أكثر الناس حفظا على أشياء معينة في الدنيا. وهم لا يشبهون الفرنسيين والألمان والأمريكيين واليهود. فهؤلاء أنجاس والعياذ بالله. وقد أعطاهم الله الدنيا ليعطينا نحن الآخرة. وقتل فيهم تلك الأحاسيس التي نقتل نحن من أجلها أو نقتتل. لذلك انتفض عدّي وقال انه سيذهب ويغتصبها أمام ابنها، فقلنا ذلك لا يليق بنا ولا به، والأولى أن يفعل ذلك ابنها إذا كان رجلا حقا، وليست فيه تلك الصفة التي وصفت بها آباءنا. اختفت عن أبصارنا بعد أن قالت كلاما آخر لم نسمعه. انضم إلينا ابنها وقال وهو يشير إلى ما بين كتفيه:

– إنها حمقاء. لا تهتموا بها.

– ولو كانت أمي لعرفت كيف أؤدبها، غير أنها كانت على حق، لقد فضحتك ذهبت خفية منا عند الغجر في الموسم الماضي.

– إنها تخرف فقط لقد حصل ذلك في مكان آخر.

– هذا غير مهم. لا بد أن ندبر ربطات من الكيف، ونذهب إلى الغابة، حيث يختم الغجر.

– قيل إنهم يتحدثون اللغة الاسبانية.

– يمكنهم أن يكونوا اسبانيين. فالأسبان عام الجوع كانوا يعيشون على لبن الماعز، ويعيشون على بيع الشورو إذا ما توافد الدقيق. إنهم أيضا فقراء مثل العرب والمسلمين، وهم كذلك، لأنهم أقرب إلينا في الدم، وربما دخلوا الجنة معنا.

عندما علم من هم أصغر منا بنبأ وجود الغجر، حاولوا أن يلتصقوا بتلابيبنا مثل لعنة خبيثة. لكننا عرفنا كيف نتخلص منهم، ومن الأكيد أن ولد لالة النساء سيكون قد سبقنا إلى الغابة. فهو يفعل أشياء أكبر من سنه، ويمكنه أن ينافسنا في كل ما يخطر أولا يخطر لنا على بال. اخترقنا الأزقة المحفورة والمتربة، المغطاة بجلطات المياه العفنة، لأنه لم تكن هناك مجار للمياه. كنا مشينا نحو نصف ساعة حتى أشرفنا على الغابة، وعندما تجاوزنا الطريق المرصفة المخصصة للأوتوبيس، لاحت لنا أشباح سيارات وبشر وأبقار وماعز. في الحقيقة لما اقتربنا منهم لم تكن هناك أبقار ولا ماعز : قال حمو:

– إن عددهم ليس بالقدر الذي كنا نتصور.

– يمكن أن يكون هناك آخرون متفرقون في الغابة

– إنهم لا يتفرقون أبدا. لا يحلون ولا يرتحلون إلا جماعة.

– يمكن أن يكونوا داخل الخيام.

أشار إلى بعض الخيام المنتشرة هنا وهناك، مربوطة إلى جذوع الأشجار.

قال المختار:

– يجب أن نتظاهر بأننا مؤدبون حتى لا يحترسوا منا.

قال عَدي:

– انظروا إنه الكلب ولد لالة النساء. يجر معه طفلين آخرين.

وقف بعيدا ينظر إلينا في خوف، صدره عار وكان يرتدي فقط نصف سروال، رميته بقطعة حجر وأنا أشتمه. تجنبها وكادت أن تشج رأس أحد الصبيين.

قال حمو:

– دعوني أذهب لأغتصبه. إن ذلك الجرو القذر يستحق كل ذلك.

قلت:

– اتركه. أنه لن يقترب أكثر.

قال المختار:

– يجب أن نتفرق حتى لا نبعث في الغجربين الشك.

– صحيح. أنهم يشكون في أدنى المخلوقات. لا يبيعون لهم ولا يشترون منهم.

– ليس صحيحا إنهم يبيعون للناس بعض الأشياء الغريبة. وأحيانا يشترون منهم ما يقتاتون به. إذا ما نفدت يأتون بها معهم. قلت ” يجب أن نفترق إذن”، ثم تفرقنا، ذهبت وانبطحت قرب إحدى الخيمات تحت ظل شجرة وارفة جدا. الآخرون، كل واحد منهم أختار طريقته للتقرب من الغجر، تظاهرت بالنوم، فأحسست بأحد كلابهم يلعق قدمي الحافيتين. أصبت برعب لكني لم أسحب قدمي للتو حتى لا أثير الكلب. فينشب أنيابه في ساقي أو في مكان آخر من جسدي. نطت ضفدعة بالقرب مني على الحشائش التي تنبت بكثافة عند أصل الشجرة. رآها الكلب فتخلى عني، والتحق بالضفدعة. أخذ يناوشها بأظافره وهو يهر هريرا خافتا. ظل يفعل ذلك طويلا حتى صارت مثل جلدة وقد تمزقت أمعاؤها وتعفرت بالتراب. سكن الكلب. ثم أقعى بالقرب من بقاياها. كان ينظر الآن إلى الأمعاء والى القوائم التي تحملت ضربات أظافره المتلاحقة فلم تتفسخ. سقطت بلوطة على رأس الكلب فهر ثم نبح. وانسحب إلى مكان آخر خلف السيارة، وكان صراخ الغجر يرتفع هنا وهناك، كأنما يتشاجرون. رأيت ولد لالة النساء بدون الصبيين يقترب مني، فقلت له:

– يا كلب، إذا لم تعد إلى بيتكم، فان ما سأفعله لك لن أقوله حتى أفعله.

قال بمسكنة وجبن.

– تعال انظر هناك. لقد خرجت بعض الغجريات، إنهن يطبخن شيئا ما.

– أين؟

– هناك، وراء تلك الخيمة.

التحق بي عدي:

– لقد تجولت قليلا، إنهم كثيرون كما لم نكن نتصور. لقد وجدت بعضهم يلعبون الورق. اقتربت منهم فابتسموا لي وتحدثوا إلي لكني لم أفهم ما يقولون رأيت غجريا عاريا تماما يفرغ على جسمه سطلا من الماء البارد، والآخرون لا يهتمون به إطلاقا

– لا يخجلون من فعل ذلك، فهو شيء عادي عندهم. هل أنت متأكد أن الجسد العاري لم يكن جسد امرأة؟

– هل تمزح؟ إن جسمه في حجم جسم بغل، وشاربيه في كثافة ذيل حمار.

قلت: – أين اختفى المختار وحمو؟

– لا أدري. لا شك أنهما عثرا على شيء. أوهما ممددان الآن تحت إحدى الأشجار. يرقبان الغجر عن بعد أو عن قرب ككلبين، ينظران إلى طعام لم يستطيعا الحصول عليه.

– نذهب للبحث عنهما. المختار له قدرة خارقة على الحصول على الغجريات، مثلما كانت له القدرة على اصطياد الذباب في الجامع.

مشى عدي أمامي، وأخذنا نخترق جماعات الغجر المبثوثة على طول مساحة متوسطة الكبر. كانت بعض الأباريق والمواعين منصوبة على مجامر أمام الخيام، وقرب السيارات الأمريكية العتيقة. اختفى ولد لالة النساء عن صبعا، اختفى الصبيان كذلك، كانت بعض العيون تنظر إلينا وتبتسم. وبعضها لا يعيرنا أدنى اهتمام. جاء غجري صغير وأعطاني نصف برتقالة. كان للبرتقالة طعم خاص، لذيذ بشكل لا يتصور. أعطيت قليلا من نصف البرتقالة لعدي، التهمه بسرعة. ركض الغجري الصغير جهة الخيمة. فخرجت أمه، في ثياب مزركشة ومفتوحة عند الصدر يظهر ثدياها وشعرها الأسود الفاحم يكاد يغطي وجهها. ومع ذلك ظهر بريق عينيها وابتسامتها الرائعة. لكنها سرعان ما اختفت.

وقال عدي:

– يا الهي! كيف الحصول على مثل تلك الجميلة؟

– لن تحصل عليها، حتى ولو قطعت أصابع يديك من أجلها.

– إنها جميلة حقا.

– أجمل من ملاك. هيا نكمل البحث عن المختار وحمو.

استمررنا في اجتياز وتخطي بعض الحبال المربوطة في كل مكان. كنت أتساءل، كيف يمكن لي أن أستميل غجرية واحدة. وأنا لا أعرف لغتها. بأية لغة أتحدث إليها. المختار يعرف كيف يتحدث بيده ورأسه وعينيه. انه حاذق في ذلك. مثلما كان حاذقا في اصطياد الذباب. لم نعثر لها على أثر، ولا شك أن ولد لالة النساء ذهب هو الآخر ليبحث عنهما. كل شيء ممكن. ما يمكنه أن يخطر على بالنا يمكنه أن يخطر على بال ولد لالة النساء. ذلك شيء غريب، لكنه حقيقي، وتكرر مرارا. انه يشم نوايانا، عندما يركز نظراته فينا ونحن نتحدث. تلمع عيناه ببريق عجيب تحت حاجبيه الكثيفين. كان له وجه يشبه الساحر، وقال عدي:

– بعد قليل سوف يأتي ولد لالة النساء. ويخبرنا عن المكان الذي اختفى فيه المختار وحمو،

– يستطيع أن يفعل ذلك، أعرفه جيدا. لكنه لو أتى وحده، لماذا أخذ معه الصبيين؟ سوف يفسد أخلاقهما. انه ماهر في اكتشاف أي صيد مثل السلوقي.

يرتفع اللغط ترتفع الضحكات، وفي مكان بعيد يسمع بكاء طفل غجري. غريب! حتى بكاء أطفالهم يشبه بكاء أطفالنا. عويل هذا الطفل يشبه عويل أخي الصغير، عندما تمتنع أمي عن إعطائه ريالا ليشتري به نفاخة. وما أكثر النفاخات التي كان يفرقعها في الفضاء كما لو كان يتعمد ذلك. فتهرع إليه أمي:” يا ابن العريان، هل فطمتك على نفاخة؟ هاك!” وتضربه بأي شيء يوجد بالقرب منها سواء كان حذاء، وما أقل الأحذية في البيت، أو مشطا أو نافوخا. فيرتفع عويله سواء أصيب أو لم يصب. عويل يشبه عويل هذا الطفل الغجري الذي يصرخ الآن في مكان بعيد، غير أني لا أدري كيف يؤدب الغجر صغارهم.

هل يضربونهم. كذلك بالنوافيخ والأمشاط والمجامر والأحذية؟ توقف عدي، وأخذ ينصت إلى لغط داخل إحدى الخيام. نظر إلي كما لو كان سيقول لي شيئا مهما. لكن ماذا في إمكانه أن يقول لي؟ فهو لا يعرف لغتهم. أوهمني بحركاته تلك وهو ينصت إليهم أنه يستطيع أن يشرح لي ما يدور داخل تلك الخيمة. أطل رأس غجري، فخفنا منه، كان كتفاه العريضان يوحيان بأنه يستطيع أن يهصر ثلاثة من أحجامنا. مش عدي أمامي خائفا:

– هيا، قبل أن يلحق بنا هذا الوغد.

قلت : – اسمع يا عدي. عندي فكرة. لا بد أن المختار وحمو ذهبا إلى العين.

– وماذا يفعلان هناك؟

– إن المكان بشجره الكثيف يستطيع أن يخفيهما عن الأنظار. لا بد أنهما راودا غجربة أو غجريتين. وذهبا إلى هناك ليحششاهما.

– صحيح. هذه فكرة جيدة. ذلك ما يفعله المختار دائما. انه يفضل الأماكن الخالية والمعزولة.

تركنا الخيام والسيارات خلفنا ، مشينا في طريق مترب يتعرج بين الأشجار، النباتات والحشائش على جانبيه، طريق سوته أقدام البشر، وحوافر الدواب. يمتد هذا الطريق حتى يبلغ العين. كنا نحرق قطع الكاوتشوك ونطلي بها سيقان بعض النباتات، ونغرسها حول العين حتى تقع تلك المخلوقات الصغيرة مرتعشة مرعوبة في أيدينا. وحول العين شجر كثيف لا يشبه شجر البلوط ولا يعطي ثمرا.

وقال عدي:

– انظر. ولد لالة النساء مرة أخرى.

كان واقفا خلف جذع شجرة، وقد ترك الصبيين في مكان ما ربما. ينظر الينا مثلما تنظر الأرنب إلى الصياد قبل أن تفر، ينظر في خوف، وفي تحد أيضا.

قلت لعدي:

– لا يهم. ربما يكون قد اكتشف وجود المختار وحمو.

ناديت عليه. أخذ يتقدم منا في توجس. وقف بعيدا عني ببضعة أمتار. حك أنفه الذي التصق بأرنبته مخاط. وتوقدت عيناه تحت حاجبيه الكثيفين قال وهو يشير جهة العين.

– إنهم هناك.

– من هم؟

– المختار وحمو والغجر.

قلت لعدي:

– إن ما يخطر لهذا الملعون شيء غريب. ألم أقل لك؟ ما نفكر فيه، يكون هو قد فعله.

قلت: هل معهما بنات؟

– نعم. معهم بنات. كما أني رأيت بعض الغجر الذكور يحومون حول العين. تركناه جامدا في مكانه. ولا شك أننا سنجده قد سبقنا إلى العين. وقد يصل عن طريق لا نعرفه نحن. يستطيع أن يفعل كل شيء لأنه ولد لالة النساء. وكل ما يمكنه أن يخطر أولا لا يخطر على بال إنسان، يخطر على بال ولد لالة النساء. اقتربنا من العين. كانت الأشجار المحيطة بها كثيفة، قصيرة ومتشابكة. لم نر الغجر الذكور، ولم نر أحدا. قلت لعدي:

– لا بد أنهما حششا الغجريات

– ولا بد أنهما فعلا بهن ما شاءا.

– يجب ألا نفاجئهم. سوف نتجسس عليهم.

تصورت خرير ماء العين الهادئ، والعصافير وهي ترف بأجنحتها بصعوبة بين سيقان الأعشاب المطلية بالكاوتشوك المحروق، حتى تضغط عليها أكفنا، فينبض جسدها الضعيف ويرتعش دافئا في الكف. يحرك العصفور الصغير رأسه وينظر يمنة ويسرة. وقد يصدر صوتا ربما كان استنجادا.

وقال عدي:

– نذهب من الناحية الأخرى، ربما يكون ذلك أفضل. ولا يكون فيه مفاجأة لهم.

قلت:

– لنتفرق يكون ذلك أحسن.

اختفى عني لحظة. ذهبت من الجهة الأخرى، ورأيت العين. لم يكن هناك أحد. كان الماء يلمع تحت أشعة متسربة من بين العرائش والأغصان. ولم يكن هناك أثر لبشر. كانت هناك علبة مربى فارغة وصدئة، وفردة حذاء قديمة ممزقة ولم يكن هناك أثر لبشر. لا شك أنهم هنا أو هناك بين الأشجار. المختار يكون دائما حذرا في مواقف مثل هذه. سمعت صوت أغصان صغيرة تتكسر. ذهبت جهة الصوت. رأيت عدي يسير بتلصص. محنيا قامته بين الأغصان. وهو يدفعها بكفه. صحت فيه فالتفت إلي:

– أنت؟

– نعم. لم أجد أحدا.

– وأنا أيضا.

– لا بد أن نبحث عنهم. لا يمكن أن تكون الأرض قد ابتلعتهم.

– كل شيء ممكن وقوعه. أرض العين مسكونة.

– اسكت تسكنك جنية!

أخذنا ندور في المكان، حول العين، غير مصدقين أنهم يكونوا هنا.هل تخطئ فراستنا؟ ثم إن ولد لالة النساء لا يكذب. وقال عدي:

– لا بد أن نعثر عليهم.

مشينا في اتجاه آخر، غير الطريق الذي أتينا منه. وكانت حشائش في المكان، تستطيع أن تغطي نصف قامة الإنسان. حشائش ونباتات السرخس، ذات الأوراق التي تشبه المناشير، توقف عدي، وأخذ يرهف السمع:

– إنهم هناك. من غير شك. هل تسمع؟

– لم أكن أسمع شيئا.

– احترس. لقد سمعت شيئا كالضحك.

اقتربنا قليلا. التقطت أذناي بالفعل أصواتا آدمية. بعد ذلك رأيت غجرية شابة تقف وسط حقل السرخس، وهي تلقي يشعرها الأسود إلى الخلف. لم ترنا. عادت للاختفاء مرة ثانية. قلت:

– ترى ماذا يفعلون هناك الآن؟

– إنهم يتحششون.

– هل نلتحق بهم؟

– لا. ليس الآن.

– أني أريد أن أتحشش معهم.

– لا تفعل. إن المختار وحمو، يعرفان أننا هنا. سوف يناديان علينا في اللحظة المناسبة.

رأيت حرباء صغيرة، تعبر عند قدمي ببطء. خفت منها، لأنها توقفت وأخذت تنظر حواليها ببلادة. أمسكت بعود، وضغطت به على ظهرها، قاومت ببلادة كذلك. قال عدي:

– دع عنك تلك القذارة. إخ. تفو!

وأضاف عدي وهو يشرئب بعنقه:

– انظر هناك غجري!

نظرت حيث أشار. كانت قامته طويلة فارهة. وجهه أسمر ملوح. كانت ملامحه صارمة. يقف بعيدا وينصت. هل هو الآخر يتحشش معه؟ وقال عدي:

– إياك أن يكتشفنا.

رأيناه يخرج سكينا كبيرا من تحت حزامه. سار بحذر جهتهم. لا بد أنه تحشش وسوف يرتكب جريمة. صرخ عدي في رعب:

– حمو!

أطلت رؤوس من حقل السرخس. اهتاج الغجري. صوت السكين جهتنا، ثم جهتهم. احتار في أي جهة يطلقها، كان يركض ويتعثر بين النباتات، سقط مرات، وهو يتمسك بما أمامه أو حوله، رأينا حمو والمختار يفران، والفتيات الثلاث ظللن جامدات في مكانهن. كنا نركض ونركض وسط الغابة.

توقفنا في مكان معين نستعيد أنفاسنا. قال حمو:

– لو لم تكن معه السكين؟

رد عدي:

– ماذا كنت ستفعل؟ انك أجبن من دجاجة. لنذهب قبل أن ينادي على الغجر الآخرين وقال المختار: كانت تلك القصيرة رائعة.

قلت أنا:

– سوف نتفرج عليك، عندما تصاب بذلك الشيء.

من: غجر في الغابة

أعماله الأدبية:

حوار في ليل متأخر (قصص) دمشق وزارة الثقافة 1970.

المرأة والوردة (رواية) بيروت الدار المتحدة للنشر 1972

أرصفة وجدران (رواية) بغداد منشورات وزارة الإعلام العراقية 1974

بيوت واطئة (قصص) الدارالبيضاء دار النشر المغربية 1977

قبور في الماء (رواية) تونس الدار العربية للكتاب 1978

الأقوى (قصص) دمشق اتحاد كتاب العرب 1978

الأفعى والبحر (رواية) الدارالبيضاء المطابع السريعة 1979

الشجرة المقدسة (قصص) بيروت دار الآداب 1980

غجر في الغابة (قصص) بيروت المؤسسة العربية للدراسات والنشر 1982

بيضة الديك (رواية) الدارالبيضاء، منشورات الجامعة 1984

محاولة عيش (رواية) تونس الدارالعربية للكتاب 1985

ملك الجن (قصص) الدارالبيضاء إفريقيا الشرق 1988

الملاك الأبيض (قص) القاهرة مطبوعات فصول 1988

الثعلب الذي يظهر ويختفي (رواية) الدارالبيضاء منشورات أوراق 1989

الحي الخلفي (رواية) منشورات عالم الصحافة 1992

العربة (قصص) منشورات عكاظ 1993

أفواه واسعة (رواية) الدارالبيضاء مطبعة الجنوب 1998

 

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف