مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

الدلالات السياسية لزيارة الرئيس الفرنسي أولاند إلى المغرب

الدلالات السياسية لزيارة الرئيس الفرنسي أولاند إلى المغرب
 
إيمان أحمد عبد الحليم
بقيام الرئيس الفرنسي، فرانسوا أولاند، بزيارة المملكة المغربية يومي 3 و4 أبريل 2013، فقد أكد بذلك تميز علاقات فرنسا والمغرب، على الرغم من المخاوف التي سادت الرباط من تحول تلك العلاقات، مع تولي اليسار الحكم في باريس، خصوصاً أن أولاند –وعلى خلاف رؤساء فرنسا السابقين- قام في البداية بزيارة الجزائر في ديسمبر 2012، والتي هي على خلاف مع المغرب حول عدد من القضايا التي يأتي على رأسها قضية الصحراء الغربية.
ولكن يبدو أن الأهمية التي تمثلها المغرب لفرنسا قد دفعت إلى تأكيد عمق العلاقات القائم بين الدولتين، ولا سيما أن للمغرب موقفاً منسجماً مع الموقف الفرنسي من أزمات الساحل والصحراء. وبخلاف الجزائر التي ترددت قبل السماح للقوات الفرنسية بالعبور عبر أجواء البلاد لضرب قواعد الجماعات الجهادية في شمال مالي، فإن المغرب قبل القيام بذلك الدور دون تردد، الأمر الذي كان له أثره في دفع العلاقات بين باريس والرباط إلى آفاق جديدة، وخصوصاً أن تلك العلاقات تتيح لفرنسا الاستفادة من الإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي يحظى بها المغرب الذي يعدّ أكثر الدول استقرارا في شمال إفريقيا.
أهداف زيارة أولاند إلى المغرب:
للعلاقات الاقتصادية مع المغرب أهمية خاصة بالنسبة لفرنسا التي تعاني مشكلات كبيرة بفعل تداعيات الأزمة المالية العالمية، ولذلك فقد سعت إلى تنمية علاقاتها مع أكبر شريك اقتصادي لها خارج الاتحاد الأوروبي وذلك بقيمة مبادلات وصلت إلى 8 مليارات يورو، فضلاً عن أن فرنسا تمثل المستثمر الأول بالمملكة بما يناهز نصف حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وبـ750 فرعاً لشركات فرنسية، من بينها 36 شركة مصنفة ضمن الشركات الأربعين الأولى في البورصة الفرنسية.
من ذلك، لم يكن غريباً أن يرافق الرئيس أولاند في زيارته للمغرب تسعة من وزراء حكومته ونحو ستين من مديري الشركات الفرنسية، ورجال الأعمال، إضافة إلى مجموعة من المثقفين، من بينهم رئيس معهد العالم العربي في باريس، وعدد من رجال الدين، لتوقيع ما يقرب من ثلاثين اتفاقاً بلغت قيمتها الإجمالية نحو 300 مليون يورو، خاصة في مجال النقل (السكك الحديدية، والترام، والمترو، والخط الفائق السرعة)، بجانب اتفاقات في مجال الصناعة الغذائية، ومعالجة المياه، والطاقات المتجددة، والتعليم والبحث العلمي.
وأيضاً، فقد دشن الرئيس الفرنسي خلال زيارته محطة تنقية المياه في “مديونة” بضواحي الدار البيضاء، ساعياً كذلك إلى إرسال “إشارة انفتاح” من خلال الزيارة الخاصة التي قام بها وعدد من المسئولين الفرنسيين لمسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء، حيث انتقل بعد ذلك إلى العاصمة الرباط لإجراء مباحثات مع رئيس الحكومة المغربية، عبد الإله بن كيران، قبل إلقائه لخطاب مهم في البرلمان المغربي.
وبصرف النظر عن قطاعات التعاون التقليدية السالفة الذكر٬ فإن بروز أسواق جديدة في مجالات الصناعة الغذائية، والطاقة المتجددة، والشمسية، والريحية يشكل فرصاً ثمينة للشركات الفرنسية، وذلك مع النمو الكبير للاقتصاد المغربي، والذي وصل إلى نسبة 5% خلال عام 2012، وذلك مما يضاعف من حافز فرنسا لاستعادة كونها الشريك التجاري الأول للمغرب على مدى عقود، حيث تجاوزتها إسبانيا مع بداية عام 2012.
وفي المقابل، فإن فرنسا تعد في مقدمة الدول التي تعرف أكبر حجم لتحويلات المغاربة المقيمين في الخارج، وأول مصدر على مستوى دخول السياحة، حيث تمول المغرب بنحو 40% من عائدات السياحة. ولا شك فى أن الاستثمارات الفرنسية تسهم في توفير فرص عمل في بلد يشكو من ظاهرة البطالة، مع توفير التكنولوجيا التي يحتاج إليها المغرب لأغراض الصناعة، ورفع مستوى الإنتاجية.
غير أنه مما يضاعف من أهمية التعاون بين فرنسا والمغرب هو التنسيق الممكن في الملفات الإقليمية والدولية، والتي يأتي على رأسها قضية التدخل العسكري الفرنسي في مالي، ولا سيما أن الحكومة المغربية قد سمحت للطيران الفرنسي باستخدام أجواء البلاد لمحاربة التنظيمات الجهادية في شمال مالي، متحدية بذلك موقف الكثير من الفصائل المغربية، سواء الإسلامية منها أو اليسارية، التي أعلنت رفضها الشديد للتدخل العسكري الفرنسي في دولة الجوار، وتقديم أي دعم لفرنسا في هذا الصدد.
ولكن رغم ذلك، فقد عبّر المغرب رسمياً عن إيمانه بأهمية محاربة الوجود العسكري للتنظيمات الجهادية في الساحل الإفريقي، معلناً عن تضامنه مع الحكومة الشرعية في مالي من أجل عودة النظام الدستوري، واحترام وحدة البلاد الترابية واستقلالها في مواجهة الحركات الانفصالية التي تهدد السلم والأمن، ليس فقط في منطقة الساحل، بل تتعداها إلى كامل منطقة المغرب العربي، دون إنكار حق مالي في تلقي المساعدة العسكرية من الخارج لأجل مواجهة العناصر المتطرفة، وذلك بجانب تقديم المغرب الدعم الاستخباراتي للقوات الفرنسية بحكم المعلومات التي جمعها خلال الأعوام الثلاثة الماضية عن المنطقة.
وقد جدد العاهل المغربي خلال استقباله أولاند على دعم بلاده “للعمل الذي قامت به فرنسا بكل حزم وشجاعة، والذي مكّن مالي من استعادة سيطرتها على كل أراضيها، والحفاظ على توجهاتها الوطنية المشروعة”، في حين عبّر الرئيس الفرنسي عن امتنانه للدعم الذي قدمه المغرب “منذ اليوم الأول للتدخل الفرنسي في مالي باسم المجتمع الدولي من أجل مكافحة الإرهاب”، موضحاً أن باريس والرباط تعملان من أجل بلورة حل سياسي ديمقراطي في مالي، ومن أجل دحر الإرهاب نهائياً من منطقة الساحل، كونه يهدد أمن واستقرار دول حوض المتوسط وأوروبا.
وشرح أولاند أمام البرلمان المغربي السياسة الفرنسية في مالي، موضحاً أن جزءًا كبيراً من القوات الفرنسية سيغادر مالي قريباً لتحل محلها قوات إفريقية تحت غطاء أممي، وهذا لفرض الأمن في هذا البلد، والسماح له بإجراء انتخابات نزيهة تؤدي إلى عودة المسار الديمقراطي المنقطع منذ أكثر من عام، داعياً مع العاهل المغربي إلى تشجيع حوار مفتوح وصريح بين كل مكونات المجتمع المالي، وشددا على مواصلة عمليات تأمين مناطق شمال مالي، ونشر الاستقرار فيها، وجددا في هذا السياق على تمسكهما بإيجاد رد شامل ومتفق عليه من قبل المجموعة الدولية على التهديد الشامل الذي يحيق بمنطقة الساحل والصحراء.
ولكن كان لافتاً تصريح أولاند أن المغرب “هو “الدولة الأكثر فهماً لمخاطر الأحداث التي تجري في شمال مالي”، الأمر الذي قد يعني إمكانية الاستفادة من المكانة الاستراتيجية التي يحظى بها المغرب بدخوله ضمن القوات الأممية التي ينتظر أن تضطلع بالمهمة الأمنية في مالي مع الانحساب الفرنسي من هناك. بل إن المغرب يمكنه مستقبلاً مراقبة الوضع هناك عن قرب، وذلك مع تزايد مخاطر انتشار السلاح والمخدرات القادمة من الخطوط الجديدة العابرة لشمال مالي، فضلاً عن وجود أكثر من سبعين خلية تابعة للقاعدة في منطقة الساحل والصحراء.
وأيضا، فقد هيمن موضوع خلق تعاون أكثر فاعلية بين دول البحر المتوسط، وبلورة معاهدة أورو-متوسطية جديدة على الزيارة التي قام بها أولاند إلى المغرب، والمحادثات التي أجراها مع العاهل المغربي في الدار البيضاء. وقد أكد الملك محمد السادس أن “المغرب عازم وبشكل خاص على العمل في انسجام مع فرنسا، من أجل انبثاق معاهدة أورو-متوسطية جديدة من شأنها أن تخلق في السياق نفسه المزيد من التوافق في الديمقراطية والتضامن والازدهار“.
وأعرب قائدا البلدين كذلك عن انشغالهما الشديد باستمرار تفاقم الوضع الإنساني في سوريا، وجددا تأكيد الطابع الاستعجالي لانتقال سياسي سريع هناك، وفي الوقت نفسه الالتزام بتنسيق المبادرات في الميدان، وتوحيد مواقف قوى المعارضة. وأكدا في ختام مباحثاتهما الحاجة إلى دعم المسلسل الواعد والحيوي للمصالحة الفلسطينية٬ وإيجاد صيغة جديدة لاستئناف فعلي للمفاوضات الإسرائيلية- الفلسطينية من أجل تسوية هذا النزاع بشكل نهائي، وإتاحة قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة على كل المستويات، تكون عاصمتها القدس الشريف، طبقاً للمرجعية الأممية، والشرعية الدولية.
ملاحظات رئيسية على زيارة أولاند:
مع الأهمية الكبيرة التي يمثلها المغرب لفرنسا على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، لم يكن غريباً أن يتجنب الرئيس الفرنسي، خلال زيارته الرباط، إثارة قضايا خلافية مع المغرب، بل سعى إلى تأكيد التوافق مع السياسة المغربية حول عدد من الملفات التي يمكن اعتبارها محل جدل.
فمن ناحية أولى: وفي حين كان من الأهداف الفرنسية الرئيسية الحفاظ على دعم المغرب في الملف المالي، فإن المغرب في المقابل استهدف من زيارة أولاند تأكيد موقف باريس من نزاع الصحراء الغربية، إذ تعد فرنسا الدولة الوحيدة من أعضاء مجلس الأمن الدولي التي تتبنى المبادرة المغربية لحل نزاع الصحراء الغربية، حيث أيدت بشكل واضح المبادرة القائمة على منح الصحراويين حكماً ذاتياً ذا صلاحيات واسعة تحت السيادة المغربية.وتذهب بعض الآراء للقول إن باريس كان لها دور أساسي في تشجيع المغرب على هذه المبادرة وصياغتها وتقديمها لمجلس الأمن في عام 2007، ولكن ساد تخوف وسط الطبقة الحاكمة في الرباط، بعد وصول أولاند إلى الرئاسة، واحتمال أن يغير نوعاً ما من موقف بلاده في نزاع الصحراء.
ولكن على عكس الاعتقادات التي كانت تتوقع تحولاً في موقف فرنسا من تلك القضية، وخصوصاً بعد توجيه الرئيس الصحراوي رسالة إلى نظيره الفرنسي قبيل زيارته المغرب، أكد فيها أن موقف باريس تجاه القضية الصحراوية يشكل عائقاً أمام السلام والعدل، مشيراً إلى أنه لم يفت الأوان لإعادة النظر في هذا الموقف، فإن أولاند جعل من تأييد المغرب أكبر نقطة جوهرية في خطابه الذي ألقاه أمام البرلمان المغربي في اليوم الثاني لزيارته، وذلك عندما شدد على ثوابت فرنسا المتمثلة في الدعوة إلى استمرار المفاوضات على أساس مقترح الحكم الذاتي الذي ترى فيه الحل الأمثل المطروح لتلك القضية.
وقد أقر أولاند بأن القضية لا تزال تفسد العلاقات بين دول المغرب العربي، خاصة بين الجزائر والمغرب، وتعيق بناء شراكة اقتصادية، واجتماعية متوسطية ومغربية حقيقية تناسب تطلعات شعوب المنطقة، مضيفاً أن فرنسا تساند خطة الأمين العام للأمم المتحدة، وتوصيات مجلس الأمن لحل هذا الخلاف، مشيراً أيضاً إلى أن فرنسا تساند الخطة التي قدمها المغرب عام 2007 ، والتي تقترح منح استقلال ذاتي واسع النطاق للصحراء الغربية، والتي تأتي كبديل عن الاستقلال الذي تنادي به جبهة البوليساريو منذ عام 1975.
ومن ناحية ثانية: وفي حين دعت منظمة “هيومن رايتس ووتش”، وعدد من منظمات حقوق الإنسان بالمغرب، الرئيس الفرنسي إلى إثارة قضايا حقوق الإنسان، خلال لقائه بالملك محمد السادس، فإن أولاند في المقابل أثنى على ما شهده المغرب من إصلاحات تفادى بها التأثيرات السلبية التي أعقبت ثورات “الربيع العربي”، وأيّد أولاند في الخطاب الذي ألقاه أمام البرلمان المغربي الإصلاحات السياسية في المملكة، معتبراً أنها تتخذ “خطوات حاسمة نحو الديمقراطية”، ولكي تصبح” دولة مستقرة” في إطار الربيع العربي، معرباً عن ثقة بلاده في العملية الديمقراطية بالمغرب، “رغم أن الأمور لا تجري بالسرعة التي يريدها الكثيرون”، مشيراً إلى أن دستور البلاد الجديد الذي اعتمد في صيف عام 2011 “يؤسس للفصل بين السلطات”، ويضمن “التسامح ويعترف بالطبيعة المتعددة للهوية المغربية”، وليرى الرئيس الفرنسي أن “المغرب لم يشهد الربيع العربي، بل استبقه“.
ومن ناحية ثالثة: فقد رأى البعض أن زيارة أولاند للمغرب تضمنت اعتذاراً ضمنياً عن فترة الاستعمار، حيث قال- في خطابه أمام البرلمان- إن بلاده لن تنسى التضحيات التي قدمها جنود مغربيون خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية لكي تسترجع حريتها، وتتخلص من النازية. وقال إنه سيعمل على ضمان مشاركة المغرب “بشكل وثيق في احتفالات” مرور مائة عام على الحرب العالمية الأولى، والذكرى السبعينية للحرب العالمية الثانية. فيما كانت منظمات حقوقية مغربية قد طالبت فرنسا بتقديم اعتذار رسمي للمغرب بسبب ما لحق بأبنائه من مآس إنسانية، إبان فترة الاستعمار التي دامت نحو 43 عاماً، مطالبة بتعويض المغرب عمّا حدث من استغلال ونهب لثرواته طيلة سنوات الاحتلال من خلال تحمل فرنسا لديون المغرب الخارجية.
وعليه، يمكن القول إن زيارة الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند إلى المغرب كانت سياسية بامتياز، وقد هدفت إلى إعادة التوازن لتداعيات زيارته السابقة إلى الجزائر، والتي أثارت مخاوف مغربية من إمكانية تحول السياسة الفرنسية مع تولي اليسار الحكم في باريس، وليتجنب أولاند بذلك التوتر الذي شهدته علاقات الرباط بباريس، بعد تولي الرئيس الراحل فرانسوا ميتران لرئاسة الجمهورية الفرنسية عام 1981، حيث حصل تدهور مستمر للعلاقات السياسية بين البلدين بسبب مواقف اليسار الفرنسي من سياسات الملك الراحل الحسن الثاني الذي نسج روابط خاصة مع اليمين. ومع الإشارة كذلك إلى أن المغرب يُعد البلد الذي استقبل أكبر عدد من الوزراء الفرنسيين، منذ وصول أولاند إلى الرئاسة في مايو 2012، فضلاً عن أن الملك محمد السادس كان أول زعيم يستقبله أولاند بعد تنصيبه رئيساً، وكل ذلك إنما يدل على عمق العلاقات القائمة بين المغرب وفرنسا.
تعريف الكاتب:
باحثة متخصصة في الشئون العربية
عن السياسة الدولية
 
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف