مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

المسرح الوطني محمد الخامس يحتفي بتجربة حليمة زين العابدين الروائية

المسرح الوطني محمد الخامس يحتفي بتجربة حليمة زين العابدين الروائية

AAA 

محمد العناز

مراسلة خاصة-الرباط-

امتلأ بهو مسرح محمد الخامس عن آخره بجمهور الروائية حليمة زين العابدين -مناضلات، مناضلين، مثقفات، ومثقفين، سياسيات وسياسيين، إعلاميات وإعلاميين، فيسبوكيات، فيسبوكيون..- الذي حضر بكثافة احتفاء بتجربتها الروائية ومساراتها التي راكمت فيها عددا من الأعمال الروائية بدءا من “هاجس العودة” و”قلاع الصمت” و”على الجدار” و”الحلم لي”.

اللقاء الذي أداره باقتدار أحمد جواد افتتح بدراسة عميقة السعدية بوفتاس التي قاربت في مداخلتها رواية”قلاع الصمت” بوصفها فضاء لنساء الربوة انطلاقا من العنوان. فالقلاع مرتبطة بالفضاء المحصّن، والصعب الاختراق، منغلق يصعب الولوج إليها، ويمكن الانزواء إليها. أما الصمت فيحيل إلى انعدام الكلام والبوح والتعبير، وإلى المسكوت عنه في قبو الإنسان. قد يكون مرادفا للاختيار أو القهر. معتبرة أن العنوان يحمل قلاعه متسائلة عن دلالاته في ثنايا النص، وعن انغلاق الذات وتحصنها داخل قلاع الصمت، وكيف تحتمي بها متوقفة عند شكل الرواية الذي بني بإصرار كعتبة أولى ثم توضيح لا بد منه كعتبة ثانية لتتعابق الفصول المشكلة للرواية. فمعاناة البداية، ومعاناة اختيار السارد، والزمن، والمكان، والسرد المؤلم، ومساحات الحفر زمنا ممتدا إلى ما بعد الاستقلال. فالرواية تؤثث لمجريات الأحداث من منطق جدلي للتاريخ في تعاقبها، وفي انتكاساتها. ويستند الحكي فيها إلى بدايات تؤسس للسفر الذي يقتضي التزود بحاسة اليقظة. إنه حكي عميق مشدود للتاريخ الفردي والجماعي. ذلك أن نعيمة الشخصية المركزية في الرواية تحضر بوصفها محورا لكل القضايا الإنسانية بدءا من اغتصاب طفولتها بعد زواج أمها فاطمة، وميلادها كأنثى، وبحثها عن الحق في الحياة الكريمة ككائن تواق إلى الحب والحنان، وممارستها لكل أنواع الصراع الأبدي للمرأة، وانتزاع الوجود قبل الاستقرار. تضيف السعدية بوفتاس أن الرواية تستثمر الدراسات النفسية وآثارها على المرأة انطلاقا من الأبعاد المحايثة: فالبعد الاجتماعي ينبني في الرواية على السلطة الذكورية التي مورست على نعيمة في محيطها، والنظرة الدونية. أما البعد الإنجابي فيتمثل في واقع بداية الاستقلال، وبؤرة الزمن السياسي المرتبط بالعنف والإقصاء. في حين شكلت شخصية سي مروان رمزا للانعتاق من أسر الاستعباد. أما الواقع السياسي والواقع الحقوقي وأثره على البطلة نعيمة فقد حضر في الرواية عبر عنف الأسرة، وعنف المجتمع، وعنف الدولة. والمطالبة ببديل قائم على المساواة(المهدي، يوسف). لتخلص في الأخير إلى البعد القيمي الفاضح لتغيرات الزمن، ومكامن القوة والضعف في المجتمع من حيث الثقافة المهيمة(التحرش الجنسي، والاعتداء الجنسي..). وفي قراءتها لرواية “على الجدار” التي وسمتها رشيدة لكحل بالانطباعية انطلقت فيها من أن رواية الجدار تصف حيواتنا في زمننا الافتراضي هذا. هكذا وبكل دقة يجد كل واحد منا نفسه بين دفتي هذه الرواية..وتتجسد أمامنا حقيقة واحدة: “العالم قرية صغيرة”، مضيفة أن “على الجدار” هي رواية الزمن الراهن بامتياز؛ لأنها تسحب قائها من الوحدة إلى الرفقة الكثيفة حيث لا حدود تمنع “تسكعنا من جدار لآخر، كما أنها رواية لتيهنا العجيب الذي يصلنا ببعضنا بخيوط عنكبوتية دقيقة، ويسمح لنا بأن نقرأ ونكتب ونحب ونكره ونفكر ونناقش وندعم ونشجب ويسمح لنا أيضا بان نثور.. نفيسة يخلف أو إيماجين شخصية الرواية الأولى عاشت حياتها الافتراضية على هذا النهج تداعب حلمها الثوري الأبدي من خلال السفر على جدران الأصدقاء، حيث لا أحد يطلب منك جوازا أو تأشيرة للدخول. هكذا من على الجدار صفقت نفيسة لثورة الياسمين النابتة على خد تلقى صفعة الإذلال، هكذا أيضا تلقفت أخبار ثورة كادت أن تنجح بأرض اليمن غير السعيد..هكذا رافقت شباب ميدان التحرير وهم يدثرون مصر بكفن من لحي…وهكذا ترقبت شباب فبراير بالوطن الحبيب لتنزل معهم محققة حلما قديما بالثورة ضد فساد مستشر؛ وبما أنها أحلام من العالم الافتراضي فإن الخيبة تلقي بظلالها بإصرار شديد، فلا ثورة تؤتي أكلها ولا وطن يغني عن التيه لا شيء غير البحر يفتح ذراعيه بمداه المفتوح على الحلم وبرجله الذي يحمل بين كفيه جرعات من الحياة يسقيها لنفيسة. هكذا تنقلنا نفيسة من عالم مفعم بالحب إلى عالم خسيس تحكمه حسابات ضيقة لأشخاص غير أسوياء يوقعون بالنساء في مستنقع الفضيحة القذر، هكذا تساند نفيسة صديقتها الضحية وتحملك عبر قصتها إلى عالم الأزواج المليء بالقهر والحرمان والبؤس العاطفي الذي يدفعك للسؤال: ما الذي يدفع مجتمعا معاصرا كالذي نعيش فيه للمحافظة على مؤسسة تقتل القلوب وتحرم الأجساد؟ لكن الجواب يتلقفك بين سطور الرواية صارخا بوعي يتجاوز الإدراك إنه الدين؛ ذلك المنجم الذي يسبغ كرمه على كل من يتقن المتاجرة به في زمن طغى فيه الجهل على نعمة العقل. مداخلة الناقد محمد العناز تناولت الرواية الأخيرة لحليمة زين العابدين”الحلم لي” الصادرة مؤخرا عن دار الأمان ممهدا لمداخلته بخطاب القراءة وظروفها. لينطلق في تشريح الرواية الذي تدور بين مكانين: بلد المدينة، وبلد قرية الصيادين، يحرك أحداثها مجموعة من الشخصيات: علاء، خديجة، العم عامر، بهية، أصيل، مجد، وردة، الأستاذ حمدان.. تدخل الرواية عبر الأحداث في مقارنة المكانين، فالمكان الأول يرمز للوطن العربي من المحيط إلى الخلجي بعهره وأمراضه بتحولاته وأسئلته الراهنة، بينما المكان الثاني “بلد قرية الصيادين” فهو المكان المؤجل الحلم. وكأن المقارنة الذكية بين المكانين -بحسب العناز-هي مقارنة بين بلد القهر والظلم والموت وبلد الحرية والحب والحياة. مؤكدا في ذات الوقت على أن الرواية نجحت على نحو واسع في تصوير هذا الصدام القائم على المفارقة. وبين الكائن والمؤجل كتب على شخصيات الرواية أن تعيش الشقاء، وهو الشقاء الذي امتد إلى شخصيات بلد قرية الصيادين، فعلاء هو تجربة إنسانية ذات أبعاد رمزية، لنقل إنه المناضل اليساري الذي يضحي بذاته من أجل سعادة الوطن، بل إنه يقدم نفسه قربانا للحاكم كي يتخلص الآخر “خديجة” منه أو ليمنح حياة أخرى لوردة التي تجري في أحشاء خديجة. رواية الحلم لي هي بمثابة ملحمة إنسانية، وأنا أتفهم لماذا لم تلجأ الرواية إلى إعطاء أسماء واقعية للمدينة. بل اكتفت بجعلها رمزا، فبلد المدينة هو امتداد للمدينة العربية المختزل في الجحيم، بينما قرية الصيادين فهي وطن الحالمين، إنها الجنة التي نأسطرها بفعل التخييل. المكان الأول الممتد في الواقع والمكان الثاني الممتد في الخيال. لينتهي الناقد العناز في الأخير إلى أنه أثناء القراءة أحس أنه أمام شاعرة وليس روائية، مستغربا لماذا أصرت الروائية أن تسمي عملها رواية، لأنه يراها ديوانا شعريا مفتوحا، ذلك أنه صادف صفحات من قصائد الكتلة، وحينما تريد الروائية أن تخفف عنف الشعر تكتب قصيدة الشذرة. إنها ليست رواية شاعرية، وإنما هي ديوان مكتوب بأساليب وتقنيات الرواية، وشعرية الرواية لا تقف عند هذا الحد بل إن بعض أبطالها مثل أصيل وبهية شعراء، وهناك الكثير من المقاطع المبثوثة داخل الرواية لشعراء من قبيل مسودات عبد العاطي جميل. في حين عنونت الكاتبة ليلى الشافعي شهادتها ب”حليمة … هذه المرأة الاستثنائية” التي تعرفت عليها في بداية الثمانينات، وبالضبط سنة 1981. تعرفت عليها في فضاء الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، قبل أن تطوح بهما صروف الدهر بين محطات حياتية أخرى. تضيف ليلى الشافعي- أن حليمة زين العابدين، وجه صبوح لطفلة لا تكف عن الضحك. عينان تشبهان عيون ألمها وجبهة عريضة يتوسطها أنف شامخ يعلو ثغرا لا يكف عن الضحك. كانت في البداية تبدو لها امرأة استثنائية. تجر وراءها ابنا صغيرا  يتعثر في بنطاله وهو يفتح عينيه على سعتهما لالتقاط تفاصيل ما يرى. نادرا ما كانت تصادفها بدون ابنها. كانت تنط هنا وهناك داخل الحرم الجامعي، مشاغبة هنا وناثرة ضحكاتها هناك. وكانت تراقبها وتتمنى التعرف عليها. لكن مجال التعارف بينهما سيكون مكانا آخر؛ ألا وهو السجن المركزي للقنيطرة حيث كان زوجها، وحيث كان زوجي الذي تعرفت عليه في بداية 1982. مسترجعة  لقاءاتها بها في السجن، وهي تحكي طرفا وتضحك دون توقف. بل أحيانا تضحك قبل أن تنهي الطرفة. ما خفي عنها آنذاك هو نضالها وسط عائلات المعتقلين السياسيين، الذي لم تتبين مداه إلا بعد انخراطها أيضا في هذه النضالات. مستحضرة في هذا السياق مساهمات حليمة في حركة عائلات المعتقلين السياسيين منذ انطلاقها في أواخر السبعينات، ومشاركتها إلى جانب عدد من الأمهات والأخوات والزوجات والحبيبات وبعض الرجال، في الاعتصامات التي تمت بالمساجد وببعض الوزارات، وتعرضت شأنها شأن من معها من النساء للاعتقال والمضايقات. وحين تتكلم عن تلك التجربة رغم مرارتها، فإنها تحكي ضاحكة عن الجوانب الطريفة فيها، أو عن الدور البطولي لإحدى الأمهات أو إحدى الأخوات. تحكي وكأن التجربة لا تنتمي إليها. تقول ليلى الشافعي:”تعرَّفَتْ حليمة خلال تجربة السجن، على آسية الوديع، أخت المعتقلين السياسيين صلاح وعزيز الوديع. وآسية كانت مثل مرجل لا يتوقف ولا يهدأ. كانت ذات طاقة كبيرة جدا، بقدر ما قد تدفع بك إلى الأمام بقدر ما قد تلجمك. وقد استمرت علاقتها بآسية إلى أن وافت المنية هذه الأخيرة. بعد ذلك حكت لي حليمة عن أدوار لعبتها في مشروع آسية المتعلق بإدماج السجناء بعد مغادرتهم السجن. وكنت أنصت بإعجاب كبير لهذه المرأة التي عرفت كيف توظف كل طاقتها لخدمة المعذبين في الأرض. معرجة على وجه آخر لحليمة هو وجه المناضلة النسائية. ففي بداية الثمانينيات، وكانت الحركة النسائية في بداياتها الأولى، قررت مجموعة من النساء الحقوقيات، تأسيس ناد نسائي لمحاربة الأمية والعمل الثقافي، اخترن له كاسم “نادي الأمل للمرأة المغربية”. التحقت حليمة بالنادي في بداياته الأولى. وكانت تجربتها مثمرة جدا. لتنهي ليلى الشافعي شهادتها عندما كانت تحل ببيتها في مدينة سلا بداية الثمانينات، كانت حليمة تحدثها بشغف عن رغبتها في الكتابة. فحليمة مهووسة بالحكي الشفوي، تحكي قصصا واقعية هامة جدا بالنظر إلى كونها تخلد لمرحلة من تاريخ المغرب الحديث. وكانت بين الفينة والأخرى تقول يجب أن أكتب كل هذا”. ولم أكن آخذ بجدية كل ما تقوله. وكنت أعوز ذلك إلى طبعها البوهيمي وعدم قدرتها على الاستقرار، وأستخف برغبتها، حتى أصدرت الرواية الأولى ثم أردفتها بالثانية وهكذا دواليك إلى أن وصلت إلى إصدار أربع روايات فضلا عن كتابة النقد والشعر والمسرح. حليمة، مناضلة حقوقية ونسائية وكاتبة متعددة المواهب. ولعلها من أجل ذلك كله، كانت امرأة استثنائية بدون منازع. أما المحتفى بها الروائية حليمة زين العابدين فقد شكرت في كلمتها صديقاتها وأصدقائها الذين تحملوا عناء السفر من عدة مدن، لتسترجع ذكرياتها مع “هاجس العودة”، وتتحدث عن ما جمعها بليلى الشافعي في الثمانينيات؛ فهاجس العودة له رواية عن قصة، وشخوص لسيرة جماعية لأمهات وبنات وزوجات المعتقلين السياسيين. منبهة إلى أنها ليست نفيسة رواية “على الجدار”؛ لأنها ليست هي؛ لأن حليمة موجودة. فالرواية عندها خطاب جماعي. لتنتقل إلى الحديث عن رواية “الحلم لي” بوصفها رواية للبحر وللحلم وللحب. وتراهن على ثورة بديلة، أو تغيير أقنعة بأخرى. ثورة الإنسان. وأن السياسة في النص وسيلة.

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف