مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

جمالية التصوير الشعري من الأفق التراثي إلى البعد الحداثي في ديوان “لا”* لأحمد هاشم الريسوني

جمالية التصوير الشعري من الأفق التراثي إلى البعد الحداثي في ديوان “لا”* لأحمد هاشم الريسوني

images

د. محمد المسعودي

خاص بالموقع

يشتغل أحمد هاشم الريسوني في ديوانه الرابع “لا” من أفق جمالي غني ومتنوع يسم تصويره الشعري بلمحات دالة وخصبة. وإن المتأمل في نصوص الديوان يجد هذا التصوير يخضع إلى طبيعة النص ونزوعه المهيمن عليه، خاصة أن النصوص الأولى منه نحت منحى الكتابة المكثفة الشذرية، في حين مالت النصوص الأخرى نحو الطول والنفَس الممتد. ومن ثم، فإن جمالية التصوير في الديوان لها صلة وثيقة بنوعية النصوص وطرائق اشتغالها وآفاقها التخييلية. ولعل أهم ما يطبع هذه الجمالية هو هذا الحضور التراثي اللافت للنظر إلى جانب بعدها الحداثي البين. فما ملامح هذه الجمالية؟ وأين تتمثل سماتها الفنية؟

         يقول الشاعر في نصه المكثف الذي حمل عنوان “شجرة التفاح”:

       ” قبضة من جنون_ تنقصني فقط_

       لأحمي رضاب الشجرة”(ص. 16)

         تقوم الصورة الشعرية في هذا النص الشذري المكثف على لمحة خاطفة، وإشارة مختزلة تبين استحالة حماية رضاب الشجرة، لأن هذا الرضاب لا يمكن حمايته إلا بامتلاك كل الجنون، والشاعر تنقصه قبضة من هذا الجنون ليتمكن من فعل المستحيل وحماية رضاب شجرته. بهذه الشاكلة نجد الصورة في هذا النص تستمد نسغها من أفق جمالي جديد، نسغ يجد نسبه في الشعرية المعاصرة التي تعود إلى الفتح الرومانسي وعنايته بالخيال المحلق، وتمتد إلى الأفق السوريالي والعبثي في إيمانه بانفتاح المتخيل على المألوف وغير المألوف في بناء الصورة الشعرية، وهي صورة مكتملة الدلالة واضحة القصدية.

وفي نص “أعشقكَ أيها الشعر..” نرى نمطا آخر من التصوير يشتغل بالحذف وترك أفق التأويل منفتحا أمام القارئ:

“عادة

وفي الساعة المقلمة الأظافر

تجيء جهات إلي

هي الأرض قبضة ليل

هو الليل شارع معفى من الضرائب

       هما الطريقان؛

       البرج لا

       عادة..

       إلي تجيء اللطخات

       أفتح الباب لقِطة بارده

       ثم لا أسأل،

       هل عادة..” (ص.34-35)

         تنتهي القصيدة نهاية مفتوحة غير مكتملة تدع للمتلقي فرصة التخيل وإكمال المعنى وإغنائه. يدور النص حول “عشق الشعر”، ولكن الشاعر يمضي إلى الحياة، أو بالأحرى إلى رصد جوانب من الحياة المقبلة عليه في لبوساتها الليلية التي تحمل المفاجأة واللامتوقع، والشاعر لا يسأل عن العادة على الرغم من أن العادة هي التي جعلته يأنس إلى طقوس الليل الشعرية ويعشقها. إن القصيدة تقول هذه الخلاصة في بلاغة تقوم على الإيحاء المستنِد إلى بلاغة الحذف والبتر والبياض، وهذه السمات التصويرية تمنح لهذا النمط من التصوير جماليته الخاصة المتميزة. 

 

وفي قصيدة “سِفر الماء” المهداة إلى الرسام المكي امغارة، ينطلق الاشتغال من أفق تشكيلي خالص ومن بلاغة الامتلاء: امتلاء المعنى، بحيث تتراكم في هذه القصيدة الممتدة الصور الشعرية التي توظف إمكانات عديدة في التعبير عن مرامي الشاعر واهتماماته. وفي مثل هذه النصوص يكثر الامتزاج بين العناصر التراثية والحداثية في أفق تشكيل صور جديدة مبتكرة عبر عملية التحوير وابتداع دلالات غير مألوفة، كما نرى في المقطع الآتي:

“فرشاة مجنونه

تتسلق درج الوادي

مترعة بنبيذ قزحي..

تتعرى

تنثر شِعر حماقتها المليون

وتسافر تحت هسيس الحلزون

كيف أتت سهوا؟

كيف غوت نافلة الليل؟؟

كيف هوت من صلصال الدير

المفعم بالضجر المنسي؟؟؟

وتعلَق جمرُها بالقِسيس

كيف تصادى شِعرها بالشِعر

المنقوع بهزات الأكوان

فتوالدت الأنوار النائمة

في قبعة من حمأ مسنون”(ص.59-60)

بهذه الكيفية تتصادى في القصيدة أنساغ تراثية مقتبسة من القرآن الكريم مع تكوينات تعبيرية حديثة، وعبر تواشجها يشكل الشاعر عوالمه التصويرية. إن الشاعر يتحدث عن فعل الريشة، عن غوايتها، وخلقها العجيب لألوان وأشكال من حمأ مسنون، ومن شعرٍ قوامه الجمال والفتنة، وسحرٍ ينبثق من تلك الألوان والأشكال. ودائما يرتبط مجال الخلق وزمنُه بالليل وغوايته لدى الشاعر. وعن طريق هذه التداعيات الكثيرة التي يختزنها النص، ومن خلال الرحيل بين التراث الذي يقتبس الشاعر منه بعض التعابير والصور، ومن خلال توليد دلالات وأبعاد جديدة تتكاثف التلميحات الشعرية الحديثة ويتشكل بناء النص الممتد الذي يختزن قدرا هاما من الصور المبتكرة التي ترتبط بفن التشكيل وعوالمه، وما أوحته ريشة المكي امغارة للشاعر من رؤى وأحاسيس. 

ولا يكتفي الشاعر باستحضار النص الديني وتوظيف صيغه التعبيرية وتحوير دلالاته، بل يمزجه بالأسطورة، أحيانا، ليشكل نمطا جديدا من التناص التراثي، كما نجد في المقطع الآتي من قصيدة “لو…”:

” ثم رأيت الحبيب يقول:

ما أحببت في دنياكم هذه سوى اثنين

الطيب والنساء

ورأيت الطيب خمرا،

ورأيت النساء جمرا،

ورأيتني أعصر جمرا،،

فتأكل النسوة من أطياف خمري

وتلثم ريحي،،،

وتشرب أمشاج عمري

* * * * *

حتما..

سيكون اسم الوردة طوق عشيق

يخطف هيلان

فهل أكلت أفروديتي تفاحتها الذهبية؟؟؟

أم ظل أغاممنون طيلة الزمن الثلجي مشتعلا في ديره:

غن ربة الشعر غضبة آخيل

غن وغن يا باخوس

إن كروم الشوق تفيض

إن كروم الشوق تفيض

إن كروم الشوق تفيض”.(ص. 126- 127)

بهذه التقنية الفنية يصل الشاعر بين الأسطورة اليونانية وحكايات الأوديسة وطقوس عبادة باخوس والارتباط بالخمر والشعر والغناء، وبين محبة النساء مستثمرا حديثا نبويا شريفا، مُحورا بعض العبارات القرآنية التي اتخذت لبوسا مختلفا يوافق الأفق التصويري الجديد في القصيدة، وهو الأفق الذي يرتبط باللذة وبالجسد. وعلى هذه الشاكلة تمضي القصيدة بانية عوالمها المتخيلة الحديثة/ التراثية، وهي تراوح بين المضي إلى التراث لتعيد إنتاجه وبناءه، وبين الأفق الحداثي المتمثل في توظيف إمكانات التراث في أفق تصويري جديد غير مطروق. وبهذه الصناعة الفنية يشكل أحمد هاشم الريسوني نصوص ديوانه “لا” الذي يعد إضافة نوعية إلى شعريته التي تميزت بسمات خاصة لامسنا جماليتها الفريدة منذ “الجبل الأخضر/ 1998″، ومرورا ب”مرتيليات/ 1999″، وب”النور/ 2000″، ووصولا إلى “لا/ 2012”..

 

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف