مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

“أيقونولوجيات”.. سوسيولوجية

“أيقونولوجيات”.. سوسيولوجية            
 
 بقلم: الدكتور أحمد شراك      
التقديم الذي خص به الدكتور أحمد شراك، كتاب “مدرسة القلق الفكري”، شكرا لك ايها العملاق، محبتي و تقديري عندما أستعير عنوان هذه الفاتحة من ميشال مافيزولي(*)، حيث يبدو واضحا بأن ميشال يصر على إضافة (علم أو دراسة) للأيقونات (icones)، وهذا ما حاول أن يرسله عبر كتابه من خلال مجموعة من الأيقونات (أناس وأشياء وحوادث وإشكالات..)
للمُدارسة بطريقة مشاغبة على صعيد اللغة والمناولة، فقد اعتمد لغة دافئة يغلب عليها الإبداع والبلاغة الشعرية، ومن هنا لا غرابة إن كان مفتتح كتابه (Epigraphe) قد دبّجه برأي “ابستمولوجي” لوليام بلاك (William Blake) حول الشعر وتحديدا ماهية الشعر، الذي لا يستقيم إلا بمشاركة الجن: « Aucune poésie n’est possible sans la participation du diable »
إن الجن، قد يحيل على الميتافيزيقي، كما على اللامرئي والذي لا دليل عليه إلا القلب والوجدان في الخطاب التيولوجي. وهو مشتق من فعل جن، والذي يحيل على حقل ابستمولوجي غزير ووافر.. من بين الإحالات الجنون والجنين.. أما الجنون فلا يعني اللامنطق أو اللاعقل خاصة في ميدان الكتابة، بل على العكس قد يحيل على اللامعتاد واللامتداول وعلى العقل غير النمطي.. وغير المسكوك.. العقل النبيه الذي يبتعد عن النظير والشبيه. كما أن الجنين قد يرادف مرحلة التخلق البيولوجي الأولى، بشكل لامرئي، داخل بطن أمه، حيث أن اللامرئي قاسم مشترك ما بين الإنسان والجن.. لعل هذه الإحالات قد تتولّد منها أسباب نزول هذه الفاتحة ؛ فأُسرع إلى القول بأن السوسيولوجيا مازالت فيها كتابة البورتريه جنينا، ما زال يتخلق ويتخندق، كما أنها كتابة مجنونة بمعنى أنها طارئة على السوسيولوجيا.. فلقد عودتنا قبائل الأدب بركوب مغامرة التصوير بالكلمات بلغة عاشقة ورقيقة لا تخلو أحيانا من بلاغة الجنون الشعري. أما السوسيولوجيا فقد ظلت خطاباتها ممهورة بالأسئلة والإشكاليات والأرقام والإحصائيات والبيانات واللغة الباردة وصرامة المناولة والمنهج…
إلا أن هذا الكتاب قد عبق بعطر جديد في درس السوسيولوجيا الوطنية، افتتحه الأستاذ عبد الرحيم العطري من خلال ملامح دالة تؤسس لهكذا كتابة على صعيد التخلق الجينيالوجي.. فهي كتابة ركبت صهوة الشعراء من أجل الحفر في أراضي علم الاجتماع، وهي أراض شاسعة، حيث وصفت وصفا عميقا مختلف أتربتها ومختلف مشغوليات فاعليها وتخصصاتهم، إما في موضوعات وتيمات أو تخصصهم في محتذيات، فضلا عن مجمل الاهتمامات الإضافية لعالم الاجتماع المغربي كاهتمامه بالشعر والأدب والفن والسينما، انطلاقا من مَفْهمة عريضة للسؤال السوسيولوجي، باعتباره سؤالا تركيبيا يتكون من حدود ومفاهيم وقارات متعددة كالانثروبولوجيا والاقتصاد وعلم السياسة.. مما يجعل المتلقي في قلب مشاغل خصبة ومتعددة لأجيال السوسيولوجيا في المغرب سواء الجيل الأول أو الجيل الثاني أو الجيل الثالث، وهي مشاغل تحدد لكل سوسيولوجي أهم ما يميزه وييتمه في الأرض العلمية بالجغرافيا المغربية من النقد المزدوج إلى الشيخ والمريد، إلى المقدس إلى تكسير الطابو والنضال ضد ثقافة الحريم إلى الهامش إلى بركة العمامة والقلم.. إلى حضارة الصحراء إلى تفكيك الخطاب السياسي والقروي والجنسي والديني…
إنها بورتريهات تتجاوز التصوير بالكلمات، إلى الحفر في الخطابات انطلاقا من ثقافتين متداخلتين ثقافة التتبع والمعرفة، وثقافة الاعتراف لترسم في النهاية الحدود الجغرافية الوارفة للتدخل السوسيولوجي، الذي يشكل مساحة سبوعية في المشهد العلمي والثقافي ببلادنا فهنيئا لعبد الرحيم العطري على هذه البورتريهات الغيرية التي ترسم في العمق بورتريها جديدا في الكتابة السوسيولوجية بالمغرب هنا والآن.
د.أحمد شـراك
فاس في 9 فبراير 2013
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف