مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

بحث وتطوير ام عبث وتجميد !

بحث وتطوير ام عبث وتجميد  !

aaa 

م.مهند النابلسي

كاتب وباحث متخصص بالجودة والتميز

خاص بالموقع

كان مفهوم البحث والتطوير يعتمد سابقا على ظاهرة ” وجدتها ” ، حيث يكتشف الباحثون فكرة جديدة بالصدفة ، ويذهبون للشركات ومراكز الصناعات بحثا عن المشاكل ، التي يمكن ان تساعد هذه الفكرة الجديدة على حلها !

وكما حدث مع ارخميدس عندما اكتشف نظريته المشهورة بالصدفة في الحمام ، وخرج فرحا وهو يصرخ : وجدتها…وجدتها ! فقد اختلف مفهوم البحث الآن ، وأصبح المفهوم العصري يعتمد على الدراسة المتأنية والمناقشة المستفيضة ، حيث تجري مناقشات بناءة بين الباحثين من جهة ، ومدراء التصنيع والتسويق وخدمات الزبائن من جهة اخرى ، يقومون خلالها بدراسة امكانية طرح افكار مبتكرة ملائمة في مجالات معينة بغرض تسويقها صناعيا وتجاريا .

ويسعى المخططون في الدول المتطورة لتحقيق اجتماعات عمل مستفيضة ما بين الكفاءآت العلمية والبحثية القادرة ، وبين مدراء الأعمال وأصحاب التمويل وذلك بهدف تسويق الأفكار الجديدة المبتكرة بصورة واقعية دقيقة . وخلال هذه المناقشات الجادة يقومون بتحديد متطلبات السوق الجديدة ، واضعين نصب اعينهم تطوير التقنيات الملائمة والكفيلة بالانسجام مع توجهات السوق .

أما التحدي الزمني الجديد الذي طرا على مجال تطبيق الأفكار الجديدة فهو حقا ملفت للنظر : فالأفكار الجديدة سابقا كانت تستغرق فترة زمنية تتراوح من 7—12 سنة حتى تتمثل بتطبيقات صناعية عملية قابلة للتسويق ، أما الان فقد تم اختزال تلك الفترة لتصبح بحدود سنتين الى ثلاثة فقط !

وحتى نتبين الأهمية القصوى التي تعطيها الدول المتطورة للبحث والتطوير  ، نلاحظ انه يتم في المانيا انفاق حوالي 25 بالمئة  من مخصصت البحث والتطوير على الأبحاث الصناعية ، بينما تنفق امريكا أقل من 5 بالمئة على نفس المجال ، وفي العام 1990 خصصت اليابان حوالي 105 بليون دولار  للبحث والتطوير ، وتجاوز الرقم ال200 بليون في العام 2010 ، وارتفعت مخصصات الانفاق في فرنسا لتتجاوز ال 35 بالمئة ، وتضاعفت عدة مرات في المانيا لتتجاوز ال 40 بالمئة  .

وقد اقترحت دراسة جديدة أن تقوم دول السوق الاوروبية المشتركة ( وما يسمى حاليا الاتحاد الاوروبي) بتركيز قدراتها في مجالات البحث والتطوير  على أربعة مجالات هامة  هي : المحفزات ، التقانات الحيوية ، حماية البيئة  وتصنيع مواد جديدة ، فماذا اقترح جهابذة البحث والتطوير العرب ؟ وما هي الأولويات والمهام والأهداف المنوي تحقيقها ؟ تسعى امريكا لمضاعفة مخصصات الأبحاث الجامعية  لتتجاوز العشرين بليون دولار سنويا  ، ومع كثرة جامعاتنا ومعاهدنا العربية ، فما هي قيمة مخصصات البحث والتطوير ؟ وما زالت اساليبنا التعليمية قاصرة وتعتمد على الحفظ والتلقين ؟ وعلى اسلوب النسخ واللصق الذي لا يشجع على الابداع والابتكار …وبعض اساتذة الجامعات العربية ما زال يسطو على المراجع المتقدمة وينسبها لنفسه بلا اي مراعاة للملكية الفكرية وحقوق النشر والاستخدام ، وكذلك تفعل دكاكين التدريب الكثيرة المنتشرة في طول الوطن العربي وعرضه ، وطبعا ساعد الانترنت وثورة الاتصالات الشبكية على تفشي هذه الظاهرة الخطيرة والتي ما زالت تستفحل بشكل سرطاني بلا ضوابط او مساءلة او مسؤولية !

يعتمد البحث والتطوير على التعاون المتبادل والوثيق الفعال  ما بين المؤسسات الحكومية والمؤسسات التعليمية الأكاديمية  والمنشاءآت الصناعية وحتى الخدمية ، وكذلك العنصر الرابع المنسي تماما في الحالة العربية وهو العنصر البشري المستهلك لهذه المنتجات ، وكالعادة فقد تفوقت اليابان في هذا المجال لأنهم الأقدر على تفعيل ديناميكيات العمل الجماعي البناء ، فقد انفقت المؤسسات اليابانية  بسخاء على البحث والتطوير ، ليس بغرض التجديد والابتكار وحسب ، وانما للمحافظة  على التفوق  التنافسي في ميدان السلع الكمالية التي تحولت لسلع ضرورية للانسان العصري ، وكذلك تفعل بذكاء دول مثل كوريا والصين وماليزيا …هكذا أصبح “البحث والتطوير” عملا حيويا لازما وضروريا وليس خياريا ، فالشركة التي لا تطور منتجاتها باستمرار  معرضة للخسارة  ولفقدان زبائنها والتفوق السوقي ، ولناخذ سوق الهواتف الخلوية والسيارات على سبيل المثال .

وبهدف تطوير تقنيات جديدة رائدة فقد لجأت الصناعات الدوائية اليابانية لاسلوب التعاون التضافري مع الجامعات والمؤسسات الأكاديمية : فشركة أشاي اليابانية قامت بانشاء خمسة مشاريع دوائية بالتعاون مع خمس جامعات امريكية ، ومشروعين بالتعاون مع جامعات اوروبية ، واكثر من ثلاثين مشروعا داخل اليابان ، وللمقارنة فما زال  التعاون بين الصناعة والجامعات في العالم العربي شكليا وفي حده الأدنى ، وان كانت هناك محاولات مخلصة جادة لتفعيله ولكنه يصطدم بعراقيل تشريعية وبيروقراطية ونفسية ، ومنها فوقية الأكاديميين وتبجحهم الغير واقعي بامتلاك المعرفة ، ورغبتهم بايجاد وسائل رزق وتكسب جديدة ولاغناء السيرة الذاتية وايجاد فرص عمل جديدة ، وبلا رغبة جدية بالتعاون والتنسيق الحقيقي والثقة المتبادلة الضرورية بين الأكاديمي والصناعي ، كما يلام الأخير لعدم جديته ورغبته الكاسحة بتحقيق الأرباح وعدم اقتناعه بالبحث كمنهج حقيقي واقعي لتطوير منتجاته وزيادة تنافسيتها !

…وبالرغم من بعض النجاحات في مجالات البحث والتطوير التي انجزت على طريقة أرخميدس ” وجدتها ” ! او طمعا باحراز جوائز التميز والجودة  كمتطلب اساسي ، الا ان مفهوم البحث والتطوير  العربي ما زال غامضا على مستوى العالم العربي ، حيث لا توجد استراتيجية ثابتة ومجدية لتطبيق المفاهيم العصرية للبحث والتطوير ، بالرغم من الفائض المالي لدى بعض الدول النفطية والغازية ، ولا يوجد بالطبع سياسات تكامل تستغل الموارد المالية الهائلة مع الكفاءآت  والقدرات البشرية العربية الموجودة في دول اخرى غنية بالكفاءآت وذات فائض سكاني ، فيما تدفع الأموال بسخاء على الانفاق الاستهلاكي والحكومي وفقاعة التطور المعماري الهائل وكذلك على مشاريع طموحة ضخمة بلا جدول زمني واقعي لانجازها ( على سبيل المثال برجي ام اذينة بعمان اللذين لم يتم تشغيلهما بعد وتجاوزهما المتكرر الغير مفهوم لتاريخ بدء التشغيل المقرر ! ) ، وكذلك على جلب الخبراء والشركات من كافة انحاء العالم ، والذي ثبت ان بعض أوجه هذه الانفاقات الهائلة مضيعة للأموال والجهود ولا تساعد حقيقةعلى التنمية الحقيقية والانماء الوطني القومي ! يلزمنا تأسيس مجالس عليا حقيقية للبحث والتطوير تعمل بواسطة فرق عمل ميدانية واقعية فعالة ، وتنسق ما بين مؤسسات الحكومة والمؤسسات الصناعية والخدمية والجامعات ومراكز البحث ، لوضع سياسات استراتيجية ملزمة  ذات جدوى حقيقية في كافة مجالات البحث والتطوير ، مع ضرورة الارتقاء بالوعي الوطني الشامل حتى لا تتحول العملية برمتها لعمل افتراضي وهمي ، وتصبح هذه الدوائر مركزا للبطالة المقنعة والرواتب الضخمة والعبث والتجميد

 

 

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف