مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

صناعة الكتب تموت بسبب النشر الالكتروني

صناعة الكتب تموت بسبب النشر الالكتروني

ماركوس براوك

ترجمة- خالد قاسم

(عن مجلة دير شبيغل الألمانية)

إنها دراما حقيقية ومفصّلة لمسلسل تلفزيوني مكّون من سبع حلقات على الأقل. الشخصية الرئيسة هي الناشرة الجميلة التي تتولى النشاط بعد وفاة زوجها، وتعتقد كما يبدو أنها ورثت هالة القوة الكلية منه. وخصمها هو رجل أعمال لا مبال يبدو مهتماً بشيء واحد فقط: النقود، النقود والمزيد من النقود.

تجعله يشعر كأنه معتل العقل، وكلما استطاعت تجنب لقائه شخصياً ترسل له محاميها بدلاً عنها أو تختبئ خلف نظارات شمسية عندما يلتقيان. وينال انتقامه من هذه المعاملة المهينة ويحاربها في المجال الذي يعرفه جيدا: عالم الأرقام.في الواقع، تدور الرواية حول دار نشر “سوركامب” الألمانية ومقرها في برلين، والصراع بين “أولا اونسلد بيركفيشز” وحامل حصة الأقلية “هانس بارلاخ”. هذه مبارزة يصفها النقاد “الأوبرا الصابونية”، ولكن السؤال الحقيقي في قلب النزاع يؤثر في هذه الصناعة برمتها: كيف سيبدو مستقبل نشر الكتب؟

يذكّرنا هذا الأمر قليلاً بقصة المسلسل التلفزيوني البريطاني “داونتاون آبي”، الذي شهد صراع عائلة أرستقراطية ضد واقعها العملي المتراجع. يتعلق المسلسل بالأرستقراطية الانكليزية في بداية القرن العشرين، بينما القصة الواقعية الحالية ترتبط بالأرستقراطية الفكرية في بداية القرن الحادي والعشرين. كلاهما حكايتان لزوال العالم القديم.

تفاخرت أرستقراطية النشر طيلة عقود من الزمن بأمرين اثنين: كسبت المال ومثلّت أكثر من مجرد الربح الحقير. وأدى ذلك إلى خلق نخبة فكرية نابضة بالحياة، إضافةً إلى ثقافة الوفرة الأدبية- العمود الفقري الفكري للأمة.

تعتبر دور النشر العمود الفقري الفكري لألمانيا، وحققت أرباحاً كبيرة لعدة سنوات. ولكن في عهد امازون والكتب الالكترونية والنشر الذاتي، فإنها قد تواجه الزوال.

تمثل بعض الأسماء المهمة هذا التقليد: سوركامب، بالطبع، إضافةً إلى دور نشر مثل هانسر وأولستين وفيشر وروفولت. إنها أسماء تربط كل قارئ ألماني مع مؤلفين كبار، وأعمال أدبية رائعة وقضاء سهرات في قراءة كتاب.

تدهورت إيرادات الكتب في العامين الماضيين، وهو تطور محكوم عليه بالتسارع، وخسرت المكتبات بثبات أرضيتها في السنوات الخمس الأخيرة. ورغم بقاء الكتب الالكترونية كظاهرة صغيرة في ألمانيا حتى الآن، لكنها تعيش نمواً هائلا. ويقرأ قرابة 11 بالمائة من الألمان الكتب الرقمية على أجهزة مثل “كيندل” و “آي باد”، بعدما كانت النسبة 4 بالمائة قبل عامين فقط. وفي الولايات المتحدة، تشكّل الكتب الرقمية أكثر من 15 بالمائة من حجم صناعة مبيعات الكتب، والسبب الرئيس هو سهولة الحصول عليها مالياً. ويشير كل ذلك إلى استمرار الهوامش بالانكماش، بعدما أصبحت صناعة الكتب أكثر عصبيةً وانفعالاً وانقياداً وراء المال.

معركة اثبات وجود

يقول “مايكل كروغر” الرئيس المنتهية ولايته لدار نشر هانسر: “العصر الذهبي للنشر والمتمثل بالقراءة والتأمل والتعليم الأدبي قد شارف على النهاية بطريقةٍ أو بأخرى.” ولم يعد أناس كثيرون يرون ناشري الكتب “معقلاً للثقافة، ولكنهم مجرد نقطة إعادة شحن للمنتجات الثقافية” كما يقول المدير اللاحق لهانسر”جو ليندل” وهو الرئيس الحالي لدار نشر “دومونت” في ألمانيا.

حتى مدراء دور النشر لم يعرف عنهم تشاؤمهم، على غرار “هيلغه مالشو” مدير دار نشر “كيبنهاور & فيتش” الذي يتوقع استمرار التراجع في الصناعة خلال السنوات المقبلة. ويقول آخرون إن المبيعات قد تهبط بأكثر من 20 بالمائة في السنوات المقبلة.

سمحت التقديرات الحذرة لسنوات باستمرار زواج المال والفكر. سعت دور النشر لضمان قدرتها على إنتاج عدد كافِ من الكتب الأكثر مبيعاً حتى تستخدم لضمان الأرباح ودعم الكتب الأكثر تعقيداً التي يفضلها الكتّاب والناشرون وضمنت بالمقابل ختم دار النشر وسمعتها الأدبية. إنه نظام ضمن التنوع في الكتب المنشورة لعشرات السنين. وتنتج صناعة النشر أكثر من 90 الف كتاباً جديدا سنوياً في ألمانيا. وتنشر مجموعة سوركامب للنشر وحدها 460 عنواناً جديدا تقريبا، وتجرى عمليات الكتابة والتحرير والإنتاج المكلف لكلٍ منها بمقدار هائل من الفكر الموجود فيها. لكن هذه الدار تبيع 500 نسخة فقط من بعض العناوين.

وفق هذه المقاربة، تبلغ مبيعات الشركة السنوية قرابة 30 مليون يورو وعدد موظفيها 110 موظفا. ونفقاتها العامة مرتفعة مقارنةً مع دور نشر أخرى، وخصوصاً في ضوء العائد البائس على المبيعات والمقدّر بنحو 0،5 بالمائة. ولا تستمد نسبة كبيرة من الأرباح من المبيعات الجديدة، ولكن من بيع كتب فيما يسمى قائمة الكتب القديمة، وهي الكتب الأكثر مبيعاً لمؤلفين مثل “هيرمان هيس” “بيرتولت بريشت” “ماكس فريش”. مجتمع الكتّاب الراحلين هذا يشبه بوليصة تأمين على الحياة لدار سوركامب. ولكن بمجرد مرور 70 سنة على وفاة المؤلف، تدخل أعماله نطاق الملكية العامة. توفي هيس قبل 51 سنة بينما بريشت قبل 57 سنة. بتعبير آخر، هذا المصدر محدود للإيرادات.مع ذلك، تبقى سمعة سوركامب متواصلة. وظهرت ثلاثة عناوين لها في القائمة المختصرة لجائزة الكتاب الألمانية في الخريف الماضي، ولكن بالرغم من شهرة كل ذلك لكنه ما زال عاجزاً عن فعل الكثير من ناحية النتائج المالية.

الماضي، الذي استفاقت منه دور النشر لتوها، كان وضعاً مترفا اعتمد كثيراً على ظرف واحد: لم يكن ذلك النجاح ممكناً بدون الناشرين. فبدون الناشرين لن يجد القرّاء شيئاً يقرؤونه، وبدون الناشرين لن يكون المؤلفون مؤلفين.

يتوقع الناشرون في الوقت الحاضر أن يقوموا بتفسير وحتى إثبات إنجازاتهم وكيف يكسبون المال. ولم يعد شيئاً خاصا كسب صفة “الكاتب” لأي شخص طالما أن الجميع بإمكانهم الحصول على هذه الصفة من تلقاء أنفسهم.تؤثر هذه التغيرات في جميع مستويات نشاط الكتب، إذ أصبحت الأشياء مستهلكة. حتى المكتبات وتوصيات باعة الكتب قد أصبحت مستهلكة مع صعود بائعي الكتب الرقميين على غرار أمازون، الذين تسمح منصاتهم للزبائن أن يوصوا الكتب لبعضهم البعض. ومع بروز النشر الذاتي فقد أصبحت دور النشر التقليدية أنفسها مستهلكة. وفي الوقت نفسه، الكتب الرقمية ذات التكلفة الإنتاجية المنخفضة جداً تجعل الكتب المطبوعة مستهلكة.

أصبح الكتاب أرخص ثمنا، وسوف يستمر في هذا الاتجاه، ويبدو من المشكوك مستقبلاً فيه إمكانية تمويل الأمرين اللذين جعلا هذه الصناعة تفتخر بنفسها- كسب الأموال وفي الوقت نفسه اعتبارها أكثر من مجرد تجارة. وهناك سؤال آخر يتعلق بدخول الثقافة مرحلة الاحتضار، وإذا كان موتها يعني أكثر من مجرد توديع الورق المطبوع.

كانت البداية مع الدمى

لا ينبغي أن تكون مدرِّس ثانوية متشائم ثقافياً لكي تسير في مكتبة كبيرة اليوم وتلاحظ علامات التراجع من حولك. بدأ الأمر في نقطةٍ ما بالدمى المحشوة ومن ثم جاء ورق التغليف وزينة أعياد الميلاد والشوكولاتة والدمى والشموع والسلع الخاصة. ويكفي ذلك لجعل بعض الزبائن يشعرون بالارتباك عند دخولهم المكتبة ومحاولة العثور على قسم الإصدارات الجديدة. سلسلة مكتبات “ثاليا” في قلب مدينة هامبورغ هي إحدى تلك المكتبات، وتعد واحدة من أكبر متاجر التجزئة في المانيا، إذ تبلغ مساحة أرضيتها ألفي متر مربع، وسوف تغلق أبوابها في كانون الثاني 2014.تعود ملكية هذه السلسلة إلى شركة “دوغلاس هولدنغ أي جي”، والمشهورة بسلسلة محال العطور ومستحضرات التجميل. وبدأ الأمر كله سنة 1919 مع مكتبة صغيرة في مبنى يشغله “مسرح ثاليا هامبورغ”، واشتق النشاط السابق للعائلة اسمه من هذا المسرح. وتمتلك الشركة حالياً قرابة 230 متجراً في ألمانيا وأغلق بعضها تدريجيا.تملك المكتبات الرقمية حصةً من السوق تبلغ 20 بالمائة، ولكن المكتبات الكبيرة فشلت في الخروج بستراتيجية مقنعة لمواجهة هذا التطور. الكتاب الاستثنائي ثلاثي الأجزاء Shades of Grey “ظلال رمادية”، وبيع منه أكثر من 70 مليون نسخة عالمياً ويستطيع بالتأكيد تحسين الحسابات المالية للشركة، ولكن مثل هذه الظاهرة لا تغير الأفق الرئيس: يشتري الناس كتباً مطبوعة أقل، وعندما يفعلون ذلك فإنهم يقدمون طلبهم على النت.الصناعة متوترة جداً بحيث أطلق اتحاد ناشري وبائعي الكتب الألمان حملةً بقيمة 3 ملايين يورو للتزامن مع معرض “لايبزك” للكتب. أنشأت الحملة وكالة “زوم غولدنن هيرشن” للإعلانات التي عملت في حملات لصناعات معتلة مشابهة أخرى، مثل ناشري المجلات وصناعة الأفلام.هدف الحملة هو إعادة الكتاب إلى مركز المجتمع والوعي العام والنقاش، كما يقول رئيس اتحاد الناشرين وبائعي الكتب “الكساندر سكيبيس”. وتسعى الحملة لوصف الكتاب بأنه جديد وحديث ومعاصر، لمواجهة نتائج استطلاعات تشير إلى تراجع شعبية الكتب كهدايا تجلب في الحفلات كما كانت في السابق.

القضية الحقيقية هي عدم امتلاك الكتب مشكلة صورة على الإطلاق. وما هو بحاجة لحملة فعلاً أن السعر الثابت للكتب الذي لا يلاحظه الجمهور يحتضر ببطء. وقد يعلن نهاية المكتبات بعد سنوات قليلة.عكس صناعات أخرى حيث ينظم العرض والطلب الأسعار، إلّا أن دور النشر الألمانية تستطيع تحديد أسعار كتبها. وتكلّف الكتب المبلغ ذاته بغض النظر عن مكان بيعها.

ومن الصعب جداً إن لم يكن مستحيلاً الحفاظ على هذا النظام مع الكتب الرقمية. ومشكلة دور النشر هي أن الأسعار الثابتة للكتب المطبوعة قد تنخفض أيضا في المدى البعيد. بعد كل ذلك، ما الذي يتصوره بائع الكتب امتيازاً في السعر الثابت اذا اتجه زبائنه إلى أمازون بشكل جماعي لإيجاد صفقات كتب رقمية- ولا يسمح له حتى بالمشاركة في حرب الأسعار؟

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف