مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

فيكتور هيغو :السياسي والشاعر والروائي

فيكتور هيغو :السياسي والشاعر والروائي

ترجمة : سعيـد بوخليـط

خاص بالموقع 
**تقديم
جون مارك هوفاس،مدير المركز الوطني للبحث العلمي،وكذا مركز دراسة المراسلات والمذكرات الشخصية،التابع لجامعة بريست.كتب عن فيكتور هيغو سيرة ذاتية ضخمة(منشورات فايار) :الجزء الأول”قبل المنفى” ((1851-1802(صدر سنة 2001) .ثم الجزء الثاني”فترة المنفى”(1864-1851)(الصادر سنة 2008).وأخيرا،الجزء الثالث المتوقع خروجه إلى الأسواق سنة2015،الذي سيتزامن مع مرور مائتي سنة على معركة “واتيرلو”.
إذن، هوفاس المتخصص في فيكتور هيغو، صار عمله السيري عن أديب فرنسا،مرجعا يدافع على فكرة أن هيغو، هيمن على عصره لأنه أدرك كيف يفرض نفسه مبكرا جدا في مختلف الأجناس :الشعر،الرواية ثم المسرح.ويجزم،بأن كل هذه الجوانب الإبداعية عند هيغو قد تبلورت في روايته البؤساء،التي احتفلت سنة 1912 بالذكرى المائة والخمسين لصدورها. رواية،صعبة جدا على التناول تماما مثل صاحبها الذي ينفلت ككتاب آخرين من طينته،على تأطير ضمن قياس عام.  
1-وفق أي مستوى يعتبر فيكتور هيغو مجددا في كتابته؟بماذا استثني عن معاصريه؟
إلى غاية منتصف القرن،استمرت اللغة كلاسيكية بالنسبة لرائد حركة وصفت بالرومانسية.تلقى هيغو، مثل أغلب معاصريه تكوينا متينا في اللاتينية،ثم طور فرنسيته بالترجمة من اللاتينية(وليس اليونانية،التي يعرفها لقليلا).بالتأكيد،شرع في هذا السعي بهمة، مقارنة مع آخرين،كما يشهد على هذا الأمر تنافسه الخاص مع أخيه “أوجين” :خلال فترة دراستهما،فقد راهنا معا على من سيترجم بشكل أفضل إلى مقاطع شعرية فرنسية،نصوص “هوراس” و”فيرجيل” أو “لوكريس”.ينبغي،في نفس الآن،الاقتراب أكثر من الأصلي،واستعمال أقل ما يمكن من الأبيات الشعرية والكلمات.هكذا،علاوة على براعة نادرة،فقد بدت ترجمة هيغو خالية من أي أثر لهؤلاء.فكيف، استطاع التميز عن الآخرين،وهو الرجل الذي بقي قادرا على أن ينشد آلاف المقاطع الشعرية اللاتينية،مع أن سنه قد تجاوز الستين.؟طبعا إلى جانب هذه التمارين، حظي هيغو بفرصة تتمثل في كونه قبل بلوغه سن العاشرة،انغمس في لغة وثقافة أجنبيتين عنه،جراء إقامته الرائعة والرهيبة كذلك سنة 1811بمدينة مدريد،لما يقارب مدة سنة. لقد ذهب للالتحاق بأسرته وأبيه الجنيرال هيغو،الذي كان أحد أفراد المحيط القريب جدا من “جوزيف بونابارت” الأخ الأكبر ل “نابليون”،وكان حينذاك ملكا لإسبانيا.ربما،لو لم يحدث التقهقر في روسيا ثم المقاومة التي أبداها الإسبان،لمكث هيغو في هذا البلد واستحال كاتبا إسبانيا. فرضية،يستحضرها تخيلا من باب التسلية.هذه الإقامة المفصلية،خلفت أثرا واضحا على حياته وكتاباته،حد أنه سيرفض فيما بعد رفضا دائما،تعلم لغة أجنبية أخرى.لذلك،خلص إلى مايلي بعد أن قضى سنوات داخل مجال إقليمي يتكلم أغلبيته اللغة الإنجليزية :إذا، أراد الإنجليز التحدث إلي،فما عليهم غير تعلم اللغة الفرنسية.فهل شكل،التأرجح بين لغتين أجنبيتين واحدة حية و الثانية ميتة،شرطا جوهريا كي يتمكن من لغته الخاصة؟لم يعلن قط عن هذا الموقف صراحة،لكنه كشف عن أمر مفاده،أنه من بين جميع معاصريه،كان أفضل من يتقن الفرنسية.لا يوجد أي مبرر،يحول دون الاقتناع بهكذا حكم.
2-هل هيغو تقدمي بل ثوري،بخصوص هذا التصور مثلما كان مساره السياسي؟
ج- سؤال صعب. وضع “طاقية حمراء على قاموس قديم”، شكل فعلا، إرادة تتبدى بين صفحات قصائده الأولى المعنونة ب :”contemplations “(تأملات).لكن هذه الأشعار الثورية المؤرخة لمجموعة نصوص كتبها سنوات1830 أو1840 هي في حقيقة الواقع ألفها جميعها سنوات 1850،مما أثار انتقادات غاضبة خلال تلك الحقبة، والمتموقعة أفضل منا كي تقيس هذا الفارق.فما هي اعتراضاتها؟بحيث دفعت فيكتور هيغو،كي يعيد قراءة تاريخه على ضوء ما صار إليه. المؤكد،أن كل واحد يمكنه تبني خطة سهلة جدا،بناء على اللغة التي استعملها هيغو مثلا قبل فترة المنفى في عمله “les Feuilles d automne”1831،(أوراق الخريف) وكذا في، “le rhin”(الرين) (1842) ،فإنها لاتشبه تماما لغة عمله الشعري الآخر”william shakespeare”(وليام شكسبير)1864)) ،أو “l homme qui rit”(الرجل الذي يضحك)(1869).طبعا،تتجلى ثوابت مثل رفضه المنهجي تقريبا،للكلمة المستحدثة أو هذا الارتياب من الكلمة الدقيقة :يبدأ مسرحيته “كرومويل”،بتاريخ يشكل بحرا شعريا اسكندريا :(غدا،25 يونيو1657) ،وكذا توظيفه   في روايته البؤساء لكلمة الجنيرال “كامبرون” ومختزلا إياها  في  :”قذارة” !  استعملها مرة واحدة ،لكن النقد رددها بشكل لانهائي(الديماغوجية النحوية،كما علق لامارتين).في المقابل،يلزمك أن تكون أعمى كي لا تدرك،تطور أسلوبه لحظة المنفى (1851-1870) ،ثم نتائج هذا على كتابته أو بيوغرافيته.يكفي،أن تتصفح تقريبا صدفة،الدراسة المعنونةب”ويليام شكسبير”،ثم كذلك عمليه الروائين الأخيرين خلال تلك الفترة القاتمة :”عمال البحر”(1866) و”الرجل الذي يضحك”.تعدد الفقرات ،لعبة التأرجح بين السرد الطويل والعبارات المقتضبة،ثم كثافة سميكة للأقوال والصور الخاطفة،بقدر علامات صنع مفارقة أذهلت كليا المعاصرين.فابتداء من مؤلف هيغوعن “ويليام شكسبير”،سيقف “تيوفيل غوتي” الشاعر الرائع وساحر الآداب الفرنسي،عاجزا عن كيفية تقييم الكتابات الجديدة لصديقه القديم.فقد أبدت، مذكرات  الأخوان “غونكور” ،عن خيبة أملهما.  وإذا استفسرا غوتي عن رأيه،فباعتبارهما الحكام المقررين للأسلوب الفني،قد تجوزوا ويعبران بالتالي عن المستجد بطريقة مضحكة :((بالنسبة إلينا، لا تبدو أبدا عبارات هيغو كعبارات ،لكنها نيازك جوية :بعضها يسقط من السماء،بينما أخرى تأتي من القمر)).هيغو،المنتمي إلى هذه المرحلة،كان من السهل تحريفه بسخرية( لن يكون الأول والأخير، الذي سيتعرض لهذه المواقف). إنه ،لا يشبه مطلقا أي شخص ثان غير نفسه.هل يدل هذا على كون هيغو ثوريا في كتابته؟بوسعنا،في جميع الأحوال الإقرار وفق المعنى نفسه،أن أسلوبه تماشى حقا مع مساره السياسي.
3س- ما الموقع الذي تشغله روايته “البؤساء”1862،في سياق ثورته؟
موقع جوهري،بل موقع قائم الذات.لقد تميزت الرواية،بخصوصية أنها عرفت حقبتين في التأليف،كلتيهما قويتين جدا،تفصل بينهما اثنا عشر سنة من التوقف : أولا حقبة(1848-1845) اعتبرت هنا الرواية متصالحة مع فرنسا.ثانيا،حقبة (1860-1862) هنا صارت الرواية محظورة جمهوريا.نصفا قرن،بالتالي حياة منقسمة إلى شطرين.تقدم اللغة، إذن مزيجا لهاتين الطريقتين.واحدة تنحدر على خط مستقيم من “فولتير” إلى عصر الأنوار.ثم أخرى،تبدي إعجابها بالسورياليين وأتباعهم.يمكننا، الاعتقاد بأن المرحلة الأولى،تعتبرببساطة أكثر كلاسيكية من الثانية،وهو أمر يمكن ملاحظته بشكل واضح.لو أن بيكاسو،استطاع إنهاء خلال حقبته التكعيبية لوحة جدرانية،بدأها فترة المرحلة الزرقاء،فبالتأكيد كان سيعيد النظر في مجموع منجزه بدلا من أن يصنع جثة رائعة.قبل، أن يواصل فيكتور هيغو،سنة1860السرد الذي توقف سنة 1848،فقد أخذ كثيرا من الوقت كي يعيد قراءة ماكتبه.وكما يقول بهذا الصدد :((يحضر العمل في كليته إلى ذهني، عبر التأمل والإلهام،بهدف أن تقوم وحدة مطلقة بين ماكتبته منذ اثني عشر سنة،ثم ما سأكتبه حاليا)).جملة،استمرت تقريبا تسعة أشهر على وجه التقريب،وعكستها من بين أشياء أخرى إضافات عديدة داخل الفصول القديمة ذاتها،سواء على مستوى الكلمة والجملة والفقرة والفصل ثم العمل ككل.أكثر جلاء،تلك الاستطرادات عن معركة “واترلو” أو بورتريه”لوي فيليب”،التي أثارت استياء لامارتين،لكنها تدفع القراء الشباب إلى القفز بمرح،ثم ستلعب دورا رئيسيا في الافتتان الممارس علينا دائما من قبل هذه الرواية الرائعة،تلك الصياغة الجديدة الأولى –بؤساء مفترضين-أعاد تركيبها ثانية “غي روزا”على الموقع الاليكتروني لجماعة هوغو : (http:groupugo.div.jussieu.fr) إلى جانب النص الأصلي.فليست بالمفارقة البسيطة،أن روايتنا الوطنية الكبرى،لم تعرف أبدا طبعة نقدية جديرة بهذا الوصف،وتحتم انتظار القرن الواحد والعشرين مع نفاذ الرواية ورقيا،كي نضع أخيرا نسخة رهن إشارة الجميع.نسخة الرواية الأولى،غيرتامة وبصراحة أكثر بساطة وإيجازا.
4 س- على طريقة الكاتبين أوجين سو sue أو بلزاك،معاصريه لما يقارب سنتين أو ثلاث سنوات؟
ج-  يمكننا في الواقع التأكيد على أن أول تأثير لفيكتور هيغو،خلال لحظة شروعه في كتابة العمل،يعود إلى الروايات المسلسلة الناجحة.  روايات،مبهرة ، مجزأة إلى مقاطع،رفعت من طبعة الجرائد التي تنشرها  على صفحاتها.طبعا،نجد في هذا المقام “أوجين سو” الذي أخرج إلى القارئ عمله”اليهودي التائه”. ثم،خصوصا صديقه “ألكسندر دوما”،الذي أصدر في نفس فترة بداية هيغو لعمله،عناوين مثل :
1/ vignt ans après 2/le chevalier de la maison rouge 3/la dame de Monsoreau. 
ألكسندردوما، مبدع أيضا رواية : “Notre Dame de paris”،لم يظهر بجانب هيغو، سوى صورة باهتة رغم بداياته الواعدة جدا وكذا مقعده في الأكاديمية الفرنسية :  لقد سبق له قبل خمس عشرة سنة تقريبا، الإعلان عن رواية جديدة لم نعرف عنها إلا عنوانها : la Quiquengrogne-تعبير قروسطي، يشير إلى الكيفية التي يرد بها كاتب على الاعتراضات الموجهة إليه- فصار موضوعا للغمز واللمز لدى الرومانسيين.أما مع بلزاك،فسنلاحظ شيئا ثانيا مع فوارق هينة،لاسيما ماتعلق منه بالمسرح الذي يلقى تثمينا عند الكاتبين.هيغو وقد أهداه بلزاك عمله “illusions perdues” ،  سيقتفي عن قرب خطوات نص بلزاك الآخر المعنون ب “الكوميديا الإنسانية”.ربما،لم يستلهم كل حمولتها،إلا بعد وفاة مهندسها الكبير،حيث كان هيغو وياللعجب،آخر شخص يزوره.هل يدخل في إطار الصدف،ونحن نقرأ خطاب فيكتور هيغو الذي ألقاه أمام قبر بلزاك في مدفن العظماء المسمى  ب”pére lachaise”،أن يغمرنا إحساس كوننا نتلمس مشروع رواية البؤساء؟وإذا كان طموح بلزاك المعلن،هو أن يسابق بعمله الكوميديا الإنسانية نحو الدولة المدنية،فالهاجس الخفي لهيغو،يكمن في رغبته منافسة الكوميديا الإنسانية بروايته البؤساء.نفس الحقبة والقوالب والوقائع.لكن إذا أسس بلزاك ،عبرلوحات متعددة بناء ضخما مع إبداع ذيلي ،لشخصيات ستظهر مرة أخرى،فقد أقام هيغو من خلال البؤساء صرحا منفردا وشاملا،تنصهر داخله كل الأجناس الأدبية،ثم أبدع على النقيض من بلزاك شخصيات تختفي وهو مايشكل ماهية البؤساء ذاتها.
6 س- من بين معاصري هيغو أيضا،نستحضر بودلير. ونتذكر في الآن نفسه،أن  الأخير أبدى قسوة نحوه ولم يكن متوافقا معه؟
ج-هناك تفسيرات إيديولوجية لهذا التناول النقدي السيئ للبؤساء،وكذا حيثيات متعلقة بالمجاراة الأدبية.لقد خلط هيغو مابين الأسطر،وأثار منذ البداية حفيظة المؤيدين له،حول سؤالين جوهرين : الدين ونابليون.قطعا،ليس “البابا والإمبراطور،بنصفي إله”كما في حقبة مسرحيته “هيرناني”(Hernani) ،ولكن تقريبا : سيدنا على الرحب والسعة،هو رجل الكنيسة المثالي،أو رجل كنيسة مثالية.نابليون،وعلى الرغم من كل التحفظات لم يلق به  هنا بعيدا،خارج التاريخ باعتباره وحشا.هكذا،تنزع بداية البؤساء السلاح من الجانبين :تفاجأ أنصار النقد المحافظ بقدر ماخاب أمل الجمهوريين،ثم ستقترب التتمة أكثر مما يمكننا انتظاره من الكاتب ،بحيث تخلص النقد الرجعي من قيده ،مع عجز الجمهوريين  كي يدافعوا عن قناعاتهم.لقد كشف هيغو عن تذمره ،باستيعاب حقيقي للأشياء،عبر رسالة رافقت خروج روايته.يقول :((تدعم الجرائد العالم القديم،قائلة : إنه نص  قبيح،مقزز،شنيع،فقير،رديء،مثير للسخرية والإشمئزاز،مشوه، قبيح، مرعب، إلخ)).بينما ((ترد عليها الجرائد الديمقراطية والصديقة :لكنه جيد)).أما عن بودلير،فالأمر مختلف.لكن في المجمل، مبرراته هي ذاتها التي نجدها لدى فلوبير :كلاهما،يرفض توظيف الرواية،من أجل تضمين رسالة ما،بل،الفن للفن،نعم.أما الفن الأداتي ،أو الفن الإجتماعي،فلا. نقول هذا،ونحن نستحضر بعضا من اعتبارات المنافسة الأدبية،فقد كان فلوبير حتى ذاك الوقت (وسيعود إلى هذا فيما بعد) ، مفتونا بفيكتور هيغو على وجه الإطلاق تقريبا،وأكثر تحمسا من بودلير لخروج عمل “أسطورة القرن” (1859) ،قناعة اضطرت فلوبير إلى تأجيل إصدار روايته”سالومبو”Salammbo”،منتظرا  مرور الإعصار القوي لرواية البؤساء.
7س- هل هيمن فيكتور هيغو على سنة 1862؟أم القرن التاسع عشر عموما؟
ج-لقد تدرج صدور الأجزاء العشرة للرواية،خلال شهور عديدة فشغلت تقريبا كل الصحافة إبان الحقبة.هكذا يمكننا استيعاب دوافع سخط الزملاء الإخوة(ينطوي مفهوم الإخوة على جذر كلمة أخ)مثلما ينبهنا هيغو. بدورهما،يتسلى الأخوان غونكور وهما يدونان في مذكراتهما،درجة هوس فلوبير خلال تلك السنة كي يسير : ((بخطى متواضعة،بهدف أن ينافس هيغو)).هذا الصدور، المتزامن تقريبا سنة 1862لروايتي “سالامبو” و “البؤساء” سيخلق نوعا من التيهان.بشكل عام أكثر،إذا عانى الشعراء وهم يجدون أمامهم معاصرا بهذه القامة،ويستحيل عليهم موضعة ذواتهم إلا قياسا لهيغو –رفضا أو ولعا- فالسياق لم يكن كذلك فيما يخص الروائيين :نتذكر أنه سنة1862 ،كانت قد مرت أكثر من ثلاثين سنة،لم يصدرخلالها هيغو أي رواية.أما، بخصوص هيمنته على القرن ،فإلى جانب شخصيته وكتابته الاستثنائيين، ارتبط هيغو بهاجس مثالي منذ فترة شبابه الأولى،تتمثل في سعيه نحو تحقيق نجاحات متزامنة فيما يتعلق بكل الأجناس الأدبية : القصيدة والمسرح والرواية.
8-على ذكر المسرح،ما هو الموقع الذي يشغله حاليا مسرح فيكتور هيغو؟
ج-سأجيب بطريقة لا لبس فيها،أن هذا المسرح لم يتداول كفاية.لكنه، ربما حكم مصدره توهم بصري.ذلك أنه طيلة السنوات الماضية،كلما تم عرض مسرحية من مسرحياته،على سبيل المثال :”ألف فرنك مكافأة” و”الملك يتسلى” أو أيضا ” أنجيلو،مستبد بادو”padou ،إلا وأثارنتباهنا المعطيان التاليان :أولهما نجاحه على جميع المستويات،سواء كانت قاعة العرض صغيرة أو كبيرة،فهي مكتظة دائما.أما الملاحظة الثانية المدهشة،والتي يفترض أن أعبر عنها بداية باعتبارها الأساس التأويلي لهذا النجاح،فتشير إلى الفعالية الهائلة للتأليف، نتيجة تعقد الشخصيات وغنى الحكايات وجمالية اللغة والمواقف الحيوية الهزلية غالبا لردود الفعل دون أن أتوقف عند المغامرات العجيبة التي حدثت.
9 س– لكن على أية حال،جنس أدبي قد لايبدو معه حضور هيغو قويا؟
ج-يمكننا، الدفاع عنه من جانبي الشعر والنثر،وضد عدد قليل.أما على مستوى ما تبقى، فيستمر قضية ذوقية.بعض المولعين،بكل ماهو مرئي،يجزمون بأن هيغو لانظير له على مستوى الريبورتاج المباشر،إنه صاحب نزوع صحافي.البعض الثاني،ينزع صوب التمسك بأنه لاشيء يعادل لديه عمله المكتوب المدهش جدا والمتنوع والعميق.إذن كلاهما،على صواب.مع ذلك،ينبغي على الأقل إعطاء موقع رفيع لقصيدته،رغم أننا نحتفل سنة2012 ،بذكرى روايته البؤساء. رامبو،لم يخطئ أبدا في هذا الإطار،وقد وجد في البؤساء قصيدة حقيقية.كان يبلغ حينئذ خمس عشرة سنة،لما قدم له”جورج إيزامبار” أستاذه الجمهوري، الرواية. لكن على الفور، لن تتردد  أم  رامبو  في  إعادة  هذا الكتاب إلى الثانوية مصحوبا برسالة احتجاجية. فبعد مرور ثمان سنوات على ظهور روايته ،لازالت دائما كلمة الجنرال كامبرون في واترلو تطرح الإشكال.من الممكن حاليا،نتيجة عدم تقدير جيد في الرؤية،أن لانقرن أبدا فكرة الحداثة الشعرية بفيكتور هيغو،فهي تعود إليه،هكذا يستحيل أن نترقب قولا أفضل من رأي بودلير) :(حينما نتصور ما الذي كانت عليه القصيدة الفرنسية قبل مجيئه،ثم التجدد الذي عاشته منذ ظهوره على الساحة.عندما، نستحضر هذا القليل الذي كانت عليه،لو لم يأت.كم هي المشاعر الخفية والعميقة،التي أبرزها وعبر عنها، بدونه كانت ستبقى خرساء.كم من ذكاء  عمل على بعثه، والأشخاص الذين تألقوا بفضله،كانوا سيظلون نكرة.لذلك،يستحيل أن لانعتبره أحد العقول السماوية النادرة التي أحدثت على مستوى النظام الأدبي،خلاصا للجميع كما فعل آخرون فيما يتعلق بالنظام الأخلاقي والسياسي)).
10 س-على منوال بودلير،لايبدو أنكم تتفقون مع الدليل الذي يؤكد أننا نحتفي أولا وقبل كل شيء، بالسياسي لدى فيكتور هيغو.هل تعيدون الاعتبار،أولا وقبل كل شيء في بحثكم إلى الكاتب.ثم ،ماهو المنظور الأمثل، لكي نحكم بطريقة صائبة على هيغو؟
ج-ربما أكون على غير صواب،لكن يمكنني التشديد على أن كل شيء سياسي عند هيغو، منذ المنطلق. مع هذا،لم يكن قطعا الأخير أو النادر الذي تبوأ أعباء معارك كبرى،بل سنجد قبله بوضوح نموذجان متعاقبان :شاتوبريان و لامارتين.وبجانبهما أيضا،آلاف من مناصري مبدأ إلغاء الرق،وآخرين مدافعين عن الحريات ثم مفكرين يحلمون بأوروبا.لكن لماذا نتذكره وحده أو تقريبا كذلك؟هل، الأمر مرده إلى السياسة أم الأدب ؟هوسه، بأن يفكر و يحسب وترصد مختلف الأشياء،هل يفسر سياسيا أم أدبيا؟لقد سبق لجاك سيباشير،أن وضع عنوانا فرعيا لدراسته حول فيكتور هيغو :”حساب الأعماق”.إنه، وصف دقيق.لكن،فيما وراء الانقسامات الظاهرة والتناقضات التي لايمكن أن نجزم بها جميعها،يبقى هيغو حضورا وصوتا وأسلوبا،سنعثر عليه ثانية في أقوال مسرحية “روي بلاس” وخطابات المحافل ثم بين طيات أفكار “ماريوس” والقصائد المغناة،وكذلك أغاني “غافروش” ومنزل “Guernesey  ” ثم خلف مصير “جان فالجان” وكذا في قلب خطاطة عمله :”عمال البحر” إلخ،أحد النصوص الأخيرة لفيكتور هيغو، وهومن الأهمية بمكان، مثل وصيته لكنه لايستشهد به كثيرا،إنه مدخل لجل متونه الأخيرة تدشنه هذه الجملة الرائعة حتى في تكراراتها “:كل شخص يؤلف كتابا،فهذا الكتاب بمثابة ذاته”،هكذا ستبدو صورة الكاتب فيما بعد كظل لكل أعماله :((إنها عقاب له،إذا كان تافها وفي المقابل مكافأة له إن كان عظيما)).فنادرا،مابلورنا بدقة صلة الكاتب بنصوصه إن لم يكن بحياته.أما،بخصوص المنظور الأمثل بهدف تقييم حقيقي لفيكتور هيغو،فيصعب تحديده لماذا؟لأنه عبقري جيد-لكن لا يوجد عبقري سيئ بحسبه-وبفضل خاصية كهاته سيتعالى إلى جوار البعض الآخر من طينته (إيسكيل، شكسبير، سيرفانتس)  عن كل قياس عام.
boukhlet10@gmail.com
المغرب. 
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف