مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

شعر : تواري العصفور

شعر : تواري العصفور

cc by-nc-nd Bruno Monginoux www.photo-paysage.com & www.landscape-photo.net

إدريس الواغيش

خاص بالموقع

أعناب الكروم فيك “أيلة” تراود شفتي

تعلمني كيف ينهزم السحاب فوق جبالك

ويسقط مطرا مدرار

ترى …

 أتراني اليوم أذكرك الآن وحدك ؟

أم هو طيف الحبيبة فيك يزاحم ظلك ؟

كنت عصفورا يطير بلا أجنحة

يسير بالليل ويحلم بالنهار

كنت أحلم ، أحلم ، أحلم فيك

أطير حتى ألمس الغيم

وأصبح شريدا في مملكة السماء

أشرب خمورك التي لم تختمر بعد

نكاية في الحانات والبارات

اعذريني “أيلة” ، لم أعد الآن طفلك

أنا البدوي القادم من طين أريافك

منذ أن غادرت الحصاة فردتي حذائي

منذ أن كف بيتنا العتيق عن العويل

وأصبح حطاما ، تعلوه أشجار الشوك والصبار

وما تبقى من جرح الطفولة ، يطل من طاقتيه اليتيمتين

أي عاصفة رست بي ها هنا ، بعيدا عنك

أهي التي كانت تعجزنا في كل موسم شتوي

وقد كانت ضرورية لحياتنا ؟

 صورك الآن ” أيلة ” في حزينة  وموحشة

تبكيني منذ أن هاجر هدهدك الأول

أرأيت كم تبدلت…؟

رجالك الذين كانوا يقبلون جبين الأرض في كل صلاة

استبدلوا سجادا تهم الأولى بأخر مستوردات

ثم بدلوا بعد ذلك بيوتهم ونساءهم

آه …، كم اشتقت لنسائك السامقات

لشوارب رجالك المعقوفة

تعالي ، لتري حفيداتك الآن

كيف يمططن في استذلال أجسادهن على أرصفة المدينة

يجحدن بالحناء في صالوناتها

ويرتمين في الأحضان الغريبة

كنا أغنياء فيك ” أيلة ” على ضوء شمعة

نتوسد كل ليلة حلما جديدا

ونستيقظ فيك على صيحات الديكة

هجرتنا ، بعيدا عنك ، أحلامك الجميلة

واستبدل الديك البلدي ألوانه القزحية بياضا روميا

لم تعد أعشابك عطورا وترياقا أو ياسمين

يبست أزهار الدفلى في أغصانها

فمن ينقذنا الآن من شرنقة هذا الليل

لنغني معا للفجر الضائع فيك

 للطيور التي بح صوتها ، للفقراء …

كنا نرسم قبلاتك على صدورنا العارية بفحمات الحداد

مات الحداد زهرتي

 وشاخ الطبشور في المدرسة القديمة

كنا نختزل الحياة في ضحكة

أما وقد شاخ ربيعك فينا

وانمحت الفصول من الجغرافية

هاجرت طيور الوروار والشرقرق والخطاطيف الملونة سماءك

يتقدمهن هدهدك الحكيم

زرت كل المدن

 علي أجد فيها زقاقا باسمك

كنا نقسم بضوء صبحك

 ألا تطأ أقدامنا حافلة الفجر الوحيدة

والآن  … ، لا أعرف إن كنت تعلمين

كم يستضيف البحر كل فجر من جثامين أحفادك

قبل أن يرميها على سواحل الإفرنج البعيدة

لم تعد الشمس تقتحم بيوتاتك القديمة

ولا الحمام يلتهم حصاك ، استعداد لموسم المبيض في شرفاتك

ولا فاض الحليب كما كان من أثداء بقراتك

أرقب بأسى تواري العصفور من سمائك

يرسم قبلة الوداع على كدياتك قبل أن يغيب

عذرك ” أيلة “إن أنا أخطأت في حقك

الطفل الذي كنته فيك مات

 يكاد يختفي من ذاكرتي الآن

والدمع يملأ مقلتي

يطول الليل فيك ويطول الشتاء

تراودني صور مجروحة كلما زرت قبري فيك

وأحرس ضوء الفجر

كي لا أخلف الموعد مع أحلامي الصغيرة

أحجارك لم تعد صالحة لتيمم الأنبياء

نجست منذ أن أمسك بها قطاع الطرق والغرباء

أرى فيك بعد كل زيارة

شمسا ولا أرى شروقا

أرى فيك ليلا ولا أرى نجوما

كانت فاكهة البلوط فيك

كما لو أنها آتية لتوها من تخوم الجنة

ونفحة من “النشوق” مع العم إبراهيم في الصباح

تعيد الدفء إلى الشمس في شروقها الشتوي

أتدري …، لم أكن أقوى كي أقول لها أحبك

كلما مررت قرب بيتهم القديم

فتعنفني بإغلاق البوابات والطاقات في وجهي

وتقول لي عذراء العمومة باسمها :  ” قلبها الآن ليس لك”

لم تعد طريق النمل تشي بأعشاش البيض كما كانت

هجر الحجل أحراشه وطار الحمام

انظري لتقاسيم وجهك “أيلة “

شاخت للخراب الممدد على سطوح بيوتاتك

لم تعد تصطف فيك  أشجار الرمان / السفرجل / الإجاص/ الصفصاف

على السواقي ، كما كانت

وتغني سيمفونيتها الصباحية للعشاق العابرين

قبل أن تنحشر بين سيقان الذرة في حقول البسطاء

كان غبارك يطهرنا من خطايانا البريئة

وألواح ” المسيد” تحمينا من عيون الشيطان الأزرق

فيك …

قرأت أول سطر من الغزل

كتبت أول جملة من هذياني

وعانقت ملايين الأحلام

طينك…. ، رسمت به وجه حبيبتي

وجلست تحت الشمس أنتظر يبسه

كي أقبله في خلوتي

وحلك …، كان يلتصق بحذائي البلاستيكي

و يشدني إلى المروج فيك

لكني أصررت بجنون على الرحيل

لما لاح لي في الأفق أول سرب من النوارس

وها أنذا أعود إليك الآن من ثقب قصيدتي

أتفقد فيك طفولتي

كنت أحلم فيك طول الليل

وأنسى أحيانا أن أنام

فيك ” أيلة ” تعلمت معنى أن يكون اللون قمحيا في الوجنتين

فيك ، لمست سهوا

نهدا محتشما ويداي ترتجفان

فيك، استحممت في بحر من حكايات “حديدان الحرامي”

كلما حاولت أن أتذكرها الآن

 أنساها ، ويحضرني وجه أمي

فيك ، أينع ينبوعي

 ودعاني الشيطان إلى العصيان

فأطعته عن قصد

فيك، نزعت نزوة عابرة رجلاي من الأرض

وطوحت بهما في السماء السابعة

وحين عدت إلى الأرض …

وجدت ما ملكت جيوبي في يد عاهرة من سلالتنا

صرخت في وجه الأطفال : نكحتها ورب الكعبة… ‼

لم يصدقوني …

ونظروا بسخرية إلى راحتي اليمنى

تحسست عنقي ونظرت إلى السماء

وجدتها مختلفة عما ألفته

فتأكدت من أنني أصبحت كآدم ، طريدا من الجنة

كن بناتك ” أيلة ” ، يسابقن الريح طائرات بأجنحة بيضاء كالملائكة

ولا يفتحن فخوذهن للغرباء إلا بمأذون

و( لا جرين وراء لذة الندامة)

سامحيني الآن ، إن أنا وئدت طيرا من طيورك الصغيرة

أو تبولت على حائط من حيطانك المقدسة

أعرف الآن ، كم كان صبرك علي

 صبرت علي ، ما صبرت عليك

هاجرتك عن قصد ، وتعلمت لغات دخيلة

وهمت بشقراوات باردات وعيون زرق

لم يفجرن في داخلي قصيدا و لا حبا

وها أنذا في هذه ال ” فاس”…

قعيدا على الرصيف ، أتابع مؤخرات نساء الإفرنج الرخوة

تنمحي تباعا ، وتبقين أنت في ذاكرتي

……………….

–      – (1) أيلة : مسقط راسي ، قرية جبلية صغيرة  شمال مدينة فاس / المغرب

 

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف