مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

الحرية الدينية ونطاق ممارستها فى ضوء القوانين الدولية

الحرية الدينية ونطاق ممارستها فى ضوء القوانين الدولية
 
منذ صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عن الأمم المتحدة عام 1948 توالى صدور عهود وإتفاقيات وإعلانات وبروتوكولات لتعكس تطور منظومة حقوق الإنسان برمتها، ومن بينها الحرية الدينية. ومع ذلك، فالملاحظ أن حرية الدين لم تأخذ مكانة متقدمة فى أعمال الآليات الراقبية الدولية والأقليمية لحقوق الإنسان
، ويرجع ذلك، لحد ما، إلى إعتراض كل حكومات البلاد الإسلامية والكتلة السوفيتية قبل سقوطها على مبدأ حرية الفرد فى “تغيير دينه” وهو الأمر الذى يمثل ركنا أساسيا فى مفهوم “الحرية الدينية” كما جاء فى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فى المادة 18 ونصها: “لكل شخص حق فى حرية الفكر والضمير والدين، ويشمل هذا الحق حريته فى تغيير دينه أو معتقده، وحريته فى إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة وأمام الملأ أو على حدة..
كما تكررت- لكن فى صياغة مختلفة- نفس هذه الحقوق المعبرة عن الحرية الدينية فى المادة 18 من العهد الدولى الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر عن الأمم المتحدة فى عام 1966 والذي دخل حيز التنفيذ فى عام 1977، ونصها:
1.لكل إنسان حق فى حرية الفكر والضمير والدين، ويشمل ذلك حريته فى أن يدين بدين ما، وحريته فى إعتناق أي دين أو أي معتقد يختاره، وحريته فى إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم بمفرده أو مع جماعة وأمام الملأ أو على حدة
2.لا يجوز تعريض أحد لإكراه من شأنه أن يخل بحريته فى أن يدين بدين ما، أو بحريته فى إعتناق أي دين أو معتقد يختاره
3.لا يجوز إخضاع حرية الإنسان فى إظهار دينه أو معتقده إلا للقيود التى يفرضها القانون والتى تكون ضرورية لحماية السلامة العامة أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو حقوق الآخرين وحرياتهم الأساسية
4.تتعهد الدول الأطراف فى هذا العهد باحترام حرية الآباء، أو الأوصياء عند وجودهم، فى تأمين وتربية أولادهم دينيا وخلقيا وفقا لقناعاتهم الخاصة
والملاحظ فى هذه المادة أن النص صراحة على حق الشخص فى “تغيير دينه” لم يرد فى أي من بنودها، إنما إستعاض عنه بعبارة “حريته فى إعتناق أي دين أو أي معتقد يختاره” فى الفقرة الأولى من هذه المادة. وقد صيغ هذا النص بعد جدال خلافي طويل، حول مبدأ حق الشخص فى “تغيير دينه” كانت قد أثارته للمرة الثانية مجموعة الدول الإسلامية الأعضاء بالأمم المتحدة تحت دعاوى عدة أثناء صياغة العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، بعدما فشلت فى إزالة هذه العبارة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان قبل صدوره فى عام 1948
وربما يكون من الضروري الإشارة، على سبيل المثال، إلى دعاوي مندوبي كل من الحكومتين الإفغانية والسعودية برفض النص فى هذا العهد على “حق الشخص فى تغيير دينه”. وتتلخص وجهة النظر الأفغانية في: “حرية الإعتقاد الديني يمكن أن تتحقق لو أن الشخص تُرك حراً فى الإيمان الذي إختاره … أما لو قيل لهذا الشخص أنه حر لتغييره
فتكون الفكرة التي وضعت فى عقله هي أن ما يؤمن به هو شئ يمكن تغييره فى حال أُعطي له الحق فى ذلك. وبهذه الطريقة يزرع الشك ويُخرب الإعتقاد. وهذا يمثل تدخلا فى حرية الفكر والضمير
أما دعوى مندوبي السعودية لدى الأمم المتحدة فكانت حول رفض حرية “الدعوة إلى تغيير الدين proselytizeأو ما يٌترجم فى العربية بالتبشير مستعينا بضروب من الإغراء لخطورته، وجاء في تلك الدعوى: “أن أي دولة قوية لها دين تبشيري، يمكن بما لديها من جهاز إعلامي عام أن تستخدمه فى زرع الشك فى عقول المنتمين إلى أديان أخرى. وعليه فعلى اللجنة الثالثة ]للأمم المتحدة[ ألا تسمح لنفسها بمثل هذه الممارسات… أن التأييد الرسمي فى العهود الدولية للدعوة إلى التغيير الإيديولجي (ideological proselytizing) فى البلاد الأخرى يمكن أن يؤدى إلى تمزق النظام الإجتماعي
ومع ذلك، وبالرغم من كل هذا الجدال المراوغ، لم يلغ هذا التعديل الأخير الناص على ان لكل شخص “حريته فى إعتناق أي دين أو أي معتقد يختارة” الحق فى أن يغير الشخص دينه بارادته الحرة. وهذا ما أكده التعليق العام رقم 22 (الفقرتين 3 و5) للجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، حيث أُعلن أن المادة 18 من العهد الدولى لم تسمح بأية قيود على حرية الفكر والضمير والدين، أو على أنتماء الشخص لدين ما أو إختياره دين ما أو معتقد ما. كما أعلنت اللجنة أن هذا التعديل “يشمل حق الشخص فى تغيير دينه أو معتقده الحالي بأخر أو بتبنيه وجهات نظر لادينية” وهذا أيضا ما أكد عليه المقرر الخاص للحرية الدينية فى تقاريره المتوالية
أضف إلى ذلك، وعلى الجانب الآخر وعلى المستوى الإقليمي، كانت مجموعة الدول الأوروبية قد إستوحت ما نص عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، صراحة ودونما تغيير، فيما يتعلق بحرية الفكر والضمير والدين، لتتضمنه فى نص الإتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان (1953)، المادة 9، والتى أكدت على أن:
1.لكل شخص الحق فى حرية الفكر والضمير والدين، ويشمل ذلك الحق تغيير دينه أو معتقده، وحريته فى إظهار دينه أو معتقده بالتعبد أو التعليم أو الممارسة أو إقامة الشعائر، مع جماعة على الملأ أو بمفرده
2.حرية الشخص فى الإعلان عن دينه أو معتقده لا تخضع لأية قيود، إلا التى يفرضها القانون، والضرورية فى المجتمع الديموقراطي من أجل السلامة العامة وحماية النظام العام والصحة والآداب العامة، ومن أجل حماية حقوق الآخرين وحرياتهم
والمعروف أن المعايير الدولية المتعلقة بحماية حرية الفكر والضمير والدين تعكسها أعمال لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم والمتحدة والمقرر الخاص Special Rapporteur المعين من مفوضية حقوق الإنسان، والمخول له فحص ممارسات الحكومات التي تتعارض مع الإعلان العالمي بشأن القضاء على جمبع أشكال التعصب والتمييز القائمين على أساس الدين أو المعتقد
The Declaration on the Elimination of all Forms of Intolerance Based on Religion or Belief (1981)
ولقد صيغ هذا الإعلان خصيصا من أجل التأكيد على أهمية الحرية الدينية “فى نشر السلام بين الدول والشعوب والقضاء على أيديولوجيات أو ممارسات التمييز العنصري …،” كما جاء تعبيرا عن تصميم الأمم المتحدة “على إتخاذ جميع التدابير الضرورية للقضاء سريعا .. على التعصب بكل أشكاله ومظاهره، ولمنع ومكافحة التمييز على أساس الدين أو المعتقد.” (من ديباجة الإعلان). ومن أهم النصوص المتعلقة بالحرية الدينية التى وردت مفصلة بهذا الإعلان ولم ترد قبلا فى أعلانات أو عهود سابقة، المواد الآتية:
المادة 1: 2 – لا يجوز تعريض أحد لقسر يُحد من حريته فى أن يكون له دين أو معتقد من إختياره
المادة 2: 1- لا يجوز تعريض أحد للتمييز من قبل أية دولة أو مؤسسة أو مجموعة أشخاص أو شخص على أساس الدين أو غيره من المعتقدات
2.فى مصطلح هذا الإعلان، تعني عبارة “التعصب والتمييز القائمين على أساس الدين أو المعتقد” أي تمييز أو إستثناء أو تقيد أو تفضيل يقوم على أساس الدين أو المعتقد ويكون غرضه أو أثره تعطيل أو إنتقاص الإعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية، أو التمتع بها وممارستها على أساس المساواة
المادة 4: 1- تتخذ جميع الدول تدابير فعالة لمنع وإستئصال أي تمييز، على أساس الدين أو المعتقد، فى الإعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية فى جميع مجالات الحياة المدنية والإقتصادية والسياسية والإجتماعية والثقافية، وفى التمتع بهذه الحقوق والحريات
2.تبذل جميع الدول كل ما فى وسعها لسن التشريعات أو إلغائها حين يكون ذلك ضروريا للحئول دون إي تمييز من هذا النوع، ولاتخاذ جميع التدابير الملائمة لمكافحة التعصب القائم على أساس الدين أو المعتقدات الأخرى فى هذا الشأن
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف