مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

حوارمع الروائي يوسف فاضل: روايتي شهادة عن مرحلة رهيبة من تاريخ المغرب

حوارمع الروائي يوسف فاضل: روايتي شهادة عن مرحلة رهيبة من تاريخ المغرب

Sans titre 

حاورته سعيدة شريف

عن جريدة الأخبار

الروائي قال إنه كتب عن تازمامارت دون أن يخرج عن العالم الروائي

يهدي يوسف فاضل روايته “طائر أزرق نادر يحلق معي”، الصادرة أخيرا عن “دار الآداب للنشر” ببيروت إلى شهداء معتقلات الإبادة في تازمامارت، وأكدز، وقلعة مكونة، وسكورة، ودرب مولاي الشريف، والكوربس، والكومبليكس، ودار المقري، ويقدم شهادة روائية عن مرحلة رهيبة من تاريخ المعرب تعرف بسنوات الجمر والرصاص. وتعد هذه الرواية الجزء الثاني من ثلاثية ينجزها صاحب روايات الهامش والمهمشين والمشردين: “الخنازير”، و”ملك اليهود”، و”سليستينا”، و”حشيش”، و”ميترو محال”، و”قصة حديقة الحيوان”، عن فترة الثمانينيات بالمغرب، التي ستحمل مفاجأة كبيرة في جزئها الثالث، خاصة بعد اقتحامه لأسوار القصر لأول مرة في تاريخ الرواية المغربية في جزئها الأول بروايته “قط أبيض جميل يسير معي”، وتسليطه الضوء على مهرج القصر أو مؤنسه، وتناوله للانقلاب وتازمامارت في الجزء الثاني “طائر أزرق نادر يحلق معي”.                                                                                                في هذا الحوار مع الملحق الثقافي لـ “الأخبار” يكشف الروائي يوسف فاضل عن الأسباب التي دفعته لكتابة روايته الأخيرة، وعن تفاصيل دقيقة من هذا العمل الروائي، الذي سترشحه “دار الآداب” البيروتية لجائزة البوكر العالمية للرواية العربية لسنة 2013، وعن علاقته بالكتابة الروائية على الخصوص.  

*بعد تناولك لعوالم المهمشين والمشردين، والعاهرات، وأصحاب العاهات، في رواياتك السابقة، انتقلت في ثلاثيتك الأخيرة، التي صدر منها جزأين، إلى اقتحام أسوار القصر لأول مرة في تاريخ الرواية المغربية، وسلطت الضوء على مؤنس الملك، والانقلاب وتازمامارت، فلم هذا الاختيار، وما هو التحدي أو الإضافة التي رغبت في تقديمها من خلال هذه التجربة الروائية الجديدة؟

** أعتقد أنني أسير على نفس الخط أو النهج في الكتابة الروائية، فروايتي الأخيرتين: “قط أبيض جميل يسير معي”، و”طائر أزرق نادر يحلق معي”، هما روايتان مختلفتان، وشخصياتهما الأساسية، ليس هو الملك، أو معتقلي تازمامارات، بل هم أناس عاديون، المهرج الذي كان “حلايقيا”، وابنه الذي كان يمارس المسرح، فهما اللذان يتكلمان ويتحدثان عن عوالم القصر، وليس الملك أو الوزير. الرواية تنقل نظرة المهرج، الشخص الشعبي، القادم من جامع الفنا، الذي ينقل تلك العوالم وفق رؤيته للأشياء والأوضاع، ووفق ما يحس به. وفي اعتقادي فمشكلتنا لا تكمن في القصر أو ما عداه، بل مشكلتنا مع ذواتنا وأنفسنا، لأن السلطة فقط ترجع صدانا. فالمهرج لو منحت له السلطة، فهو لن يقوم بالعجب، لأنه إنسان عادي، فنحن أبناء نفس البيئة ونفس التاريخ، وهذا هو تاريخنا، ونحن لا نقوم إلا بإعادة التاريخ، لأننا لم نقطع معه بعد. في حين أن المطلوب هو أن نقطع مع التاريخ السياسي، والثقافي، والديني، والاجتماعي، إذا رغبنا في التقدم إلى الأمام. فعزيز أو زينة في الرواية الجديدة هما إنسانان عاديان، مثلهما مثل الشخصيات التي تناولتها في رواياتي السابقة كـ “حشيش”، أو “مترو محال”، أو “حديقة الحيوان” مثلا.

*لكن شئنا أم أبينا، ورغم اعتمادك على التخييل، وتنويع طرائق السرد، وتعدد الأصوات في روايتك الجديدة، فإننا لا يمكن أن نقرأ الروايتين معا بعيدا عن الوقائع التاريخية اللتين تتحدث عنهما، والتي تتعلق بسنوات الرصاص، مثلما تتم الإحالة في الرواية الأولى إلى مؤنس الملك الفقيه الراحل محمد بنبين، وابنه عزيز بنبين الذي ساهم في انقلاب السبعينيات في الرواية الثانية؟

** الجديد في الروايتين الأخيرتين هو أن زاوية المعالجة اختلفت والشخوص المنظور إليهم اختلفوا، لأنني رغبت في الحديث عن التاريخ المغربي، من خلال بعض الشخوص الذين يمكن الإحالة عليهم تاريخيا. فعلى عكس ما قمت به في أعمالي السابقة من مثل “حشيش”، فالأشخاص الذين أتحدث عنهم في روايتي الجديدتين، هم موجودون في التاريخ، ولكن هذا بعيدا عن أي إسقاط سياسي أو ما شابهه.

*ألم تخش من أن يسقط القارئ في نوع من المقارنة بين ما كتبته أنت عن السجن، وبين ما كتبه المعتقلون السابقون، وعلى رأسهم عزيز بنبين في شهادته “تازماموت”، لأن روايتك تتضمن تفاصيل سبق له وتناولها في عمله؟

** أنا لم أكتب عن السجن كما كتبوا هم، بل قدمت وجهة نظر خاصة عن تلك المعاناة، التي هي منطوقة من داخل الشخص وليس من خارجه، ولا يتحدث عن أي معتقل آخر.

*ولكن في الرواية حديث أيضا عن الريفي، وعن الطويل، الذي جاء الأمريكان يبحثون عنه؟

** الريفي أتحدث عنه حينما مات، والطويل أيضا عرضا، وليس بتركيز. وبشكل عام فالهدف الأساسي الذي سعيت إليه من خلال كتابة هذه الرواية، بغض النظر عن الحمولة السياسية للموضوع والشخوص، هو تقديم شهادة عن هذه المرحلة الأساسية من تاريخ المغرب، والتي مرت في غفلة منا، بحيث لم نكن نعلم عن تلك المعتقلات الرهيبة أي شيء، ولم نعلم بتفاصيلها إلا حينما أقدم الأحياء من هؤلاء المعتقلين على البوح بتلك الفظاعات، والمعاناة التي تعرضوا لها على مدى سنوات، وعلى رأسهم محمد الرايس، وأحمد المرزوقي، وآخرين. ولهذا أحسست كما لو أن القدر لعب بي أو غرر بي “تصيدت” بصريح العبارة، لأنني كنت أعيش كغيري من المغاربة دون أن أعلم شيئا عن هذه الأمور، التي كان القصر ومحيطه على علم بأدق تفاصيلها. أحسست بالغبن و”الحكرة”، ورغبت في أن أعبر عن موقفي قبل فوات الأوان من هذه “التصييدة”. حينما قرأت تلك الكتابات، بكيت من شدة مرارتها، وذهلت للغفلة التي كنا فيها نحن المغاربة من هاته الوقائع الفظيعة، ولهذا قررت أن أقوم بشيء ما ولو عبر الكتابة.

*بعد القط الأبيض، الذي يحيل على الحظ، في الجزء الأول من ثلاثيتك الروائية، والذي يعني الحظ، ننتقل إلى الطائر الأزرق في الجزء الثاني، فما قصتك مع العنوان، وهل هو تعبير عن التوق والحرية؟

** العنوان الذي وضعت في البداية لهذه الرواية هو “فرج”، ولكن الناشرة رنا سهيل إدريس، والكاتب محمد برادة، نصحاني بتغيير العنوان، لأن هذا العنوان موجود في رواية أخرى، فكان من الضروري أن أبحث عن عنوان آخر، وكم كان الأمر صعبا بالنسبة إلي، وفي النهاية اهتديت إلى وضع عنوان شبيه بالعنوان الأول، خاصة وأن الرواية الثانية تتحدث عن نفس فترة الرواية الأولى. وحتى كتابة ثلاثية، لم تكن في بالي أبدا، كل ما هنالك هو أن الروايات الثلاث تتحدث عن الفترة نفسها عن الثمانينيات. ولهذا جاء العنوان الثاني يشبه الأول.

*وهل كان العنوان الثاني أيضا من اقتراح صديقك القاص أحمد بوزفور؟

** لا أبدا، العنوان كان من اقتراحي، ولا علاقة لصديقي أحمد بوزفور به.

*كيف تأتى لك كتابة رواية تخييلية من وقائع حقيقية ومستعادة؟

** لا أعرف الإجابة عن هذه النوعية من الأسئلة، لأنني أكتب عن الأشياء التي أحس بها وتشغلني. فكرة هذه الرواية راودتني منذ زمان، وكتبت أشياء منها وتركتها، ولم أعد إليها إلا في الفترة الأخيرة، حيث كنت أتجاذب أطراف الحديث مع المخرج محمد مفتكر عن هذه الأمور، وقال لي لم لا تكتب رواية عن هذه الأحداث، فعدت إلى الأوراق التي كتبتها منذ عشر سنوات، وبدأت في البحث والاشتغال على الموضوع، لأن ما سأكتبه هو عمل روائي وله شروط معينة.

*الرواية تحيل على أشخاص منهم من ما زال حيا، ومنهم من توفي كالفقيه بنبين، ألم تخش أن يقع لك مثلما ما وقع للطاهر بنجلون حينما كتب رواية عن تازمامارت، حينما تعرض للنقد والهجوم من طرف عزيز بنبين وغيره من المعتقلين السابقين؟

**أنا لم أكتب عن عزيز بنبين، وعزيز المذكور في الرواية ليس هو.

*ولكن العديد من التفاصيل المذكورة في الرواية تحيل عليه.؟

 ** أولا عزيز بنبين لم يكن طيارا، ووالده لم يكن في الجبل. أنا كتبت في هذه الرواية فعلا عن أحداث تاريخية، ولكنها لا تحيل على أشخاص بعينهم.

*رغم ذلك هناك إشارات في الجزء الأول والثاني من هذه الثلاثية الروائية على أحداث ووقائع بعينها من مثل مؤنس الملك الذي تبرأ من ابنه الضابط المشارك في الانقلاب العسكري في السبعينيات، وعضة العقرب التي تحولت إلى فأر في الرواية الثانية ووصف للمعتقل الرهيب، والتي تحيل إلى الأشخاص الذين سبق ذكرهم.؟

** فعلا هي إشارات، ولكن لا أحد يمكن أن يقول إن تلك الشخصيات هي نفسها، وحتى أنا لا أعرف تاريخه بالضبط، وبالنسبة للمؤنس فقد كان هناك مؤنسون عديدون للملك الراحل الحسن الثاني، ولكن صادف الأمر وجود ابن له معتقل ومشارك في الانقلاب. بشكل عام فا،ا لم أكتب تلك الرواية من فراغ، ولكن إذا صادف وحدث نوع من التماهي بين أحداث الرواية وبعض الوقائع التاريخية، فذلك لم يكن مقصودا بالمرة. وبالتالي لا يمكن لأي كان أن يقول لي إنك تتحدث عني في هذه الرواية، لأنه عمل متخيل، وعزيز في روايتي لا علاقة له بعزيز بنبين، ووضعت اسم عزيز، لأن هذا الاسم يعجبني. وإذا عدنا إلى ما كتبه عزيز بنبين عن معتقل تازمامارت، والذي تحدث فيه عن عضة العقرب، فهذا صحيح، ومن حق أي كاتب أن يوظفه وبالشكل الذي يريده.

*هل سبق وجلست مع عزيز بنبين أو غيره من المعتقلين السياسيين السابقين؟

**لا أبدا، لقد قرأت كل ما كتب عن تلك الفترة السوداء من تاريخ المغرب، وأنا نفسي مررت بتجربة ولو صغيرة من الاعتقال، فقد قضيت ثمانية أشهر في درب مولاي الشريف. في روايتي “حديقة الحيوان” كتبت عن ليبيا، ورغم أنني لم أضع قدمي فيها، فلدي صديق كان يرسل لي رسائل من هناك ويصف لي العديد من الأشياء. أنا كتبت عن تازمامارت في روايتي الأخيرة، ولكن دون أن أخرج عن العالم الروائي.

*الرواية تنبني على محكي الذكريات، وتقدم بعض الأحداث والوقائع على لسان الكلبة “هندة”، وهذا أمر غريب ونادر في الرواية العربية، فما السر وراء إعطائك للكلبة الكلمة في هذه الرواية؟

** حاولت إدخال شيء من الفنتاستيك في الرواية، لأنه يعطي للرواية متعة أخرى أثناء القراءة، بحيث أعطيت الكلمة للكلبة “هندة” وللطائر، ولكن بشكل قليل، ولو أنه كان بودي أن أجعله يتكلم كثيرا مثل الكلبة، ويحكي مجموعة من الأشياء على لسانه. لكن الأهم لدي هو الكشف عن الجانب الإنساني في الكلبة، والذي يفتقد إليه الحارسين “بابا علي”، و”بنغازي”، اللذين في الوقت الذي تتفقد فيه الكلبة حالة “عزيز” يلعبان هما “الضامة”، ولا يأبهان لأنينه ولا لعذابه، كما أن المطر كان أكثر رحمة منهما. فالكلبة والمطر أو لنقل القدرة الخارقة هي التي أنقدت عزيز من موت محقق في زنزانته، وليس البشر.

*روايتك “قط أبيض جميل يسير معي” تغطي أحد عشر يوما، وهو العنوان الذي كنت ستمنحه للرواية، أما روايتك “طائر أزرق نادر يحلق معي” فتغطي 18 سنة أو أكثر من اعتقال عزيز مسرودة في 24 ساعة، من الثامنة مساء إلى الثامنة مساء من الغد الذي يليه، فما السر وراء اختيار هذا الزمن الدائري والممتد؟

** لم يكن الأمر مخططا حقيقة، لأنني أكتب من دون خطاطة معينة، فأنا أكتب، وفي بعض الأحيان أصل إلى منتصف الرواية ولا أجد الوعاء اللازم، ثم أكتب وأعيد الكتابة مرات ومرات حتى يستوي النص بين يدي، وأجد الوعاء الذي يستوعب روايتي.

*بمعنى أنك لا تكتب وفق خطاطة وبناء سردي معينين، كما هو الشأن مع مجموعة من الروائيين الآخرين؟

** فعلا، أنا لا أستطيع كتابة رواية انطلاقا من بناء أو وعاء مسبق. أكتب انطلاقا من تصور معين، ولكنه ليس هو الأساسي، فأنا حاليا أكتب في الرواية الجديدة، ولم أستقر بعد على بناء معين، ولم أجد الوعاء النهائي لها، وحينما أقبض عليه، ساعتها ستنساب الرواية بين يدي، ولا يعود لدي أي مشكل. والأساسي بالنسبة إلي هو أن تحضر الفكرة والتصور، أما الوعاء فأنا على علم بأنه سيأتي فيما بعد حينما أجد الشكل المناسب للرواية. الجميل هو أن تكتب الرواية بأمل أن تعثر على شكلها، وحينما تعثر الرواية على شكلها تنتهي كل المتاعب والمشاكل.

*وماذا عن الزمن في الرواية: من الثامنة مساء من سنة 1990، إلى الثامنة مساء من سنة 1972، وذلك الذهاب والإياب عبر الزمن؟

**أنا لا أتحكم في كل ذلك، لأن الزمن يأتي مع الكتابة، ولأول مرة صراحة، كتبت عن فترة زمنية طويلة، تقريبا 20 سنة، ولم أكن أعرف كيف سأنهيها. كل ذلك يأتي مع الكتابة، ولكن سر كل شيء هو أن تعرف الحدود التي يجب أن تتوقف عندها، وأن تعرف عيوب العمل أو أخطاءه، لأن الكاتب مثل الفنان والشاعر إذا لم يعرف مكامن الضعف والخلل في عمله، فإنه من دون شك سيفشل.

*أكيد أنك ترغب من خلال شخصية “عزيز” طرح قصة معاناة جيل عاد البعض من عناصره من الموت بأعجوبة، خاصة أنك تهدي هذا العمل إلى جميع شهداء معتقلات الإبادة في تازمامارت، وأكدز، وقلعة مكونة، وسكورة، ودرب مولاي الشريف، والكوربس، والكومبليكس، ودار المقري، لكن ما هي الإضافة، التي تقدمها في هذا العمل الروائي ؟

** أنت من تستطيعين الحديث عن الإضافة، ولكنني مع ذلك أقول إن هذا العمل عبارة عن شهادة عن تلك المرحلة.

*ألا ترى أن هذه الشهادة متأخرة نسبيا، خاصة بعد مضي زمن على كل هذا وعلى هيأة الإنصاف والمصالحة؟

** هذا جميل، لهذا فأنا كتبت رواية وليس عملا تقريريا أو شهادة بالمعنى الحرفي لها. وما يهمني هو أن يقرأ هذا العمل الأدبي كرواية، ومعه يمكن التساؤل عن نجاحي من عدمه في كتابة هذه الأشياء في رواية، وعن استمتاع القارئ بهذه الرواية أم لا.

*في نهاية الرواية هناك فصل أحير يحمل عنوان “عزيز فيما بعد”، هل يمكن اعتباره مفتتحا للجزء الثالث من هذا العمل الروائي؟  

**هذا الفصل فيه نوع من التشويق واللعبة الروائية، خاصة حينما يعلم القارئ أن “عزيز” هنا هو اسم ابنة زينة، التي تكبر. أما الجزء الثالث من هذه الثلاثية إن أردت، فلا علاقة له بالعملين السابقين، اللهم ما تعلق بفترة زمنية من تاريخ المغرب ألا وهي ثمانينيات القرن الماضي.

*تتميز تجربتك الروائية بالانتظام في الصدور، رواية كل أربع سنوات أو أقل، فما الجديد الذي ترغب في تقديمه للقارئ بعد تملكك لصنعة الكتابة الروائية؟

**لا أعرف بالتحديد، لكن ما أنا واع به بشكل كبير هو أن هم الكتابة يسكنني، وهم تقديم العمل الجيد والممتع للقارئ، وهذه هي الإضافة الأساسية بالنسبة إلي، والمنتهى.

*المعروف في كتاباتك الروائية هو المزج الرائع بين العامية واللغة العربية، ولكنك في هذين العملين الأخيرين خففت من العامية، هل النشر في “دار الآداب” هو السبب، خاصة أنها تشترط على الكتاب عدم الإغراق في العامية المغربية؟

** بالعكس لم يكن لـ “دار الآداب” دخل في ذلك، فلما كتبت الجزء الأول، كنت سأقدمه لليلى الشاوني مديرة “دار نشر الفنيك”، ولكن لما قرأها الناقد محمد برادة، قال لي إنه من الأحسن أن أنشرها في “دار الآداب”. وفعلا التقيت رنا سهيل إدريس، المسؤولة عن “دار الآداب” في المعرض الدولي للنشر والكتاب، وسلمتها الرواية كما هي، فلم أجر عليها أي تعديل، والشيء نفسه يمكن قوله عن روايتي الأخيرة.

*ولم يغيب الحوار عن الرواية الأخيرة؟

**إنها محاولة جديدة مني، حيث خففت الرواية من الحوار، وجعلته متضمنا في السرد، إلى جانب الوصف، وهذا تحدي رفعته من أجل كتابة رواية من دون حوار، ربما نجحت في ذلك وربما لا، والقارئ هو الذي يمكن له أن يحكم على هذا العمل الروائي.

*هل منحك النشر في دار نشر عربية عريقة كـ “دار الآداب” الشهرة والانتشار على مستوى العالم العربي؟

**النشر في “دار الآداب” منحني مقروئية أكثر، وانتشارا على مستوى العالم العربي، وهو الأمر الذي لم يكن ممكنا مع دور النشر المغربية، التي لا توزع كتبها بالخارج، كما أن إمكانية ترجمة روايتي الصادرتين عن دار الآداب إلى اللغات الأجنبية قائمة، هذا إلى جانب  أنه في الوقت الذي يتحدث فيه العديد عن أزمة قراءة بالمغرب، نجد دور النشر المشرقية، وعلى رأسها “دار الآداب” تفند هذا الادعاء، من خلال نفاد روايتي، ورواية عبد الرجيم جيران مثلا.

*ألم ترشح “دار الآداب” الروايتين لإحدى الجوائز العربية المهمة؟

** روايتي الأخيرة “طائر أزرق نادر يحلق معي” سترشحها الدار هذه السنة لجائزة البوكر العالمية للرواية العربية.

*لماذا برأيك تحول العديد من الكتاب المغاربة إلى النشر في المشرق وهجرة دور النشر المغربية؟

**أولا ليست لدينا دور نشر بمعنى الكلمة، وأغلب الكتاب ينشرون على نفقتهم. الناشرون الحقيقيون بالمغرب قليلون جدا ولا يتجاوزن خمسة، أما الباقي فهم مطبعيون يقدمون الكتاب المدرسي، ولهذا نجد أن الكاتب المغربي ينشر أعماله الإبداعية والفكرية على حسابه الخاص، هذا إضافة إلى كون الناشرين المغاربة لا يشاركون في كل المعارض العربية، على عكس نظرائهم المشارقة، الذين يضمنون للكتاب المنشور لديهم حقه من التوزيع والانتشار والتداول. كما أن وضع القراءة والكتاب المتردي بالمغرب، يدفع الكتاب إلى البحث عن بدائل وعن طرق لترويج كتبه، وبالتالي فمن حقهم التوجه إلى الدار، التي تصون على الأقل كرامتهم بنشر كتبهم من دون مقابل. دور النشر المغربية قليلة جدا، وهي للأسف لا تقوم بواجبها تجاه الكتاب.

*يزعم الناشرون المغاربة أن الكاتب المغربي ينشر في دور النشر المشرقية من دون حقوق، فهل هذا صحيح؟

** بالعكس “دار الآداب” التي أتعامل معها حاليا، تتعامل مع الكاتب بمهنية وحرفية عالية، وتضمن له جميع حقوقه، من خلال عقدة قانونية تربط الدار بالكاتب، وتقدم له 10 في المائة من مبيعات الكتاب، أما إذا أعادت طبع الكتاب، فهي تخبر الكاتب، وتقدم له تعويضاته بالكامل، على عكس “دار إفريقيا الشرق” التي ترجمت روايتي “حشيش” إلى اللغة الفرنسية منذ ثلاث سنوات، ولحد الساعة لم أحصل ولا على سنتيم واحد عن ذلك العمل. فمن يعطي الحقوق فعلا للكاتب هي دور نشر قليلة جدا، مثل “دار الفنيك”، التي كانت تبعث لي كل ثلاثة أشهر ببيان تفصيلي عن مبيعات عملك.

*هل تعتبر نفسك كاتبا مقروءا بالمغرب؟

** الأمر نسبي، ويتعلق بعدد النسخ المطبوعة من كل كتاب، ولكن بشكل عام أعتبر نفسي كاتبا محظوظا، خاصة أن كتاباتي حظيت بالمتابعة النقدية، ومن طرف العديد من النقاد المغاربة، كمحمد برادة، وأحمد المديني، وأحمد بوزفور، وغيرهم من النقاد. لكن الإشكال الحقيقي يكمن في تداول الكتاب المحدود بالمغرب، حيث نعيش مفارقة عجيبة، بلد يضم 30 مليون نسمة من السكان، ولا يطبع في أحسن الأحوال من الكتاب الواحد سوى 2000 نسخة. رواياتي تلقى إقبالا من طرف القراء الذين يهتمون بالأعمال الروائية.

*تشتغل في حقول متعددة كالسيناريو والمسرح، ومع ذلك لا تتخلى عن الكتابة الروائية، فماذا تشكل بالنسبة إليك الرواية؟

** الكتابة الروائية هي الأساس بالنسبة إلي، وأنا أعتبر نفسي روائيا بالدرجة الأولى، كتبت روايتي الأولى”الخنازير” سنة 1983، وكنت أتمنى أن أكون روائيا. درست لفترة في مدرسة الفنون الجميلة، ورغبت في أن أكون رساما، ومارست المسرح، وبعدها كتبت السيناريو، ولكن الرواية دائما كانت تشدني.

*رغبتك في أن تصبح روائيا، هل هي نابعة من كون الروائي له موقع في المشهد الثقافي؟

**ليس هذا هو الأساسي بالمسبة إلي، لأن رغبتي في أن أكون روائيا تولدت لدي منذ زمان، منذ كنت أستأجر الكتب من بائع الحلوى، كتب يوسف السباعي، وإحسان عبد القدوس، ونجيب محفوظ، وعبد الحليم عبد الله، حيث كنت أقرأ 500 صفحة في يومين. علاقتي بالرواية بدأت أولا كقارئ، ثم تحولت إلى كاتب فيما بعد وما زالت.

*هل يقرأ يوسف فاضل للروائيين المغاربة؟

** نعم أقرأ لمجموعة من التجارب الروائية الجديدة في المغرب.

*وما رأيك في هذه الأعمال، وهل يمكن الحديث عن مدرسة روائية مغربية؟

**ما زلنا في بداية الطريق كروائيين مغاربة، وطابع التجريب يغلب على أعمالنا، فكل واحد منا ما زال يبحث لنفسه عن الطريق الأنسب، بحيث لا يمكن الحديث عن مدرسة روائية مغربية، ولا غيرها، مثلما لا يمكن الزعم بهذا الشيء حتى في مجالات أخرى، مع بعض الاستثناءات طبعا.

*هل يواكب النقد المغربي برأيك التراكم الحيوي الذي تشهده الكتابة الروائية؟

** النقد غائب، وأصبح منقرضا تقريبا، لأنه لا توجد حركة ثقافية، ولا يوجد تقليد للاحتفاء بالكتاب والجديد في المغرب، فنحن نكتب لأننا نرغب في ذلك، ويمكن تشبيهنا بالمسرحي الذي ينجز مسرحية من دون جمهور. تلزمنا ثورة ثقافية في المغرب وانتفاضة لحث الناس على القراءة منذ الصغر، حتى نضمن لأعمالنا أن تقرأ في العشرين سنة المقبلة. ففي الدارالبيضاء مثلا التي أقطن بها قد تمر شهور من دون أن يكون هناك حدث ثقافي معين، ولا حتى التفاتة لكتاب ما، الحركة الثقافية شبه غائبة، وهذا ليس في صالح الثقافة والكتاب والكاتب بالمغرب.

*صدرت لك لحد الآن عشر روايات، فما هي الرواية التي ترى أنك وفقت فيها، والرواية التي حققت لك الشهرة؟

**غالبا ما نقول إن الرواية الأخيرة هي الرواية الجيدة، لأنها هي التي تكون قريبة منا زمنيا، أما التي حققت لي الشهرة، ولو أنها كلمة كبيرة علينا في المغرب، فهي رواية “حشيش”.

 

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف