مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

اللوبي الفرانكفوني في المغرب والعمى الاستراتيجي

اللوبي الفرانكفوني في المغرب والعمى الاستراتيجي . قراءة في مقترح  توسيع مهمة المينورسو
 
د.إدريس جندا ري – كاتب و باحث أكاديمي
خاص بالموقع
تزامن خلال الشهر الجاري ( أبريل 2013) في السياق السياسي و الدبلوماسي المغربي حدثان منفجران بالدلالة؛ و لا يمكن للباحث؛ الذي يرفض التفكير و التحليل من منطلق الصدفة؛ أن يتجاوزهما بجرة قلم؛ خصوصا و أنهما خلفا غبارا سياسيا و دبلوماسيا ما زال إلى حدود الآن يعيق الرؤية.
يرتبط الحدث الأول بالزيارة (التاريخية) ! التي قام بها الرئيس الفرنسي (فرانسوا هولا ند) إلى المغرب؛ و هي الزيارة التي أسالت الكثير من المداد الفرانكفوني؛ و اعتبرها اللوبي الفرانكفوني؛ المتحكم في الاقتصاد و السياسة و الإعلام؛ بأنها بداية جديدة في العلاقات المغربية-الفرنسية؛ سيكون لها ما بعدها؛ لأن باريس الحزب الاشتراكي أدركت ( و لو بشكل متأخر) المكانة الإستراتيجية للمغرب. و يهيم هؤلاء في فرقعاتهم الأيديولوجية؛ التي لا تستجيب لأبسط معايير التحليل الاستراتيجي؛ و ما يؤكد حكمنا هذا؛ هو كون هؤلاء قد  ركزوا في العلاقات المغربية الفرنسية على التاريخ و الثقافة ( رغم الماضي الاستعماري الأسود لفرنسا في المغرب و رغم الهيمنة الفرانكفونية في الحاضر) لكن ما لم يثره معظم هؤلاء هو أن العلاقات بين الدول؛ عبر العالم؛ تحكمها المصالح الاقتصادية و السياسية و ليس المشترك التاريخي و الثقافي (رغم سوداويته). و لذلك؛ فإن ما لم يتوقعه هؤلاء هو أن فرنسا غير مستعدة في أي وقت للتضحية بمصالحها الإستراتيجية من اجل علاقة صداقة؛ يضفي عليها اللوبي الفرانكفوني الكثير من الروح الرومانسية .
أما بخصوص الحدث الثاني؛ فيرتبط بالمقترح الأمريكي إلى الأمم المتحدة بهدف توسيع مهمة المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان في الصحراء المغربية. و حقيقة الأمر؛ التي يسكت عنها الكثير من المحللين؛ هو أن هذه الصفعة كانت بمثابة رد فعل مباشر على السياسة الخارجية المغربية التي يتحكم فيها و يوجهها اللوبي الفرانكفوني؛ و يحركها من وراء الستار. و ذلك لأن قوة عظمى تتحكم في القرار الاستراتيجي العالمي مثل الولايات المتحدة؛ لا يمكنها أن تقبل بتحول المغرب إلى امتداد اقتصادي و سياسي و ثقافي فرنسي؛ خصوصا و أن صانع القرار السياسي المغربي عبر عن هذه التبعية بشكل واضح و في مناسبات متعددة؛ آخرها التماهي المطلق بين الموقفين الفرنسي و المغربي بخصوص الحرب الدائرة رحاها في مالي؛ هذه الحرب التي تأكد بالدليل الواضح أنها لم تكن بهدف مواجهة التطرف الإسلامي و لكنها كانت؛ أكثر من ذلك؛ من أجل المحافظة على المصالح الاقتصادية الفرنسية. و لعل هذا؛ هو ما جعل الولايات المتحدة و كذلك الكثير من دول الاتحاد الأوربي تتردد في دعم فرنسا.
      إن هذا التزامن بين الحدثين ليس صدفة البتة بل هو تسلسل منطقي للأحداث؛ أدى إلى نتيجة يفسرها كل محلل حسب المعطيات المتوفرة لديه؛ لكن ما يجمع عليه معظم المحللين هو أن العلاقات المغربية – الأمريكية تمر بمرحلة أزمة؛ و هذا ما بلور؛ في الأخير؛ موقفا أمريكيا في غاية الانحياز للأطروحة الانفصالية للبوليساريو المدعومة جزائريا؛ و ذلك لان الولايات المتحدة لا تهتم بمسألة حقوق الإنسان في الصحراء المغربية بقدر ما تهتم بمصالحها الإستراتيجية في المنطقة؛ و في هذا الصدد لا نستبعد أن يتراجع صانع القرار السياسي و الدبلوماسي الأمريكي عن هذا القرار في اللحظات الأخيرة؛ إذا وصل إلى حلول وسطى مع المغرب يمكنها أن تؤمن مصالحه الاقتصادية؛ عبر ضخ كميات جديدة من الأسلحة و فتح السوق المغربية بشكل أكبر للبضائع الأمريكية؛ و كذلك تؤمن مصالحه السياسية؛ عبر المحافظة على المغرب كشريك استراتيجي فيما يسمى بمحاربة الإرهاب للمحافظة على التواجد العسكري و ألاستخباراتي الأمريكي في المنطقة.
     نحن هنا؛ لا نشك بتاتا في كون قضية الصحراء المغربية تعتبر في السياسة الخارجية الدولية حصان طروادة يعتمد من طرف القوى الكبرى كأفضل وسيلة لابتزاز المغرب في قضايا سياسية و اقتصادية؛ و هذا ما يعرض سيادة الوطن للخطر في كل حين؛ خصوصا و أن الأجندة الانفصالية للبوليساريو قابلة للتوظيف بسهولة مفرطة من طرف أي قوة دولية تسعى إلى تصفية حسابها مع المغرب؛ و ذلك لأن قادة البوليساريو مستعدون لركوب أي موجة يتوهمون أنها يمكن أن تقودهم لبر الأمان؛ خصوصا مع انفضاح أطروحتهم أمام المنتظم الدولي و اقتناع الأمم المتحدة بتصفية هذا النزاع الذي يهدد أمن المنطقة و العالم أجمع.
    لكن؛ دعنا لا نستكين إلى نظرية المؤامرة؛ لأن المسؤولية عن هذا التوجه الأمريكي الجديد يتحملها أولا و أخيرا صانع القرار السياسي و الدبلوماسي المغربي الذي يتشكل؛ في معظمه؛ من نخبة تقنوقراطية ذات نزوع فرانكفوني ضيق؛ لا يسمح لها بفهم السياسة الدولية في تشعباتها و تحولاتها المستمرة. فقد أوهمنا هؤلاء؛ لوقت طويل؛ بأن الصداقة الفرنسية-المغربية قادرة على حماية وحدتنا الترابية؛ و يذكروننا في كل حين بأن فرنسا باعتبارها (قوة عظمى) تمتلك حق الفيتو؛ و لذلك فإنه بإمكانها إجهاض أي قرار معادي لمصالح المغرب في صحرائه. هكذا؛ يبدو العمى الاستراتيجي واضحا بجلاء؛ و يضطر المغرب؛ بما يمتلكه من أوراق رابحة على المستوى الدولي؛ إلى وضع كل البيض في سلة واحدة؛ و كأننا دولة مستعمرة ينوب عنها ولي أمرها الفرنسي؛ بينما نمتلك خيارات كثيرة يمكنها أن تساعدنا على تنويع علاقاتنا مع مختلف القوى الكبرى في العالم؛ من أمريكا إلى آسيا إلى أوربا إلى إفريقيا؛ و هذا ما  يمكنه أن يحمي مصالحنا في ملف الصحراء أو في ملفات اقتصادية و سياسية أخرى .
    إن الحقيقة التي يسعى اللوبي الفرانكفوني في المغرب إلى إخفائها عن الشعب المغربي؛ هي أن ما يهمه من ربط المغرب بالمتروبول الفرنسي لا يستند إلى المصالح العليا للوطن؛ و لكنه يستند؛ بشكل خاص؛ إلى المصالح الفئوية الضيقة للعائلات الكبرى (وريثة الاستعمار الفرنسي)؛ و هذه المصالح تعتبر امتدادا مباشرا للهيمنة الفرنسية على المغرب؛ اقتصاديا و سياسيا و ثقافيا. و لعل هذا؛ هو ما تؤكده نوعية النخبة التي تتحكم في القرار الاستراتيجي المغربي و هي تتشكل ؛ في معظمها؛ من خريجي الجامعات و المدارس العليا الفرنسية؛ و في مقابل ذلك نجد تهميشا مبالغا للنخبة الأنكلوساكسونية؛ التي يمكنها أن تكون حلقة وصل بين المغرب و العالم الأنكلوساكسوني في أمريكا و آسيا و حتى في إفريقيا.
     إن صانع القرار السياسي الفرنسي؛ سواء أكان يمينيا أو يساريا؛ لا يمكنه أن يهتم بالقضايا المغربية و يدعمها إلا إذا استجابت لمصالحه الإستراتيجية؛ فليس هناك من سياسة تقوم على المبادئ؛ كما ليس هناك في العلاقات الدولية من صداقات دائمة أو عداوات دائمة؛ و عندما نقول بسياسة المصالح الدائمة؛ فإن هذه المصالح نفسها تخضع لسلم ترتيب الأولويات؛ فلا يمكن لفرنسا؛ من منظور استراتيجي؛ أن تحمي مصالح المغرب إذا وقع تعارض مع مصالحها في علاقتها بالقوى الكبرى عبر العالم. و لعل هذا؛ هو ما يؤكد ما أصبح يروج اليوم من أن فرنسا لن تمارس حق الفيتو في مواجهة المقترح الأمريكي القاضي بتوسيع مهمة المينورسو في الصحراء المغربية. و هذا؛ لا يشكل مفاجأة بالنسبة للباحث السياسي و السوسيولوجي؛ الذي لا يؤمن بشيء اسمه صداقة دائمة بين الدول؛ هذا الوهم الذي سوقه اللوبي الفرانكفوني؛ باعتباره حقيقة ثابتة في علاقة المغرب بفرنسا.
    و لعل هذه الصدمة التي يواجهها المغرب؛  اليوم؛ لتعتبر درسا بليغا لصانع القرار السياسي و الدبلوماسي المغربي؛ هو درس في العلاقات الدولية لم تستوعبه النخبة الفرانكفونية المتحكمة في صناعة القرار السياسي؛ و إذا كان الوعي الفكري يمكننا من معرفة استباقية بالنتائج؛ فإن انعدام أو ضحالة هذا الوعي يجعل التجربة تقوم بوظيفة التكوين؛ رغم أن الضريبة تكون باهظة الثمن. لكن ما نخاف منه مستقبلا؛ هو ألا تفيد التجربة حتى؛  في بلورة رؤية إستراتيجية واضحة لدى صانع القرار السياسي و الدبلوماسي؛ تكون قادرة على حماية المصالح العليا للوطن .
   إننا؛ خلال هذه المرحلة الحرجة؛ لا نسعى إلى تصفية الحساب مع أي طرف كان؛ و لكن نعتبر هذه الفرصة مناسبة لممارسة نقد ذاتي بناء؛ هو وحده الذي يمكننا من تجاوز الإعاقات التي تهدد وحدتنا الترابية؛ هذه الوحدة التي ضحى في سبيلها الأجداد و الآباء؛ و لا يمكن لأي وطني شريف إلا أن يواجه و يفضح كل الانحرافات التي تسعى إلى استغلال المصالح العليا للوطن من أجل حماية مصالح فئوية ضيقة.  
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف