مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

وجد الذات بمعراج الوجود

وجد الذات بمعراج الوجود

bb 

محمد الشغروشني

خاص بالموقع

الكتابة عري غير أنه عري منظم بهندسة العقل، ولئن كانت الثقافات قد قننت فن العري في أنظمة الموضة وعروض الأزياء واللباس، وشرعنت جماليات العري الجسدي كمظهر للإغراء والرغبة والفتنة، فإن الكتابة بما أنها إزاحة للغطاء النفسي عن الذات والأنا فهي بتلك القوة عري رمزي مقبول لما يخلقه من دهشة وإعجاب لدى القارئ والمتلقي، تماما كالمشاعر المتولدة لدى جمهور عروض الأزياء والموضة .

          يقف العري على طرفي نقيض بين عري مقبول ومعمول به ومشرعن ثقافيا واجتماعيا، ومتداول إشهاريا وحياتيا؛ وبين عري مجنون وهو بالفعل عري حاف من كل لباس مجازي أواستعاري، يمارسه اللاعقل الموصوف بتشظي الأنا الأعلى واندثارها، والتمرد على أقانيم السواء النفسي وانخطافا نحو اللاسواء أو الجنون .

          تتجلى الكتابة بوصفها السابق عريا وكشفا عن المستور واللامفكر فيه والمغيب والمنسي واللاواعي المترسب في الطبقات العميقة للذاكرة، في الإنتاج الشعري، بالصورة التي تتمظهر بها الذات الإبداعية عندما تتجاوز كل السلط القامعة اجتماعيا ولغويا وتخطو نحو حافة المحظور وتخوم الجنون، ولكي تحمي ذاتها من عار اللاعقل تستنجد بصكوك البلاغة وغفران الاستعارات، فتطير بشفرات البوح إلى مجاهل الانزياح، لترسم خرائط جديدة لتمفصل الذات الكاتبة عن الذات المنكتبة، مؤسسة بذلك لغة بكر لاقبل للقارئ أو المتلقي بها، وإن كانت من معجم مشترك ولسان منخرط في دنيا التقاسم اللفظي والمعرفي .

          ومن ثم فإن لغة الشعر لا تشتغل لحسابها الخاص فحسب، وإنما تستهدف ـ في أكثر الأحيان ـ تهريب جنون الكلام الشعري في ثنايا البياض النصي، وتحويله من جنون معلن إلى جنون متستر ومكتوم وخفي، قلما يمنحنا خيارات قراءة مدلولاته الهاربة باستمرار نحو اللامتناهي،والمتخفية كالزئبق في لحظات النشوة والتلذذ؛ تراودنا على اقتناص متعته/متعتنا كقراء عند كل قراءة جديدة، إذ أن عيون الشعر منذ امرئ القيس إلى آخر شاعر لا تنقطع لذتها ومتعتها المستعادة، فهي أشبه ما تكون بنوبات الضحك الهستيري الذي يتيه بنا خارج لحظات يومنا المكرور والمثقل بالنظام والإكراهات، ما دام الشعر خروجا عن مألوف لغتنا وعاداتنا الموسومة بالمنفعية والاستهلاكية، وارتيادا للمجهول والمجنون فينا.

          هذا الوجد الصوفي بالذات العاشقة للوجود والبوح الفصيح تحت تلاوين الكلام الساتر لعريه الرمزي في متون الشعر، سيكشف عن نفسه بقوة الفعل من خلال الكتابة السير ذاتية، ولاسيما السيرالذاتية المضمخة بفلسفة الوجود، كما تتجلى من خلال كتابات كل من محمد شكري في منجزه الإبداعي ” الخبز الحافي” وعبد الحق سرحان في ” أطفال الأزقة الضيقة “.

          يتنزل الحديث عن هذه الظاهرة الإبداعية التي تتخذ من الفلسفة الوجودية سندها الفكري والمعرفي في سياق تحولات سياسية و فكرية وإبداعية، تنبئ بعودة الحياة إلى ثقافة البوح ضدا على الكتمان والاختباء في أقبية الحشمة والعار، ويتمظهر ذلك إبداعيا في الفنون البصرية، ممثلا مسرحيا في العرض المسرحي “ديالي”، وسينمائيا من خلال فيلم ” زيرو”.

          تاريخيا اتصفت الوجودية في زمن الهوس بنظام الحذاء الصيني بكونها ترفا فكريا وبذخا معرفيا، انطلاقا من الاعتقاد بأن الفرد لا دور له خارج المجتمع

إلا بخدمته لذاك المجتمع، وبالتالي فإن فردانيته لا تعني شيئا إلا وسط جماعته، متناسية في نفس الوقت بأن حرية الفرد هي جزء أصيل من تحرر جماعته أو مجتمعه؛ وتبعا لذلك اعتبرت الكتابات السير ذاتية الوجودية تارة، بكونها مروقا وخرقا مشينا لأعراف المجتمع وتقاليده، حتى من أكثر المناصرين للحرية الفردية والواقفين في صف حماتها؛ وتارة أخرى احتسبت من أخبارالحمقى وأقاويل المجانين، وهي إن شئت الصدق الجمالي والفني جنون مؤسس ومعقلن؛ غير أن العري في متون النصوص مكروه ومنبوذ يجافيه الواقع والناس علنا، ويتلمسونه خلسة من وراء الحجب وسدول الليل .

          هذه الكتابات والابداعات تعري اللغة من فردوسيتها واطمئنانها، وتتخذ مدادا شفافا وفضائحيا لحكي وجودها، لاانتهاكا لترسانة القيم والتقاليد، كما قد يظن، وانما رغبة وعشفا في تحريرحبسات لسانها من عقد الواقع .لذلك نجدها تستدعي كلاما عار من الأصباغ وتهجنه بكلامنا اللهجي لتردم المسافة الفاصلة بين المقول والمعيش والمحسوس؛ وهي إن ركبت سفن الحكي والسرد تلبس فيها السارد بالكاتب فلكأنهما وجهان لعملة واحدة .

          تجتمع كل هذه الكتابات والإبداعات المشار إليها سابقا حول وليمة من أطباق الموضوعات السرية قولا وجهرا القابعة في جب الذات؛ فعناوينها تؤشر على رفع مظلمة الأبيسية، إذ الأب القوي المتسلط يطل من خلال كلماتها وحروفها، صوامتها وصوائتها؛ أوليس الخبز الحافي بدلالة على شظف العيش ومهانة الحياة ،ومرجعا لسنوات الجوع والقهر والتسلط أسريا تحت قساوة الأب وجبروته، واجتماعيا وسياسيا تحت سياط عام “البون” إبان الأربعينات من الألفية الثانية ؟

أما من أمل يرتجى في فضاء أزقة ضيقة، يزيدها الأب خنقا وقتلا للأنفاس تلبية نزواته التي لاتنتهي، لتسقط الأم قربانا لمأساة لم تستشر في اختيار نهايتها ؟

          وتستمر الأبيسية في توليد أيقوناتها من خلال نص ومسرحية “ديالي” أو “ملكي”، صرخة أنثوية هذه المرة في وجه العنف الذكوري الأبيسي، وتشييء أوتبضيع الجسد وإخضاعة لرغيات ذات متقنعة في ذات الأنا الأعلى؛ وهي نفسها المتجسدة لحما ودما، عفوا، صورة في فيلم ” زيرو” مخاطبة صورتها في ابنها بقولها: ( انت زيرو)، ولسان حالها يقدم كشف حساب عما اقترفته وجنته في ماضي الأزمان النصية .

          تتأسس هذه الإبداعات جميعها غلى بلاغة المرآة، غير أنها مرآة متفردة في إنتاج صورها؛ إذ أن العادة اقتضت أن يتزين الإنسان ويتجمل ليرى نفسه الأبهى والأجمل، وغالبا ما توضع العطور على الجسد بعد الرضى على صورة الذات المرئية والاقتناع بجمالها المظهري، والتفنن في إخفاء ما تحت ثيابها، وهو ذاك الذي تقتنصه هذه الإبداعات لتجليته والكشف عن عوراته، ديدنها في ذلك التخلص من آلامها ومآسيها الوجودية، والتطهرمن واقعها ومظاهر الزيف فيه .

          إنها ولاشك تمارس لذة مسافتها الألم، هي لذة الإبداع والكتابة، ولكنهاـ وفي نفس الآن ـ تكتب بمشرط لا بالقلم، وبالتالي يبقى السؤال معلقا إلى حين، إلى أي حد تتخلص هذه الذات الكاتبة/المنكتبة من ألمها الوجودي، ألا تكون ببوحها الفاضح ذاك أكثر إيلاما لذاتها قبل قارئيها ومتلقييها، وإلى كم ضعف سيتحول ألمها أمام منجزها، أتستطيع المسافة بين المدون والمعيش رتق جروحها ؟

          إن الباعث على هذه الأسئلة الحارقة والمحيرة، كون هذه الذات تعيش واقعا كتوما وثقافة أسرارية، في منظومة اجتماعية لا يمتلك فيها الفرد المساحة الكافية لعريه الذاتي ولو رمزيا وشفويا وبالأحرى تدوينا وكتابة .

      

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف