مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

حوارمع الناقد أحمد بوحسن: النقد المغربي يساهم بشكل ملموس في تطوير النقد العربي

حوارمع الناقد أحمد بوحسن: النقد المغربي يساهم بشكل ملموس في تطوير النقد العربي

Sans titre

حاورته سعيدة شريف

عن جريدة الأخبار

النقد الذي احتضنته الجامعة المغربية ساعد على نقل بعض ثراء الإنتاج النقدي الإنساني

يعد أحمد بو حسن، من خيرة النقاد المغاربة، الذين ساهموا في تطوير الدرس النقدي المغربي، وإعادة بنائه وتشكيله وفق نظريات حديثة ومناهج متجددة، ما جعل العديد من الباحثين يجمعون على كونه علامة أساسية في مشهد النقد المغربي المعاصر، لأنه جعل النقد المغربي يعيش مغامرة مختلفة لا يقتصر فيها اشتغاله على توجيه النقد من الخارج، بل يعمد إلى تفكيكه من الداخل من خلال مثاقفة منتجة يسكن فيها الآخر الذات والاختلاف الهوية.                                في هذا الحوار مع الملحق الثقافي لـ “الأخبار” يكشف الناقد والمترجم أحمد بوحسن عن الدور الطلائعي الذي قام به النقد المغربي، وإسهامه في تطوير النقد العربي، وعن بعض المآزق التي يعرفها النقد المغربي، ويشير إلى أن الفعل                                                         النقدي العالمي يتطلب من النقد المغربي والعربي شحذ آلته الترجمية وتوسيع تصوراته للنقد الأدبي.

*ما هي المسارات والتحولات التي عرفها النقد المغربي منذ أوائل الثمانينيات من القرن العشرين، وانفتاحه على المناهج الغربية؟

**عرف النقد المغربي الحديث تحولات هامة منذ السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن العشرين بحكم ما طرأ على الفضاء العلمي والثقافي من تطورات لعبت فيها الجامعة المغربية الحديثة دورا أساسيا، والبعثات العلمية الأولى إلى المشرق والبعثات إلى أوروبا بشكل خاص، وكذلك وسائل الإعلام، بخاصة الصحافة الأدبية، وبعض المجلات لأدبية، وبعض الجمعيات الثقافية، ونوع الحراك الثقافي العام الذي عرفته تلك المرحلة، وهو حراك كان ملتحما بالخطاب السياسي ومشبعا بالتوجهات الإيديولوجية الاشتراكية والطموح في التغيير. ويمكن أن نوجز القول في مسار النقد المغربي المعاصر في كونه وليد مرجعيتين فكرتين وثقافتين كبيرتين، هما:

أولا: المرجعية المغربية العربية القديمة، ويمكن أن نميز فيها بين مرجعيتين أساسيتين:المرجعية المغربية العربية القديمة والحديثة، والمرجعية الأوروبية.             1- المرجعية الموروثة عن الإرث النقدي المغربي الأندلسي والمشرقي التي كانت تركز على النص التراثي العربي الكلاسيكي سواء في المغرب أو المشرق، وكانت متأثرة بالدراسات اللغوية والبلاغية، وبالجمالية النقدية العربية الكلاسيكية القديمة، وبالجمالية النقدية لمرحلة النهضة منذ القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. كما أن هذه المرجعية التي وصفناها بالقديمة كانت متأثرة بنوع الدراسات النقدية المغربية، التي ظهرت منذ العشرينيات من القرن العشرين في المغرب، وكانت مرتبطة بشكل قوي بتطورات النقد المشرقي لمرحلة النهضة الحديثة. ومن خصائص هذه الدراسات النقدية أنها كانت تختزل النص الأدبي أو الظاهرة الأدبية في مستويين، هما الشكل والمضمون، وتركز على بعض الجوانب اللغوية والبلاغية، وعلى بعض القيم الجمالية والأخلاقية العربية والإسلامية في دراستها. وكان همها هو التركيز في الإبداع على القوة اللغوية المنتمية إلى النماذج العربية القديمة المثلى، في أساليبها وصورها وجماليتها. كما كانت هذه الدراسات النقدية القديمة تتسم بالبعد الإحيائي الذي يحاول ربط الماضي بالحاضر، وكان مثل ذلك الربط يمثل بعدا نقديا مطلوبا ومرغوبا فيه.                                                2- المرجعية الحديثة التي كانت تركز على البعد الاجتماعي والأبعاد الإيديولوجية والسياسية التي أفرزتها مرحلة ما بعد الاستقلال والدراسات القومية والاشتراكية التي عرفها العالم العربي، وتركز على المضامين وعلى الوحدة العضوية للنص. كما  كانت تحكمها القيم الكبرى، والقضايا الكبرى القومية والعربية، ولا تهتم كثيرا بالقضايا الجزئية التي تمس الإنسان الفرد في حياته، إلا ما ندر. وحتى إذا حصل ذلك، فإنه كان يربط بالبعد الاجتماعي والسياسي العام. وكانت المرجعية النقدية المشرقية حاضرة هنا، وكانت تمثل نموذجا لا يستهان به.                                  ثانياً: المرجعية الأوروبية التي تعامل معها النقد المغربي هي المرجعية النقدية الفرنسية في الأساس، ثم المرجعية الأنجلو- ساكسونية فيما بعد. وكان في الإمكان أن تكون الإسبانية فاعلة، مثلها مثل الفرنسية، في التعامل مع المعرفة الأوروبية، ولكن بحكم ما طالها من تحجيم في الفضاء التربوي والثقافي المغربي منذ أواخر الخمسينيات من القرن العشرين قد قلل من دورها، وحرم الحقل العلمي والثقافي المغربي من الدور الهام الذي كان يمكن للإسبانية أن تلعبه فكريا وثقافيا.        سيتم التحام المرجعية العربية المشرقية والمرجعية المغربية العربية الحديثة، التي ولدتها الجامعة المغربية الحديثة، مع المرجعية الأوروبية، الفرنسية أولا، ثم الأنجلو- ساكسونية فيما بعد، لتنتج كتابة نقدية مغربية عربية حديثة، تتحاور مع الكتابات النقدية الفرنسية كذلك، ومن ثم ظهور خطاب نقدي مغربي خاص مشبع بالمرجعيات المذكورة، مرتبط بالمشرق من جهة، وبأوروبا من جهة أخرى. ثم سيحاول النقد المغربي أن يكون خطابه الخاص ويبدأ في المساهمة تدريجيا في النقد العربي، ويكون له حضوره الدال مع نهايات القرن العشرين.

*ما هي المآزق التي اعترضت النقد المغربي، وما زالت مستمرة إلى الآن؟

** النقد كأي ممارسة فكرية وعلمية وثقافية وهو يمارس فعله في فهم وتفسير وتحليل وتأويل عالم النصوص الأدبية والظواهر الأدبية والثقافية والفكرية، فإن حياته واستمراره يكمنان في تخطي العقبات وخلقها في نفس الوقت. فكل معرفة إنسانية لا تعرف هذه الجدلية تموت أو تتكلس، ولهذا عرف النقد المغربي الحديث لحظات دالة نحت فيها طريقه في مسار النقد المغربي والعربي، فعرف لحظات النقل والتمثل للنقد العربي المشرقي الحديث، فأنتج على منوالها في بدايات القرن العشرين حتى الستينيات وأوائل السبعينيات منه، ثم تفاعل مع النقد الأوروبي، والفرنسي بخاصة، منذ السبعينيات، فقدم إضافات منهجية ونظرية وتصورية للنقد العربي عامة، وساهم في توسيع دائرة تصور النقد العربي، مثلما فعل النقد المشرقي من قبل في علاقته مع النقد الأوروبي، الفرنسي في أوائل القرن العشرين، ثم الإنجليزي مند الأربعينيات من القرن العشرين. وأعتقد أن هذا الرصيد المعرفي العربي الكلاسيكي والحديث، وتفاعله مع النقد الأوروبي اللاتيني والأنجلو- ساكسوني، قد أعطاه بعده الحديث وساهم في تطوير الدراسات العربية الحديثة. ومن أهم العوائق التي تعترض مسار النقد المغربي الحديث هو محولة تمكنه من الاستيعاب الفعال والمنتج لمنتجات النقد الأوروبي والأنجلو- ساكسوني، والعالمي بصفة عامة، في تصوراته ونظرياته ومناهجه ولغاته. ولن يتم ذلك إلا بالاستيعاب النظري بالتعبير اللغوي والأسلوبي والمصطلحي العربي السليم والواضح، ويستنبت ذلك في حقل الدراسات النقدية المغربية والعربية. صحيح أن النقد المغربي والعربي قد أصبحت لديه تجربة في فعل التفاعل والتواصل مع نقود الآخر، ولكن تسارع الفعل النقدي العالمي يتطلب من النقد المغربي والعربي أن يشحذ آلته الترجمية والإنتاجية، ويوسع من تصوراته للنقد الأدبي.

*هل استطاع النقد المغربي ردم الهوة بين الأقطار العربية، وتقديم تصور للتأويل الجمالي بعدما ظل غارقا في الإيديولوجيا في السبعينيات، وتائها في الثمانينيات والتسعينيات في البحث عن معارف علمية دقيقة؟

**لعل السيرورة التاريخية التي عرفها العالم العربي منذ الخمسينيات، أو على الأصح مرحلة الاستقلالات السياسية لأهم الأقطار العربية، ونوع العلاقات التي حصلت بين الأقطار العربية، بحكم التوجهات السياسية والفكرية القومية والاشتراكية والتحررية، وبخاصة المسألة الفلسطينية، قد ربطت علاقات فكرية وثقافية بطريقة أو أخرى بين البلدان العربية التي كانت سباقة إلى الاستقلال والنهضة الثقافية التي بدأت عندها منذ القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، مثل مصر، ولبنان، والعراق، وسورية، والعراق، وكان لها دور هام في دفع العجلة الفكرية والثقافية والنقدية في العالم العربي عامة، ومنه المغرب. ولكن حركية المغرب والبلدان المغاربية وحتى البلدان العربية الأخرى مكنتها من فرض إنتاجها، بصور متفاوتة، وبدأت تساهم بدورها مع الدول العربية الرائدة تاريخيا في مجال الإنتاج النقدي الحديث، ومنها البلدان التي تميزت في بعض المجالات الفكرية والنقدية مثل المغرب، وتونس، والجزائر في السنوات الأخيرة.             أما تجاوز النقد المغربي لمرحلة السبعينيات فأمر تاريخي معروف، لأن النقد المغربي يعرف تطورا، ولو بطيئا، مثل المجتمع المغربي، ويبني تاريخه من المراجع المتنوعة الجديدة، وبخاصة تلك التي ذكرناها من قبل. أما أن يكون النقد المغربي تائها منذ الثمانينيات، فإن الأمر لا يتعلق بالتيه في مجال الفكر والنقد، وإنما يتعلق بمدى استيعابه للتحولات الفكرية والمنهجية التي تحصل حوله وفي العوالم الأخرى. فالنقد المغربي اليوم أمام تصورات واسعة لمجال عمله وللغته، فقد كون رصيدا معرفيا يحتاج باستمرار إلى معاودة النظر بحكم ما ينفتح عليه من خطابات جديدة لم تكن حاضرة من قبل، مثل الخطاب الشعبي وخطاب الأسفار والرحلات والخطاب الثقافي وما بعد الاستعمار وتحليل الخطابات التي كانت مهمشة أو منسية أو غير معترف بها. وبالجملة، فإن المسألة المطروحة على النقد المغربي هي تلك المطروحة على الفكر المغربي بصفة عامة، هي كيف يمكنه أن يوسع من رؤيته وينظر بشكل علمي سليم للتحولات الأدبية والثقافية، التي تحصل مند التسعينيات من القرن الماضي؟ وهذا أمر متروك لاجتهاد الباحثين والباحثات والمفكرين والمفكرات والمثقفين والمثقفات التي يزخر بها المغرب المعاصر.

*رغم أن النقد المغربي يحتل موقع الصدارة في النقد العربي المعاصر، إلا أنه ما زال يعاب عليه إغراقه في المنهجية والنظرية، ومحاولة تطويع النصوص وإسقاط النظريات عليها. ما رأيك؟

** صحيح أن النقد المغربي قد تطور كثيرا وأصبحت له مكانة معترف بها في النقد العربي المعاصر، ولكن إذا نظرنا إلى الأسباب التي مكنت النقد المغربي من تلك المكانة، فسنجدها تتمثل في معاناته مع التمثل النظري والمنهجي واللغوي والمصطلحي مع المتن العربي القديم والحديث، ومع التصورات والنظريات والمناهج الأوروبية التي وجد فيها ما يساعده على تطوير أدواته المنهجية وتصوراته النظرية. وأعتقد أن التفاعل والتواصل مع الآخر في المجال النقدي هنا هو من باب وعي النقد المغربي بما حصل من تطور في المجال النقدي عند الآخر الذي يتواصل معه. لقد تواصل النقد المغربي، وما زال مع النقد العربي في المشرق، واستفاد منه كثيرا ومازال، ولكنه يريد أن يوسع بدوره من دائرة المعرفة النقدية العربية، ويضيف ما اهتدى إليه بحكم تفاعله وتواصله مع النقد الفرنسي بشكل خاص، ومع النقد الأنجلو- ساكسوني في العقود الأخيرة.            إن تطويع النصوص وتطبيق النظريات عليها أمر مطلوب في التقدم المعرفي والعلمي، فالتجريب مطلوب في اكتساب المعرفة الجديدة، ولكن النقد المغربي الناضج أصبح يستثمر النظريات والمناهج ولا يسقطها إسقاطا فجا غير واع. قد يكون هناك مثل هذا النقد، ولكن ليس كل النقد المغربي يقوم بذلك. فهناك نقاد كبار لهم تجربة طويلة في الممارسات النقدية وأصبحوا روادا في المغرب والعالم العربي. وأذكر على سبيل المثال من جيل الرواد للنقد المغربي المعاصر مثلا، أحمد اليبوري، ومحمد برادة، وحسن المنيعي، ومحمد السرغيني، ومحمد مفتاح، وعبد الفتاح كليطو، وغيرهم… وهناك جيل آخر بعد هذا فيه عشرات من النقاد لا يسمح المقام بذكرهم، بل هناك جيل ثالث في النقد المغربي المعاصر بدأت تتشكل معالمه في أفق النقد المغربي.

*هل يمكن الحديث اليوم عن مدرسة نقدية مغربية؟

** من الصعب القول بوجود مدرسة نقدية مغربية بمفهوم المدرسة الفكرية والأدبية والعلمية، لأن مفهوم المدرسة هذا يتطلب تصورا نظريا خاصا بها وممارسات جديدة في الحقل النقدي يتميز بها عن الممارسات النقدية الأخرى. فعندما ننظر إل المدارس النقدية العربية القديمة والمدارس النقدية الأوروبية الحديثة نجد لها سمات فكرية وعلمية خاصة، وممارسات نقدية نظرت فيها للممارسة الأدبية من زوايا جديدة ومختلفة عن الأخرى السابقة لها أو المعاصرة لها. فالمدرسة التاريخية تختلف عن مدرسة الفقه لغوية، والشكلانية تتميز عن البنيوية، والبنيوية التكوينية تتميز عن البنيوية، والتفكيكية تتميز عن التأويلية الألمانية، واستجابة القارئ تختلف عن الانطباعية وهكذا. للنقد المغربي اجتهاداته الخاصة في الدراسات النقدية المغربية والعربية، ويقدم نماذج هامة من التصور والتحليل والتأويل، ويساهم بشكل ملموس في توسيع الرؤية النقدية العربية، ومن ثم يعمل على تطوير النقد العربي عامة. ولهذا وجد مكانته الخاصة في النقد العربي واعترف له بدلك بإنتاجاته الدالة.

*باعتبارك أستاذاً جامعيا وناقدا، فماذا قدمته الجامعة المغربية في رأيك للدرس النقدي المغربي؟                                   

**الجامعة هي التي تطور المعرفة في أي بلد، وهذا هو دورها منذ نشأتها. هي فضاء للحوار والاختلاف العلمي الخلاق، وهي فضاء الحرية في إبداء الرأي، وبالتالي هي فضاء للخلق والابتكار. جامعاتنا الحديثة ساهمت بدور كبير في التكوين والتأطير، وفي البحث والإشعاع الفكري والثقافي كذلك. ويكفي أن ننظر إلى مختلف الباحثين والباحثات والمفكرين والمثقفين، الذين لعبوا ويلعبون دورا هاما في الحياة الفكرية المغربية، والعربية كذلك، فهم من خريجي الجامعات المغربية، دون إغفال الجامعات الدولية الأخرى.                                       ولعل أهم ما قدمته الجامعة المغربية في مجال الدراسات النقدية المغربية، هو جعل الخطاب المغربي الأدبي والفكري ينفتح من جديد على تراثه ويحاول دراسته وتحليله بطرق ومناهج حديثة تبرز غناه اللغوي والأسلوبي والفكري والحضاري الذي لم تتمكن الدراسات النقدية الكلاسيكية، رغم أهميتها، من الكشف عنه. وهذا مكسب معرفي ونظري لتراثنا وذاتنا المتأصلة في التاريخ والحضارة. وهذا يقوي من اعتزازنا بحضارتنا المغربية الأندلسية المغاربية العربية الإسلامية، كما أن هذا النقد الذي احتضنته الجامعة المغربية في مختلف أرجاء الوطن قد ساعد على نقل بعض ثراء الإنتاج النقدي الإنساني في أوروبا وأمريكا وغيرها. وقد تم ذلك بالجهود الترجمية التي قام بها النقاد بمجهوداتهم الفردية وتشجيع الجامعة المغربية على ذلك الانفتاح المثمر البناء. هي مجهودات تحتاج إلى تطوير أكثر وإلى تمكين الجامعة المغربية من الوسائل المادية والمالية والبشرية، ومن خلق معاهد وتخصصات خاصة بالترجمة لتتمكن الجامعة، والنقد الذي يدرس فيها من الانفتاح أكثر على مختلف الخطابات المغربية القديمة والحديثة بتصورات ومناهج ونظريات حديثة، والانفتاح أكثر كذلك على المنجز النقدي والفكري والعلمي الإنساني في ظروف علمية سليمة ومنتجة.

*تميزت دراساتك النقدية بالغنى والتنوع، والانفتاح على حقل العلوم الإنسانية والتاريخ والدراسات الثقافية، وأعطيت مفهوما جديدا للنقد، فهل وجدت هذه الاجتهادات صدى في المشهد النقدي المغربي؟

** الانفتاح على العلوم الإنسانية والفلسفة والمعارف اللسانية والاجتماعية والسياسية وغيرها، أمر مطلوب في الدراسات النقدية، لأن النقد، أي نقد، يحتاج إلى مرجعية متنوعة وغنية فكريا ونظريا، ناهيك عن النقد الأدبي الذي يعتبر ملتقى المعارف المختلفة اللغوية والأسلوبية والبلاغية والجمالية والتاريخية والفكرية بعامة، وبخاصة الفلسفة. لقد أظهرت تجربة كبار النقاد، في أي حقل معرفي، أن مرجعيتهم الفكرية والعلمية متنوعة ومختلفة وغنية، لأن الاهتداء إلى إخراج فكرة جديدة، كيفما كانت، تحتاج إلى تمثل ما كان قبلها وتاريخيتها وأساس تصورها، الفلسفي والإبستمولوجي والتاريخي، وإلى إعمال الفكر في التقاط الجوانب الصلبة في الفكرة القائمة والجوانب الهشة فيها، والتي تعتبر مدخلا للاجتهاد في بناء تصور جديد وبناء فكر جديد. النقد عملية فكرية إبداعية تاريخية فلسفية اجتماعية مركبة، ولهذا فعملي المتواضع كان يروم في البداية الاشتغال على المفاهيم التي نبني بها معارفنا. فبناء المعرفة يحتاج إلى البناء المفاهيمي قبل كل شيء، ثم بناء تصور، وإتباع منهج في التحليل والمقاربة. كان اهتمامي بمثل هذه الجوانب في الدراسة النقدية لتوسيع مفهوم النقد ليرتبط بالنص المعرفي الذي يتخلق فيه النص الأدبي أو الظاهرة الأدبية، ذلك أن توسيع دائرة مفهوم النقد سيؤدي إلى توسيع رؤيتنا وتصورنا لعالمنا الأدبي والثقافي والفكري. أما صدى هذه الأفكار، فهو مثل صدى أي مجتهد، يصيب ويخطئ، وقد يكون له على الأقل فضل الاجتهاد، وربما هو الذي حاولت إيصاله إلى طلابي في أبحاثهم ودراساتهم.

*اهتممت بالتراث النقدي العربي ووضعت بعض التجارب العربية تحت مجهر النقد الحديث، كما قطعت مع بعض التجارب السابقة التي طبعتها عقلية التوليف والتوفيق، فما هي خلاصة المنجز النقدي الذي اشتغلت عليه وما زالت؟

*لقد اهتممت في دراساتي النقدية الأولى بالمتن النقدي العربي القديم في المشرق والمغرب. وكان ذلك زادا معرفيا أساسيا في دراساتي اللاحقة، لغويا وأسلوبيا وبلاغيا وجماليا، جعلني أقف على المجهودات الكبرى التي قام بها نقادنا العرب المسلمون في المشرق والغرب الإسلامي في المغارب والأندلس. وقد تبينت بقدر أو بآخر عمق الحضارة العربية المشبعة بذاتها وبذوات من كتب بالعربية من الأقوام والأجناس غير العربية. النقد العربي القديم عرف تواصلات كبيرة ومتنوعة مع الحضارة التي جاورها أو تعايش معها أو تصارع معها، فقام بالنقل والترجمة من الحضارة المتقدمة التي سبقته أو عاصرته، وكون لنفسه في المشرق والمغرب مكانته الخاصة، وبنى حضارته الخاصة به المعترف بها عند كل متبصر خبير. لقد درست أحد المتون الأدبية العربية القديمة الهامة، وهو كتاب “الأغاني” لأبي الفرج الأصفهاني، وهو من أمهات المعرفة الأدبية والفكرية العربية الكلاسيكية. ولكنني درسته بتصورات حديثة تطلب مني ذلك وقتا طويلا وتمهلا لاستيعاب المناهج الحديثة، التي تعلمتها من المتن النقدي الفرنسي الحديث والألماني والأنجلو- ساكسوني. وهكذا، وجدت أن كتاب “الأغاني” يمثل التصور الحضاري المتقدم للتعامل مع الثقافة العربية والثقافات الإنسانية الأخرى، ووجدته يقوم على مفاهيم فكرية وتاريخية وفلسفية وجمالية نفذت إلى عمق الإنتاج الشعري والثقافي العربي القديم. قد يكون الأصفهاني في الأدب هو ابن خلدون في الدراسات التاريخية والاجتماعية في حضارتنا العربية الإسلامية الكلاسيكية. كما وجدت “الأغاني” يمثل نموذجا للدراسات الثقافية، بالمفهوم المعاصر الذي ينفتح على العلوم الاجتماعية والسياسية والفكرية واللغوية. وهو في النهاية نص ثقافي وحضاري شجعني على الانفتاح أكثر على الدراسات الثقافية ودراسات التلقي والدراسات النقدية المعاصرة الأخرى التي تستجيب لها نصوصنا الأدبية وممارستنا الأدبية والفكرية والثقافية. كما أن الاعتماد على مقاربة النص الأدبي والظاهرة الأدبية تتطلب التزود بالمناهج والتصورات النظرية التي نهتدي بها أثناء مقاربتنا لها. ولا يمكن أن نترك النص أو الواقع الأدبي أو الثقافي يفرض علي المنهج الذي أتبعه. مثل هذا التصور لا يستقيم والمنطق العلمي، لأن المنهج وسيلة وأداة بها سأقارب النص وأبحث فيه بأدواتي عما يسعفني به النص، ومن ثم أكون واعيا بما أفعل وأعرف عما أبحث عنه، وبالتالي قد أهتدي إلى معان خفية أو ظاهرة تعطي للنص قيمته الحقيقية. أما التوفيق والتلفيق بين المناهج المتباعدة في التصور والغايات، فهذا عمل غير علمي ولا يؤدي إلى نتائج علمية سليمة، مثل ما يسمى بالمناهج التكاملية. فمثل هذا التكامل لا يكون في المناهج والتصورات النظرية، لأنه يؤدي إلى طمس المعرفة والخلط بين المعارف، وعدم الغوص في أعماقها وخفاياها والكشف عن مكنوناتها.

*ما رأيك فيما يقدم في المشهد الثقافي والأدبي المغربي اليوم من نقد؟

** ما يقدم من إنتاجات أدبية وثقافية في المغرب اليوم هي وليدة تاريخ وتصورات أصحابها، ووليدة المدرسة المغربية المعاصرة، وكذا وليدة الدراسات الأدبية في الجامعة المغربية التي اتسع مجال نفوذها وتنوعت تصوراتها، وإن كان يجمعها، مثل سابقاتها، الانشغال بالمجتمع المغربي والعربي، والعالمي أحيانا. فعلى مستوى الكم، من حيث الإبداع والدراسات الفكرية والاجتماعية والفلسفية والعلمية، فما زال دون طموح المجتمع المغربي، ولا يختلف كثيرا عن الأقطار العربية في ذلك. ومع ذلك هناك بعض الإنتاجات العلمية والفكرية والثقافية التي بدأت تستفيد من الرصيد الفكري المغربي الذي تراكم في العقود السابقة. أما المجال الثقافي فقد توسعت ممارساته وأصبح التنافس على المهرجانات المختلفة التي تؤشر على الثقافات المحلية، ولو بطابعها الفلكلوري. وإذا كتب لهذه الممارسات الثقافية العامة أن تدرس وتحلل من أجل تطويرها وتوجيهها توجيها فكريا وجماليا أكثر فستغني الثقافة المغربية المتنوعة. كما أن هناك بوادر المقاهي الأدبية التي إذا ما توسعت وانتشرت أكثر في المدن والمدن الصغيرة على الأقل، فإنها ستفتح أعين الشباب والشابات على ما يجري من حولهم وفي بلدهم، وبالتالي تخلق نماذج ثقافية مثلى يقتدى بها. ولكي تتمكن الثقافة المغربية من اكتساب فضاءات أوسع وأرحب لا بد للمجالس البلدية أن تدخل في اعتبار نمو وازدهار مجالها الترابي أن تعتبر الثقافة في مختلف تجلياتها من الأوليات عندها كذلك. وهذا من شأنه أن يخفف العبء على وزارة الثقافة التي نعرف وضعيتها الضعيفة من حيث الموارد المالية والبشرية. ثم لا بد للقطاع الخاص أن ينفتح على الاستثمار في المجال الثقافي ليعطي دفعة خاصة ونوعية للإنتاج الثقافي مثلما أعطاه في المجالات الاقتصادية الأخرى. ومع ذلك، فإذا كان الوضع لا يرقى إلى الطموحات المرجوة، فالتفاؤل العملي كفيل بتغيير الوضع الثقافي المغربي إلى ما هو أحسن.

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف